اصطك الرعد فانهمر المطر مدرارا، بروق متوالية انقدحت في السماء، كانت القرية في هذا الوقت ترزح تحت موجة صقيع شديدة، جعلت الأمطار كل شىء موحلا رطبا، سريعا ما وصلا إلى الدكان حيث حملق "كلودة" في وجهيهما والماء قد أغرقهما بالكامل وقال:
- "ُكومبو" !!
- "كلودة" هذا الشاب يزعم أ ّنه صديقك.
أسرع "كلودة" يفك قيد "أنس" ورشق "كومبو" بنظرة تقطر عتابا ولوما وقال له:
- إنه صديقي "أنس"
من خلف "كلودة" أطلت " َمرام" برأسها وقالت بغضب:
- وأخيرا ظهرت!
مر على وجهها بعينيه البندقيتين بينما كان يتحسس معصميه متألمًا من أثر القيد، تعّرف عليها في الحال، طالعها باستغراب وقال بضيق:
- أنت؟ ما الذي أتى بك إلى هنا؟
دفعه " ُكومبو" في كتفه وقال بصوت حاد:
- لماذا تتحدث إليها باشمئزاز هكذا!
- رأيتها في السوق وعليها ثياب خليعة
! استشاطت "مرام" غضًبا وندت منها صرخة مكتومة وأشارت لعينها وقالت بصوت لم تفلح في ضبط نبرته:
- خطفني تجار العبيد، وسقوني شيًئا ما وألبسوني تلك الثياب رغم أنفي، وكنت أناديك لتحررني منهم، لكنك بدلا من هذا قذفتني في عيني وهربت!
ُثّم خلعت الرباط عن عينها فإذا بها متورمة وحولها هالة زرقاء، أضافت وما زالت تنتفض غضبا:
- اسمي " َمرام"، أرسلتني الملكة "الحوراء" من أجل…
تذ ّكر"أنس" ما أخبرته به "الحوراء"، فقاطعها وقد أشفق عليها عندما رأى ما حدث لعينها وقال معتذرا:
- آسف...ظننتك من ال....!
اصطبغ وجهها بلون كرزي، شعرت بإهانة شديدة، وكأن "أنس" قد مرر السكين على الجرح مرة أخرى، فقد كان خلعهم لحجابها وكشفهم لجسدها أثقل ما حدث لها منذ وصلت لتلك المملكة العجيبة، وكانت قد تعبت مما لاقته خلال الليالي الماضية، قالت وهي تكز على أسنانها:
- عد إلى قصر "الحوراء"، لابّد أن تلتقي بالملكة في الحال.
- وكيف سأعود وليس معي كتابي.
- كيف !
- ُسرق مني في الغابة وأنا أبحث عنه.
- فلنعد للقصر على أي حال، لا بّد أن ُتعيدني سريعا.
- لن أرحل بدون كتابي!
رفعت سبابتها نحوه وقالت بتحّفز:
- وأنا أريد أن ّ أعود لدياري، ولن أسير في الغابة وحدي مّرة أخرى، أنت السبب في كل ما حدث لي، وعودتي إلى القصر هي مسؤوليتك!
ولم يكن من السهل عليه أن يثق بها من أول لقاء، فلم ُيخبرها عن أمر الخنجر وانتقاله عبر الفجوات، وبينما يتحدثان اعترضهما "كومبو" ووقف بينهما بقامته الطويلة وقال:
- أي ملكة تتحدثان عنها؟ أريد أن أعرف قصتكما من البداية.
قال "كلودة" وهو يناول " َمرام" كوًبا من الماء بعد أن لاحظ توترها وجفاف شفتيها وهي تتحدث إلى "أنس" بغضب:
- استريحي واهدئي، يبدو أّنك مررت بالكثير.
ُثّم قال لـ"ُكومبو:"
- كم أنت فضولي يا "ُكومبو"!
سألته " َمرام" وهي تعيد ربط عينها في ارتباك:
- لماذا اسمك " ُكومبو"... أليست تلك الكلمة تعنى السمين!!
قهقه ثم أجابها:
- عندما ولدت كنت سميًنا، فاختار لي أبي ذاك الاسم، وبقيت سمينا طوال حياتي، وها قد فقدت سمنتي منذ عامين وما زال ذاك الاسم عالقا بي.
دلف الجميع إلى الدكان، وباختصار قص "أنس" على " ُكومبو" ما أراد أن يكشفه له، وأخفى عنه ما أراد أن يخفيه، واستعاد خّنجره، وبقي "كلودة" قلقا وخائفا من أن ينكشف أمر علاقته بالأميرة، كان يفكر في طريقة يتخلص بها من "مرام" بسرعة. وكانت " َمرام" تتمنى أن تغمض عينيها وتفتحهما فتجد نفسها في بيتها، متى ستعود!
❐❐❐
في الطريق وحيث اتفقوا على أن تبيت " َمرام" ليلتها في بيت "أشريا" بينما يذهبون لبيت "كلودة"، كانت "مرام" تسير خلفهم وهي غاضبة، تريد أن ترحل الآن، رفعت رأسها تبحث عن "قطرة الدمع" هنا وهناك، لم تعد تظهر لها في نفس اللحظة التي تفكر بها في الحال، كما كان يحدث، تلّك كانت ميزة تبعث في نفسها الاطمئنان، لكن يبدو أنها فقدت تلك الميزة! تمهل"كلودة" في سيره قليلا واقترب منها وأعطاها زجاجتين صغيرتين وقال:
- خذي، ضعي قطرة من هذا السائل في عينك قبل النوم، ثّم ضعي هذا الدهان على الجفن وما حوله، سيخفف من تورم عينك إن شاء الله.
انكمشت " َمرام" وهي تقول:
- لا... لقد قمت بدهنها من قبل في القصر بذاك الدواء الذي أعطته لي الطبيبة هناك، فانتفخت عيني وأصبحت الدموع تسيل منها على الدوام.
- لا تخافي، جربيه.
بعد تردد أخذتهما ُثم قالت له:
- حسًنا، شكًرا لك.
- أرجو منك ألا تخبري أي أحد بما بيني وبين الأميرة " ُأونتي"، حتى زوجة عمي وابنتها "أشريا" التي ستبيتين في بيتهما الليلة.
- اطمئن، سأستركما، رغم أنكما لا تستحقان!
- أهكذا تردين الجميل لأميرتك التي أطلقت سراحك؟
- قلت سأستركما! ولكنني أكره فعلكما!
التفتت مبتعدة عنه، ًكانت تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها وتلفظها في بيتها في الحاُل،ّ وصلا ًسريعا إلى بيت "أشريا"، التي انزعجت في البداية عندما رأت "مرام"، ثم سريعا ما انفرجت أساريرها عندما علمت أنها محاربة، على نحٍو سريع تآلفتا، وباتتا ليلتهما تتحدثان عن الأميرة "هيال"، كانت "أشريا" قد سمعت عنها، لكنها لم تكن تعلم قصتها بالتفصيل، خفف هذا عن "مرام" التي كانت تغلي، كم هو مهين أن يظن بها أحدهم أنها فتاة لعوب، وكم هو قاهر ما مرت به من ذل وهوان، وكم تؤملها عينها الآن.
❐❐❐
مّرت الليلة هادئة حيث استسلمت " َمرام" للنوم العميق حتى الظهيرة، بينما كان "أنس" في صحبة "كلودة" و"كومبو" في دكانهما منذ الصباح الباكر، كان قد اتخذ قرارا قبل أن يغمض عينيه الليلة الماضية، وهو أنه سينقل "مرام" إلى قصر "الحوراء" قبل أن يعود للمكتبة العظمى، لقد لاقت الكثير بسببه، وكان يشعر بالذنب والمسؤولية تجاهها، كما أنه كان يشعر بالضيق كلما تذكر اللحظة التي قذفها فيها بالحجارة في عينها، أساء بها الظن وظنها فتاة لعوبا وكانت المسكينة تستغيث به لينقذها، كان يسترجع ما روته له عن ذاك الشاب الذي غطاها بوشاحه وحملها إلى القصر، وكيف نجاها الله مما كانت تخشاه بأن اختارتها أميرة هناك لتكون وصيفة لها، جلس ينتظر انتهاء "كلودة" من عمله ليذهبا معا لبيت "أشريا.". مر معظم النهار ولم يبق إلا القليل منه. على الباب، وبينما يتعالى صوت زوجة عمه وهي تقترب لتفتحه، كان "كلودة" يقف ومعه "أنس" ينتظران، أطلت برأ َسها من فرجة الباب، أخبرتهما أن "أشريا" حملت إليهم الطعام إلى بيته مع "مرام"، فقد ظنت أنه لن يأتي كالمرة السابقة، انصرف مع "أنس" متوجها لبيته، راوده شعور بالارتياح، فما دامت تحمل له الطعام فهي لا تعرف شيئا، كانت "مرام" صادقة، ستسترهما وإن لم يعجبها فعلهما.
كان بيت "كلودة" رغم بساطته يوحي بالدفء، غرفتان فسيحتان يفصل بينهما جدار حجري لا يصل إلى السقف، لا أثاث يذكر سوى فراش من الليف مغطى بقماش من الكتان المصبوغ، الكثير من الحقائب القماشية المعلقة على الجدران، يبدو أنها تحتوي على الملابس وأشياء أخرى، في أركان البيت تناثرت عدة وسائد محشوة بريش الطيور صنعتها "أشريا" كمـا قال لهــم وهو يتنقــــل بسرعة بين الغرفتين.
جلسوا في ُشرفة واسعٍة تطل على فناء الدار، بينما انصرف "كلودة" ليحضر بعض الحطب ليشعّل النار ويسخن القدر الممتلئ بالطعام فقد برد سريعا حتى أن الدًهن بدأ يكون طّبقة جامدة علىّ سطحه، وضعت "أشريا" أمامهما وعاء خزفيا مكسور الحَافة به بعض حبات الفاكهة الشهية حتى تقوم بتسخين الطعام، لم تمد "مرام" يدها، وكذلك لم يفعل ّ "أنس"، فقد فقد َكلاهما شهيته، كان الشعور بالغربة يقبع عّلى صدره، أما هي فكانت خائفة.كانت "أشريا" تنقل عينيها بينهما وأطرقت تفكر طويلا.
مد "أنس" يده في جيب سرواله وأخرج ساعته، لو انتبه إليها اللصوص في الغابة في أول يوم وصل فيه لسرقوها منه، عاد يحاول إصلاحها، ما زالت عقاربها مكانها متوقفة وكأنه خارج الزمان والمكان، نادى "كلودة" على "أشريا" لتساعده والتي كانت تراقبهما بفضول شديد. كانت "مرام" مرتبكة، بدأت تفرك يديها بتوتر، لاحظ "أنس" الكثير من علامات الجروح على ظهر كفيها، ووجنتيها، وكأنها خرجت من معر ّكة مع قط شرس، بدأ "أنس" يتفحص ساعة يده بإمعان، ضحك بسخرية فظنت "مرام" أنه يسخر منها ويسترجع في ذاكرته ما حدث في السوق يوم قذفها بالحجارة فأصاب عينها، باغتته سائلة بضيق:
- ما يضحكك!
قال ساخرا:
- لن تعود الساعة للعمل، يبدو أننا نعيش بين ثانيتين،الوقت هنا ضائع.
قالت بحدة:
- لا أظّن وقتنا هنا ضائعا أبدا، بل كل حياتنا السابقة هى التي كانت ضائعة.
التفت إليها فتلاقت عيناهما، انزوت نظرتها بحياٍء بعيًدا عن وجهه، مرت دقيقة من الصمت اللطيف قبل أن يسألها "أنس" بصوٍت خافت:
- ماذا تقصدين بأّن كّل حياتنا الماضية كانت ضائعة؟
- عندما يصل المحاربون يكونون بلا هدف، ولعلك ُكنت بلا هدف قبل مجيئك إلى هنا.
- وما أدراِك؟
- مجّرد ظن!
شعر "أنس" أنها تتحدث إليه بتحفز، رّبما لما فعله عندما رآها أول مّرة، وما ظنه بها، رنا إليها سريعا فرأى عينها المتورمة فأشفق عليها وسألها:
- كيف هي عينك الآن؟
تحسستها بأناملها بحرص وقالت دون أن تنظر إليه:
- هي أفضل.
- أعتذر مرة أخرى.. سامحيني.
- لا عليك.
طارت فيها نظرة من نظراته فلاحظ جمالها على استحياء وسألها:
- كنت تقولين إن المحاربين يكونون بلا هدف عندما يصلون، ُثم يتغير حالهم..فما هدفك أنت الآن؟ أخبريني؟
غاصت في نفسها مفّكرة وقالت:
- أن أعيش حياتي كلها في الضوء، لا أوّد أن أختبئ وإن أخطأت، وإن فشلت، وإن كان بي خطب ما! ثم أموت على ما أؤمن به.
- ومن منا لا يطلب هذا!
ثم سألها بفضول:
- كم عمرك؟
- ثمانية عشر عا ًما.
- ماذا تدرسين؟
- الآداب
- وأنت؟ كم عمرك؟ وهل تدرس شيئا ما؟
لاح شبح ابتسامة على وجهه وقال بسخرية:
- سأتم الثالثة والعشرين قريًبا، كما أنني درست بالفعل شيًئا ما.
التفتت إليه تنتظر أن يكمل كلامه فأردف مجيًبا:
- درست الهندسة.
كانت " َمرام" تستغرب تغيًرا بدأ يحدث في مشاعرها، فرغم غضبها الشديد منه، ورغبتها في ضربه على عينه حتى يتألم كما فعل بها، فقد بدأت تشعر بانجذاب نحوه! يبدو لطيفا عندما يعتذر لها!
أطرق "أنس" للحظات ُثم عاد يسألها:
- كيف بدأ الأمر معك؟
ارتبكت " َمرام" وشعرت بالدماء تصعد لوجنتيها، وكأنه قرأ أفكارها ويسألها كيف بدأ أمر إعجابها به!! تمتمت تستوضح السؤال، قال موضحا:
- أقصد مجيئك إلى هنا... كتابك؟ صقر حملك مثلا!!
حاولت " َمرام" أن تبدو متماسكة فمّدت يدها وأمسكت بحبة تفاح وجلست تحملق فيها وهي تروي ما حدث لها:
- جّدتي مغرمة بالكتب، تعشق القراءة، لديها مكتبة عظيمة، الكثير من المجلدات القديمة، منها البعض يحوي قصصا نوبية قديمة.
- هل تلك الكتب تخص أيضا الأمير "أواوا" ؟
- لا، إّنها تخص "دهل كول."
- ومن هو "دهل كول" هذا؟ أمير نوبي أيضا !!
- لا.... تلك الكلمة لقب نوبي وتعني...المجنون!
- وهل يكتب المجنون الكتب!!
- في الحقيقة هو لم يكن يوما مجنوًنا، لكّن من حوله لقبوه بهذا الاسم فقد كان صادقا ذاك الحد الذي يجعلك تظنه مجنونا.
هّز "أنس" كتفيه مستغرًبا وقال:
- الأسماء كّلها غريبة! "أبادول"، "سامي كول"، "دهل كول"، "إيكادولي".
التفتت " َمرام" تجاهه وكأن الكلمة األخيرة قد استفزت حواسها وقالت:
- كّلها ألقاب نوبية ما عدا "إيكادولي" ليست لقبا بل هي كلمة تعني...
قاطعها "أنس" بتلقائية وهو ينظر إليها قائلا:
- ُأحّبك!
أطرق كلّاهما بخجٍل، واصطبغ وجه " َمرام" بحمرة خفيفة، ألقت بالتفاحة التي لم تمسها في الطبق الخزفي وكادت تنصرف لولا سؤاله لها بعد أن استدارت:
- لماذا لم ترحلي طالما تم استرداد كتابك كما تقولين؟ كان الخيار لك!
التفتت تجاهه في حج وقالت:
- كنت مضطرة، لا أحد يستطيع دخول الغابة إلا المحاربين.
- لماذا؟
صفق صوت الرعد الذي ارتج له بدنها الهزيل، فقد بدأ المطر يهطل بغزارة فأسرع كلاهما إلى الداخل حيث ّجلسا بهدوء في بيت "كلودة" الذي كان يعد الطعام مع "أشريا" ، جلس كل منهما في غرفة، كان "أنس" يفكر في حال "مرام"، كيف كانت تتحدث بتلك الرقة! إنها تشبه قطعة البسكويت الناعمة، لو أغرقها المطر ستذوب!
تمدد "أنس" على الفراش وعقد كفيه خلف رأسه وحملق في سقف الدار وهو يجتر ما مر به منذ وصوله لبيت جده، فهذا ليس وقت الفتيات، طالما أزعجته الفتيات، همس لنفسه:
- ليس هذا وقت الفتيات ! ليس وقتك يا " َمرام".
ناداهما "كلودة" فخرج كل منهما من غرفته لتناول الطعام، تنحنح "أنس" ثم قال لها بصوت جاهد ليخرجه منضبطا:
- " َمرام"، لا بد أن أعيدك إلى القصر، حان وقت عودتك لأهلك، لابد أن أطمئن عليك قبل أن أعود لأبحث عن كتابي.
- أرجو ذلك وبسرعة
- لكننا سننتظر حتى يتوقف المطر، والأفضل أن نؤجل رحيلنا للغد حتى ندخل الغابة في أول النهار
هزت رأسها موافقة، ويبدو أن هذا قد أراح نفسه بطريقة ما، التفت يطالع السماء وقد راق له أنها ستبقى ليلة أخرى. كان هناك شيء ما يتلجلج في صدره، إحساس لم يعهده من قبل، وخزة في قلبه موجعة على نحو ما لكنها لطيفة، وكأن شرارة تتذبذب بين ضلوعه، وقف بجوار "مرام" بعد تناول الطعام أمام باب الدار تحت مظلة بدت كقبة تحمي مدخل الدار كان "كلودة" قد صنعها من جريد النخل، كان كلاهما يراقب المطر في صمت، هدأت ثورة غضبها أخيرا، ستعود إلى البيت، كانا ساكنين وكأنهما حرفان متجاوران على سطر في رواية، حاء وباء... و ربما سيكون بينهما الكثير....
❐❐❐
فجٌر وردي شاحب يبزغ على القرية مبشًرا بنهار مشرق، فتح "أنس" عينيه عندما تناهى لسمعه صوت ديٍك يؤذن، اعتدل في فراشه ولثواٍن راح يتساءل عن المكان الذي يوجد فيه وعما حدث له، عاد وعيه إليه ببطء، نهض بوثبة واحدة واقترب من النافذة، توضأ من كوب الماء الفخاري الذي كان على الطاولة بجواره وصلى الفجر، كان يحتاج لتلك السكينة، تلك السجدة التي تحتويه فتعيد إليه صوابه.
بعد لحظات سمع طرقات خفيفة على النافذة من الخارج، أسرع يقترب منها فإذا به "كلودة" الذي أشار إليه بهدوء ليتبعه، كانت "مرام" قد خرجت الليلة الماضية بعد انتهاء ا لًمطر مع "أشريا" لتبيت معها ببيتها، حمل "أنس" حقيبته وتبع "كلودة"، خرجا معا حيث كان "كومبو" ينتظرهما، حوارات لطيفة تبادلوها معا عرف منها بعض المعلومات عن الحياة في أرجاء القرية. أفطر سريعا وتناول قدحا من مشروب ساخن لطيف مع "كومبو" الذي أسرع نحو دكان العطارة، بينما انسل "كلودة" وصعد السهول ليجمع عشبا ما!
هكذا أخبرهما قبل أن ينصرف. جلس "أنس" أمام الدار والأفكار تتناطح في رأسه، كان قد أخبرهما أنه سيعود مرة أخرى لتلك الغابة، لا بد من استرداد كتابه، ما زال يخفي اسمه عن الجميع كما نصحته العجوز "ناردين".
كان البيت على أّطراف القرية، مشط "أ ّنس" المكان بعينيه وجلس يتساءل في نفسه، لا يرى أي مظهر من مظاهر التقدم هناك، لا أجهزة، لا سيارات، لا تلفاز! الصقور تنتقل إلى مدينته وعالمه الذي يعيش فيه، وها هو هنا، فهل انتقل أحد من أهل المملكة أيضا إلى نفس المكان؟
وأين تقع تلك المملكة؟ لعله حلم، رفرف هذا الاحتمال في أعماقه لكنه لم يرح نفسه، بل زاد من توتره.
وصل إلى مكان حيث تأكد ألا أحد يراه وأخرج خنجره وحركه في الهواء وقال وعلى وجهه استقرت نظرة تصميم:
- الغابة
انبثقت الفجوة تتلاعب في الهواء بألوانها المائجة في بعضها فوثب فيها وانتقل للغابة في الحال، اقترب من شاطئ النهر الذي ينحدر مصبه جوار الجبال البعيدة خارج الغابة ثم يقتحمها ويشقها حتى نهايتها، وبدأ يسير موازيا له، كان لون الماء الأخضر يسرق نظراته، راقب انعكاس صورته في الماء، كانت الملابس الجديدة رغم غرابتها تليق به، عدل من قميصه بينما كان يسير، فور أن خطت قدماه أرض الغابة والتي كان النهر يشقها من بدايتها لنهايتها تغير انعكاس صورته في الماء فجأة! تسمرت قدماه بالأرض! انقطعت أنفاسه عندما رأى انعكاس صورته في الماء، كانت الصورة لصقر أبيض! كان الصقر يسير موازيا لخطوات "أنس"، تراجع "أنس" للخلف فتراجع الصقر معه، عادت صورته العادية عندما لامست قدماه الأرض خارج الغابة! وكان هناك تحت قدميه خط واضح يميز أرض الغابة عن الأرض خارجها.
عاد وخطا للأمام فظهرّت صورة الصقر مّرة أخ ّرى، وكأ ّنه يتقدم موازيا له! رفع ذراعه اليمني فرفع الصقر الجناح المقابل لها، لوح بذراعه اُليسرى فرفف الصقر بجناحه المقابل، تراجع للخلف حتى اختفت الصورة، ثم عاد وتقدم للأمام فظهر الانعكاس مرة أخرى، قرب رأسه فبدأ انعكاس صورة وجه الصقر يزيد كلما اقترب "أنس" بوجهه من صفحة الماء... همس لنفسه بفزع:
- أنا صقر...! صقر أبيض!
ُثّم تمتم محدًثا نفسه:
- لا ُيعقل أن يكون الصقر محبوسا تحت الماء!
مّد يده في الماء وغمسها فيه وحركها، كان الماء بارًدا وخفيفا، تــــــــــــــــــــلاعبـــت صورة الصقر على صفحة الماء واهتزت لكّنها لا تتغير، انحنى وهو يحّدق في عيني ذاك الصقر الأبيض الذي يطالعه ورفع كفه الممتلئة بالماء وشرب منه، كان مذاق الماء شديد العذوبة، ما زالت صورة الصقر الأبيض تنعكس على الماء، يشرب كما يشرب، يتحرك كما يتحرك.
تلّفت حوله وبحث عن غصن شجرة، عثر على غصن طويل فأمسكه وعاد لشاطئ النهر، كانت المياه تتدفق نحو الشماّل، غرسه في الماء ليقيس عمقه فابتلع النهر الغصن وسحبه بقوة من يده، تعجب وعاد باحثا عن غصٍن آخر وتكرر الأمر، في المرة الثالثة وبينما يضع الغصن بحرص في مكان آخر جذبه شيء ما بقوة شديدٍّة فسقط في النهر، سحبته تيارات الماء بقوٍة إلى أسفل وكان يقاوم بينما تشكلت حوله دوامة جعلته يغوص في الأعماق، كأن هنّاك ضوأ ينير قاع النهر، ابقى عينيه مفتوحتين كعادته عند السباحة، ولأنه اعتا ًد علىّ كتم أنفاسه لدقائق طويلة لم يشعر ّبضيق في التنفس، تلفت حوله باحثا عما جذبه فلم يظهر له شيء، بدأ يحرك جسمه ّ نحو الضوء، شيئا فشيئا بدأ يقترب من مصدره، كانت هناك فتحة دائرية تحفها الطحالب الخضراء من كل جانب، أدخل رأسه فيها فأذهله المنظر الرائع فدخل في الحال وبدأ يسبح للأعلى فالأعلى حتى رفع رأسه فإذا هو في مغارة غطت جدرانها الطحالب الخضراء المضيئة، صعد على ّالأحجار واقترب يتحسسها بيده، أراد أن يقتطع جزأ منها فمد يده واستل الخنجر الذي كان ًيخفيّه في حزام بنطاله، بدأ يقطع الطحالب فإذا بها تسقط بين يديه تباعا وكأنها متصلة برباط واحد! ليظهر خلفها كتابات غريبة على الجدران، بدأ يزيل بقاياها واحدة تلو الأخرى وانهمك في الأمر حتى خال الجدار من الطحالب، تراجع للخلف فإذا هي عبارات مكتوبة بلغة غريبة، كانّ بينها رموز مرسومة لم يدرك كنهها، تمنى لو أنه يستطيع قراءتها، لكنه لم يتمكن.
على يمينه كان هناك ممّر طويل، استند إلى الجدار ورفع رأسه ونظر بتأٍن وكأنه يدرس طوبوغرافية المكان، تناهى إلى سمعه أصوات عجيبة، وكأنها أحاديث مبهمة يتردد صداها في جوف الممر! سار فيه لمسافة قصيرة وكانت الطحالب الخضراء على الجدران تنير الطريق، توقف حيث بدأت العتمة تغشى الممر، وإذا بضوٍء يشع من حقيبته، أخرج الكيس الجلدي الذي وضعه الجد من حقيبته، إنها قطع الكريستال! والتي كانت قد تحولت لقطع من الفحم عندما داهمه اللصوص في الغابة، وها هي قد عادت لحالتها الأولى تبرق من جديد!
أمسك واحدة منها فازداد توهجها وأنارت الممر، سار حتى بدأ وهجها يخفت بالتدريج فاستبدلها بأخرى، شعر أن ذاك الممر لا نهاية له، كانت هناك فتحة علوية يتسلل منها ضوء الشمس، على الجدار كانت هناك بروزات حّجرية على مسافات منتظمة وكأنها درج يستخدم للصعود تجاه تلك الفتحة، تسلقها في الحال واقترب من الفتحة، كان غطاء الفتحة مصنوع من خشًب غليظ وقوي، صنع بإتقان بحيث يعلو فوق سطح الأرض بمساحة ضئيلة جدا لا تظهره بينما على جانبيه كانت هناك فتحة مستطيلة ورفيعة تتيح للناظر مراقبة الطّريق ورؤية من يقف فّوق رأسه بوضوح، رأى "أنس" فتاة جميلة تجلس وتغني بصوت خفيض، ّتتلفت يمّينا ويسارا وكأنها تنتظر وصول شخّص ما! وثبت من مكانها فجأة فظن "أنس" أنها انتبهت لوجوده ًتحت قدميها، لكن الشاب الذي اقترب من مكانها كان هو سبب وثوبها فرحا بقدومه، قالت وعيناها تقطران حبا وشغفا:
- كنت أعلم أنك لن تصبر وستأتي في نفس الموعد؟ هل تخلصت من الهدية؟ وهل أنت بخير؟
أومأ برأسه ففهمت أنه قد تخلص منها، ثم تراجع وجلس يلهث كفرس جريح وقال:
- أنا بخير، وددت فقط أن أخبرك بشيء هام.
ابتسمت بّرقة وقالت بصوت متهّدج:
- خشيت أ لّا أراك مرة أخرى.
سار مبتعًدا وقال بصوت يشوبه القلق:
- قد لا ترينني مّرة أخرى بالفعل.
أغلقت فمه بيديها على الفور، ثم قالت :
- لا تقل هذا.... أرجوك.
عانقته بينما كان يقاومها ويبعد يديها عنه وفجأة! قطع حوارهما نداٌء من فتاة أخرى تغطي وجهها بطرف خمارها وتصيح في فزع:
-مولاتي.. مولاتي.
أسرع الشاب بالهروب وبقيت ّالفتاة مكانها تتلّفت في خوف، نظر "أنس" تجاه الشاب قبل أن ينصرف وتمعن في وجهه، إنه"....كلودة!!" والذي كان قد بدأ يظن أنه ملاك يسير على الأرض! كان "أنس" يشعر وكأن هناك من سكب معينا من الماء الساخن فوق رأسه، كانت دماؤه تفور وتغلي، أراد أن يصرخ ويقفز فوق الأرض فيحطم رأس "كلودة"، اقتربت جارية من تلك الفتاة وأخبرتها أن تسرع إلى القصر، فالأميرة "نبرة" تطلبها في الحال.! بعد انصرافهما حاول أنس أن يزيل الغطاء ليصعد من الفتحة لكنه لم يتمكن من رفعه، عاد لسيره داخل هذا الممر العجيب. وجد "أنس" فتحة ضيقة يبدو أن هناك من س ّدها بالحجارة، بدأ يزيلها واحدة تلو األخرى بحرص شديد، عندما أزاح بعضها وأصبح من السهل أن يدخل رأسه ليرى ما وراءها ألقى واحدة من قطع الكريستال فسقطت على الأرض وتوهجت بقوة فأضاءت المكان، تملكته الدهشة عندما وجد غرفة مستديرة تبدو كأنها نحتت في جوف صخرة عملاقة، أزال باقي الأحجار الصغيرة ودلف الغرفة وقد تملكته الرهبة، وجد تابوتا في صدر تلك الغرفة، وآخر عن يمينه، كان غطاء كل منهما يبدو كتحفة فنية رائعة، حيث وزعت النقوش العجيبة عليهما بشكل هندسي بديع وطعمتّ بألوان زاهية، شذرات ذهبية كثيرة كانت منتشرة على الأرض هنا وهناك، وكأن هناك من حطم شيًئا ما!
فتح "أنس" التابوت يتوقع أن يجد مومياء، فأجفل عندمــــــــــــا رأى هيكــــــــــلا عظمًيا على صدره قلادة تشبه التي يرتديها! والتي جعلت "المجاهيم" يتركّونه يمر بسلّام، على وجه الهيكل العظمي كّانت هناك بقايا قناع ذهبي محطم، أدرك أن هناك من حاول نزع القناع أو ربما نزعه وأعاده إلى مكانه فتسبب في تلكّ الفوضى، فضل ألًا يلمسه واتجًه إلى التابوت الآخر، وكان أصغر حجما وكأًن صاحبًه أقصر طولا، فوجد هيكلا عظميا آخرا بلا قناع وبلا قلادة! تلفت يمينا ويسارا فلم يجد ما يلفت نظره، كانت الغرفة خالية وباردة ومهيبة، تشبه القبر! أغلق التابوت الثاني، وعاد للأول فأغلقه، وقبل أن يخرج من الغرفة انطفأ بريق قطعة الكريستال فجأة، وشعر "أنس" وكأ ّنه يسقط في بئر سحيق، ابتلعه الظلام، ودارت رأسه فغاب عن الوعي لفترة لا يعلم قدرها!
فتح عينيه فوجد نفسه في نفس الغرفة وقد غمرها النور، وأمامه يجلس رجل مهيب الط ٌلعة له سحنة مريحة ونظرة هادئة وابتسامة وديعًة، وعلى يساره يجلس رجل قصير لم يرفع عينيه عما أمامه، فقد كان مشغولا بالكتابة على أوراق البردي باهتمام شديد، اعتدل "أنس" وحاول أن يتحدث لكن صوته لم يخرج من حلقه، رفع يده يتحسس عنقه ثم فمه فلاحظه الرجل وقال شيئا ما بلغة لم يفهمها "أنس"، كان يرفع كفه وهو يحدثه، بدت تعبيرات وجهه مسالمة ومطمئنة، لكن "أنس" لم يفهم شيئا من كلامه، اعتدل الرجل في جلسته وأقام ظهره، ثم نصب عنقه وأغمض عينيه ووضع كلتا يديه على ساقيه، ثم ركز في عيني "أنس" وقال الكثير من الجمل، واحدة تلو الأخرى، كررها أحيانا ثلاثا، وبعضها كان يقولها وهو يشرحها بيديه، جملة منها قالها وهو ُيمسك بالقلادة على صدره، وأخيرا قال تلك الكلمة التي قلبت حياة "أنس" رأسا على عقب... "إيكادولي"..."إيكادولي"
كررها كثيًرا ُثّم اختفى كل شيء، وأفاق "أنس" من تلك الإغماءة التي أصابته، فوجد التابوتين على حالهما، فخرج من الغرفة وقد حفظ الكلمات، كان يذكر ما قاله الرجل بالتفصيل! وكأنه طبع الكلمات بتلك اللغة اّلغريبة على ذاكرته ولقنها له! شعر بإرهاق ذهني كبير، فأخرج خنجره وحركه في طبقات الهواء، قرر أن يعود من حيث أتى وبطريقة سريعة فسلك فجوة فتحها بخنجره كما فعل من قبل وانتقل إلى سطح ماء النهر، جلس منهك القوى، كان الماء لا يزال يقطر من جسده، سار لمسافة قصيرة مخلفا وراءه غدرانا صغيرة من الماء على الأرض، وصل أخيرا إلى جذع شجرة مقطوعة فجلس عليه يلتقط أنفاسه.
لا بد أن يعود لـ"كلودة" ويسأله عن تلك الفتاة! ولماذا يفعل ه ّذا! كانّت تلك الصورة المثّالية التي رسمها لـ"كل ّودة" في ذهنه قد بدأت تتحطم، ظنه شابا رائعا في كل شيء، ولكن يبدو أنه خبيث يظهر غير ما يبطن ويخدع الناس.
انتشل نفسه من هذه الأفكار، وبدأ يفّكر في العبارات التي حفظها ويكررها وهو لا يفهم كنهها، والكتابات الأخرى التي رآها على الجدران في المغارة، خلع قميصه ليعصره فأزال القالدة عن عنقه دون قصد منه فلمح طيفا فأسرع يرتديها مرة أخرى، كان زعيم "المجاهيم" الذي انشقت عنه الأرض و اقترب منه قائلا:
- انتبه لقلادتك لتحمي نفسك، ما زال أحد رجالنا غاضبا منك لأّنك أخرجت الفتاة والرضيعة من الغابة وألبستهما القلادة، وحافظ عليها إكراما لجدك "أبادول".
ردد زعيم "المجاهيم" لقب الجّد بإجلال وهو يضع يده على صدره، استدار لينصرف... فأسرع "أنس" ينادي عليه ويستمهله، سأله عن تلك الغرفة التي عثر عليها أسفل النهر، والقلادة التي رآها على صدر الهيكل العظمي داخل التابوت، وذاك الرجل الذي رآه فيما يشبه الغفوة السريعة، قال زعيم "المجاهيم" بعد أن أنهى "أنس" كلامه:
- إنه تابوت الأمير "أواوا"، كان هنا منذ وقت طويل جًدا، هارًبا من عّمه ومعه خادمه المخلص "سربل"، دلفا إليه من خلال فتحة في أرض حديقة قصر عمه، ما زالت الفتحة موجودة، وما زال القصر قائما حتى الآن، وما زال الظلم يسكنه، تتجدد جدرانه ويتجدد معها الحاكم الظالم في مملكة الجنوب، كنت أجلس دون أن يراني الأمير "أواوا" وأستمع إلى ما يمليه على خادمه من حكم وقصص، ورأيته يكتب على جدران ذاك الممر تحت النهر عبارات كثيرة.
قاطعه "أنس" متعجًبا:
- وهل كنت تفهم لغته؟
- بالتأكيد! وقد أظهرت نفسي له ولخادمه، وتحدثت معه، كاّن هذا قبل أن نسكن الأرض هنا، نشأت بينّنا صداقة وأخبرته عن قصة قومي وكان ينصت لي، عدت في مرة من المرات ووجدته مقتولا هو وخادمة، فأحضرت تابوتا له وآخر لخادمه، ودفنتهما كما كان يفعل قومهما، وألبسته قلادة تخصني إكراما له.
- حسنا، سأخبرك ببعض العبارات التي سمعتها من شخص ما أظنه الأمير "أواوا"، رأيته فيما يشبه الرؤى عندما فقدت الوعي داخل تلك الغرفة أسفل النهر.
وبدأ "أنس" ُيكرر ما سمعه بتلك اللغة التي لا يعرفها! وكان زعيم "المجاهيم" ينصت إليه باهتمام ويترجم له، أخبره أن تلك هي لغة الأمير "أواوا"، اللغة النوبية الأصيلة، كان الأمير يطلب منه أن ينتبه لما هو قادم، فهناك من يطلبه ويطارده، وأن عليه ألا يقع في الفخ. وطلب منه أن يهتم بالأرقام، ويسأل عنها ويتتبعها، فهي المفتاح لكي يصل إلى الحقيقة. لم يتمكن "أنس" من تذكر آخر كلمات الأمير "أواوا"، كرر الأمير عشر مرات كلمة "إيكادولي" وتبعها بعبارات كثيرة وكأنه يشرح شيئا ما! لكن "أنس" لم يتمكن من إعادة إلقائها على مسامع زعيم "المجاهيم" ، انتهى اللقاء واختفى الزعيم بعد أن جدد تنبيهه لـ"أنس" بألا يخلع القلادة وهو يسير في الغابة، وعاد "أنس" لسيره بجوار النهر، ما عادت صورة الصقر الأبيض اّلمنعكسة على صفحة الماء تشغله، ألفها كما ألف كل شيء غريب حوله، وكأنه يعيش على أرض تلك المملكة منذ أمد بعيد.
على غير العادة هّبت رياح دافئة فبدأت ملابسه تجف، وكأن الهواء يرّبت على كتفيه ليشجعه على البقاء، والصمود.
وفجأة ......
❐❐❐
مر من أمامه سهم كاد يخترق صدغه، تخشبت أطرافه، بينما خرجت منها صرخة عالية! وقفت أمامه مرتبكة وهي تضع يدها على فمها، هرولت نحوه وقالت بصوت يحمل قدرا من الانفعال والدهشة:
- آسفه، لم أنتبه لمرورك.
- " َمرام"! ماذا تفعلين هنا؟
- أتدّرب على الرمي بالقوس. رفعت قوسها واستدارت وأشارت بيدها لما تحمله على ظهرها، فرأى كنانة السهام وقد علقتها على ظهرها.
اقترب "أنس" منها ولاحظ ملابسها المتسخة وكأ ّنها قد تدحرجت للتّو في الوحل! كسرت طرفها وكأنما أشفقت أن ينظر إليها وهي بتلك الهيئة المزرية، فسكتت ولم تنبس ببنت شفة، كانت لديها نظرة شفافة كالبلور، تبدو تلك الفتاة على فطرتها نقية، حاول أن يتحدث ليزيل عنها الحرج فثقل عليه ذلك، من دون أن يعرفها من قبل.. بدأ يحس أن لديهما شيئا ما يربطهما، وكأنهما يقتسمان الوجع نفسه، أطرق مفكرا ثم قال:
- من أين أتيت بهذا القوس؟
مّدته نحوه بلطف فأمسكه وبدأ يتفحصه أمامها وهي تقول:
- من شاب يمتهن صناعة الأقواس والسهام وأشياء أخرى، دكانه يقع قريبا من بيت ""أشريا."
رمقها سريعا فلاحّظ آثار الوحل على وجنتها، لاحت ابتسامة على شفتيه، يبدو أًنها لا تعلم أن وجهها ملطخ بتلك الطريقة، أخفى ابتسامته وسألها متصنعا الاهتمام وهو يعيده إليها:
- ومن عّلمك الرمي بالسهام؟
- "الصهباء".
- ومن هي "الصهباء"
- امرأة جلدة وقوّية البنية، التقيت بها بعد أن وصلت إلى المملكة، تدّرب معظم فتيات مملكة الشمال على الرماية.
سألها باهتمام:
- كم ثمن القوس؟
- يختلف حسب حجمه.
- ما اسم العملة التي يستخدمونها هنا؟
أخرجت من جيبها كيسا مُن الجلد يحتوي على بعض العملات الفضية، والذي كانت قد أعطته لها "أونتي" قبل أن تعتقها وأعطته له وهي تقول
بلطف:
- لو الًتقيت بالمغاتير أولًا لأَمدك "الزاجل الازرق" بالمال، فالحوراء لا تترك محاربا يمضي دون مال أبدا.
- أعطاني "كلودة" بعض المال بالفعل، وددت فقط أن أتأكد من اسمها، فقد اختلط علي الاسم، احتفظي بالمال، فأنا لا أحتاجه الآن، شكرا لك يا "مرام."
"مرام"! لّقد نطّق باسمها..! وقعت تلك الكلمة منه موقعا بليغا في نفسها، فلم تذكر أنها سرت بكلمة قيلت لها من كلمات الإطراء سرورها بنطقه لحروف اسمها"مرام"..! وكأنها لم تعرف اسمها من قبل.
أخرجت عملة من الكيس وقالت:
- كشتان.
ثم رفعت العملة أمام عينيها وقالت وهي تحملق في الصورة المنقوشة عليها:
- وتلك صورة أول محارب على أرض المملكة.
انحنى "أنس" وحدق في الصورة، كان كلاهما يركز على العملة، لولا أنها حركت يدها فجأة فغرس شعاع عينيه دون قصد في عينيها فتلاقت نظراتهما مجددا كيوم أمس على غير موعد، عيناه الواثقتان وفوقهما حاجباه اللذان لو زحفا قليلا لاقترنا أصاباها، بالارتباك، كانت تلك المرة كافية لكي ّ يلاحظ فيها لون عينيها الرائعتين، كما لاحظ أن تورم عينها المصابة قد خف وتغير لون الهالة الزرقاء حولها للون آخر، أشاح بنظره عنها، مرت بذاكرته صورتها وهي بزينتها في السوق عندما رآها أول مرة، تعجب كيف كان متضررا عندما رآها أول مرة، وكيف الآن يجد في نفسه استحسانا لها وهو يسترجع صورتها في مخيلته! استبعد الخواطر التي هجمت على رأسه متكالبة تزينها له! فالتفت وكأنه ينفض رأسه، بات يشعر بالخطر لمجرد قربها منه، هو غريب عنها فكيف يسير هكذا معها! لا بد أن يحفظها من نفسه.
غمره شعوٌر غريب فيه رهبٌة وفيه ضيق وفيه شىء من الفرح! رمقها بطرف خفي ثم قال:
- هل واجهت متاعب في معاملتك مع الناس هنا؟
- بالتأكيد
- هل لديهم بعض المعتقدات الغريبة؟
- مثل؟
- أي شيء! الناس يختلفون، مثال قرأت أنه من الخطأ في إحدى البلاد أن تهدي زهورا لشخص بعدد زوجي لأنهم يعتبرونه فألا سيئا ومزعجا لأنها لا تهدى بعدد زوجي إلا في الجنازات فقط.
- لكننا لسنا في تلك البلاد ولا في أي بلد تعرفها أنت من قبل.
- نعم، ليتنا كّنا هناك... أو في أي مكان أستطيع فيه أن أخاطب أمي بالهاتف، فقد اشتقت إليها.
- أتكره المملكة هنا؟
- لا أدري، أشعر بمزيج من المشاعر، لكنني لا ريب أشتاق لأهلي.
- ربما لو انتقل أهلنا معنا لكانت أفضل من عالمنا.
- نعم... ربما
- أتدري يا "ّأنس"، بعض من التقيت بهم هنا يقولون إن قصص الحياة لا بد ألا تدون، يريدون أن تكون الحياة على هوى من يعيشها، لحظة بلحظة، استمتع بحياتك فقط ولا تهتم بالماضي ولا تفكر في المستقبل واغنم من الحاضر لذاته فليس من طبع الليالي الأمان.
✍حقوق الطبع و النشر خاص بمدونة الأقلام الذهبية©
إذا كان لديك قصه و تريد مني نشرها قم مراسلتي على تطبيق واتساب اضغط هنـــا
تعليقات
إرسال تعليق
إذا كان لدي أي تعليق اكتبه في الاسفل