كانت "مرام" تركض خلفه محاولة اللحاق به، بينما كان يسير بخطوات متعرجة وبلا هدف وسط الغابة، وكأّن هناك من يسوقه بحبل، وصلت أخيرا حيث استطاعت أن تنادي عليه فسمعها والتفت ورمقها بعينين ذابلتين وسألها في حنق:
- ماذا تريدين.
كانت أنفاسها المتلاحقة تمنعها من الكلام، دّقات قلبها كانت تتواثب بسبب ركضها المتواصل من بيت "أشريا" وحتى مكان "أنس"، بصعوبة قالت:
- لا تذهب إليها يا "أنس.." أرجوك.
- لا أستطيع، لا بد أن أراها.
- لا...لا
صرخت فالتفت إليها غاضبا كما لم يفعل من قبل وقال بغضب هادر:
- مرة أخرى تصرخين؟...هيا انتحبي بالبكاء واضربيني بغصن شجرة كالأطفال..
كانت " َمرام" تدرك أنه ليس "أنس" الذي تعرفه، حاولت أن تتماسك وقالت بهدوء:
- أنت لست بوعيك يا "أنس"، أرجوك عد معي وسنحاول الخروج من تلك الأزمة معا.
- عودي أنت واتركيني، أو سيري في الغابة وحدك..
- أرجوك يا "أنس."
- ابتعدي عني.
دفعها فسقطت على الأرض بينما أكمل طريقه غير مبال بندآءاتها المتتالية، صاحت قائلة:
-"نبرة" لا تحبك.. ذاك ليس حبا يا "أنس"، وأنت لا تحبها
- ومن أخبرك أنني لا أحبها؟
انسحقت روحها وقالت بخفوت:
- أنا أعرف.
- وما أدراِك؟ هل قرأت أفكاري؟
ثم ضحك ساخرا وقال:
- هل عادت لك تلك الموهبة؟
وقفت وسارت نحوه بهدوء وقالت وهي تحدق في وجهه بعين منطفئة:
- لم أقرأ أفكارك... لكنني شعرت بك!
حرك عيناه كالمجنون وقال:
- أنت لا تعلمين شيئا يا " َمرام"، عودي إلى الغابة، إلى "ناردين" واتركيني لحالي.
رفعت صوتها قائلة:
- " َنبرة" تريد الكتاب.. "إيكادولي" وفور أن تحصل عليه ستقتلك.
صارت عيناه تقدحان شرًرا مخيفا، بحركة فجائية عنيفة أخرج "أنس" الكتاب والتفت نحو "مرام" وألقاه في وجهها فأحدث الكتاب خدشا بطول خدها الأيمن وسقط أمامها على الأرض، تحسست وجهها وكان الخدش يحرقها، كادت تبكي لكنها تماسكت، قال دون أن ينظر إليها:
- أنا ذاهب لأجلها... لأجل " َنبرة"، خذي الكتاب واتركيني لحالي.
رفع خنجرهّ في الهواء، أراد أن يقول شيئا لكنه كان في حالة من الهوان والضعف ُحتى أنه لم يتمكن من نطق حرف وا ّحد، كان غارقا في غياهب فكره وكأنه قد شل فجأة، اقتربت "مرام" بسرعة وتحلت بالشجاعة واستجمعت كل ما لديها من قوة وعزيمة وحدقت في الفجوة وهي تتلاعب أمامهما في الهواء وقالت:
- البيت القديم مع " ُكومبو".
ُثم دفعته بأقصى قوة أمامها فالتقمته الفجوة، وقفزت خلفه لأول مــّرة تبتلع خوفها من أجل إنقاذه، وفور أن وصلا ورآه " ُكومبو" حيث كاّن
ينتظرهما وهو في غاية القلق أمسك بـ"أنس" وأسنده حيث كان يترنح وصب على رأسه الماء، فهدأ "أنس" وقال له بخفوت:
- ساعدني أرجوك.
رمقه مبتسما وحاول جاهدا أن يظهر رباطة جأشه ليثبته وقال له:
- ما أنا إّلا عبد ضعيف الحيلة إن لم تقو أنت على الأمر بنفسك.
-أرجوك ...
- ولم ترجوني يا "أنس!" وما أملك لك أنا! اطلبها من الله !
خر "أنس" على ركبتيه مسحوقا مكسوًرا، مرت الدقائق ثقيلة عليه، كان يقاوم رغبة تنازعه وتدفعه للركوض إليها، وكان جسده يؤمله وكأن هناك من يدق كل جزء فيه بمطرقة من حديد، وقفت "مرام" تبكي وهي تراه في تلك الحالة، غربت الشمس فاضطرت لتركهما، قبل انصرافها قالت له:
- "أنس" سأرحل الآن، أرجوك تماسك.
- ساعديني.
- ليتني أستطيع.
نخر الحزن قلبها بلا هوادة، أرادت أن تخبره أ ّنها تحبه، كانت تغربل ذهنها باحثة عن كلمة تبث فيها ما تشعر به، لكنها ضلت الطريق إلى كل المعاني والكلمات! وأرادت أن تطلب منه أن يحفظ نفسه لها فكل راجفة من رواجف قلبها تهتف باسمه.. لكنها لا تستطيع أن تخبره بكل هذا!
أحدث صمتها ضجيجا في نفسه، وتكلم كل شيء فيهما دون أن يتكلما، وانصرفت تمشي على استحياء تجر قلبها الممزق خلفها، وعادت حيث "أشريا". لازمه "كومبو" ولم يفارقه، تم عاهدا على اجتياز تلك الضربة القاسية معا. قرر ألا يتركه، وقف "كومبو" يقلب الأفكار في رأسه، الأحداث تتسارع، لا بد أن يزول أثر السحر، بينما هو غارق في الاحتمالات كلها زفر "أنس" وكأ ّن روحه تتفلت من بين جنبيه وقال بعد جهد شديد:
- قيدني يا أخي.
- ماذا..! لِمَ ُأقيدك يا "أنس"؟
- قيدني أرجوك...
- اجلس واذكر الله.
- قيدني ألا، حتى لا أركض نحوها، لا ُأريد أن أقع فيما لا يرضي رّبي.
- حسنا فلننتقل إذا إلى مكان آخر حيث أستطيع أن أغلق عليك بابا يا "أنس".
وانتقلا معا إلى مكان آخر، أسرع " ُكومبو"ً بتقييد "أنس" بسلسلة من حديد، طلب "أنس" منه أن يقيد قدميه أيضا ففعل على مضض، أغلق النوافذ، ثم تراجع للخلف وهو يراقب " أنس"، وجلس على الأرض أماّمه وبدأ في تلاوة ما يحفظه من القرآن، لم يكن "كومبو" شيخا ولا ناسكا يتحدث عنه
الناس ويشيرون إليه، لكنه كان يحمل في قلبه يقينا قد لا يحمله شيخ فقيه، كان ينهي القراءة ويعود للبداية فيقرأ مرة أخرى، لم يمل ولم يكل طوال
الليل، بينما ّ كان "أنس" كالوحش الكاسر يزوم في قيده، انطفأ بريق عينيه، وتسارعت دقات قلبه، كان في الماضي مستريح النفس، خالي الفكر لا تملكه شهوة وكان يبكي من خشية الله ، فماذا سيفعل الآن وقد تبرجت له الدنيا...! أين تلك اللوعة التي كان يشعر بها عند ذكر الله؟
أغمض عينيه ودفع بآخر قواه في أتون المعركة الداخلية التي من شأنها أن تعيد نفسه إليه، دارت بين نفسه العفيفة ونفسه التي أسرتها الشهوة حرب عنيفة ملتهبة كان وقود نارها من روحه وجسمه، كان صدره ضيقا وكأنه يصعد في السماء، جر أقدامه وتقدم ببطء، ارتعدت أوصاله.
مرت ثلاثة أيام وهو على حاله، ينازع في قيده الذي أدمى ساقيه، يطعمه "كومبو" ويرقيه بالقرآن ويعتني به، ويتركه لساعة يزور فيها أمه و"أشريا" وأمها، و"مرام"، بدأ ينتشل نفسه من غيابة الجب الذي ألقي فيه، وداس على الشهوة التي تتأجج في صدره مخافة رّبه. لم يتسن له التنفس وسقط مغشيا عليه. شعر أخيرا وكأن روحه قد ُعتقت من رق الجسد وارتفعت عن الأرض فهامت في السماء.
❐❐❐
ثلاثة أياًم بلياليها ُمضت تملس على بعضها البعض، بنهارها العكر وليلها البهيم، وأخيرا جلس "كومبو" أمامه بابتس ّامة متعبة حزينة، عندما شعر أن "أنس" قد استرد نفسه التي رآه بها أول مرة التقى به فيها، كان "أنس" ثابتا ساكنا بعد أن داس على الشهوة التي كانت تتأرجح في صدره مخافة ربه.
أراد "كومبو" أن يخبره بما دار خلال الأيام الثلاثة الماضية، حيث كانت تحمل الكثير من الألم، فقد داهم الحراس ذاك البيت القديم الذي كانوا يختبئون فيه، سرقوا الكتاب "إيكادولي" من "مرام"، وأسروا "مرام" عندما تعرف عليها أحد الحراس حيث كان بصحبة "حليم" عندما اشترى الجواري وكانت من ضمنهم، عادت "أشريا" مع أمها لدارهما، ما زالت أم "كومبو" تلزمهما. أنهى "كومبو" سرد التفاصيل على "أنس"، ووضع أمامه خنجره وذاك الكيس الذي يحتوي على قطع الكريستال التي تحولت إلى قطع فحم مرة أخرى، وبجوارهما بسط الخريطة التي أعطتها "الحوراء" لأنس، ثم خلع قلادة "أنس" وأعادها له فقد كان يرتديها ألن "أنس" كان قد ألقاها على الأرض في إحدى المرات، وأخرج من جيبه الزجاجة الزرقاء الصغيرة وقال وهو يطرق عليها بأطراف أصابعه:
- ذاك نوع من الحبر المعتق، نوع نادر مصنوع من مسحوق حجر أسوٍد نفيس ما عاد يصنع الآن، أظنه معك لسبب وجيه.
- ظننته دواء!!
همس "أنس" بكلماته الأخيرة وهو في حالة انهزام نفسي وهوان شديد، أشفق عليه "كومبو" فانطلق يحثه ويشجعه:
- هيا يا "أنس"، قم أيها المحارب، لا بد أن تستعيد كل شيء.
- وكيف هذا؟
- فكر، فما كان "إيكادولي" ليختارك إن لم تكن أهلا لاسترداده، أشعر أنك اقتربت من النهاية، ستسترد الكتاب، وتحرر "كلودة" ليعود لعروسه، وتنقذ "مرام" من أيديهم.
ران عليهما صمت ثقيل، قطعه صوت " ُكومبو" الذي حاول أن يخرجه من شروده عندما أشار إلى الخريطة وهو يسأله:
- ماذا تعني تلك الأرقام التي على الخريطة؟
بدأ يقرؤها وهو يشير إلى كل بقعة في الخريطة، كان يحكي موقفا مر بهم معا هنا وهناك، وهناك. وبينما يتحدث بعفوية كان "أنس" ينظر في الخريطة، وثب فجأة وقد بدأ يتضح له شيء ما! تلك الأرقام تعني الكثير، وهي المفتاح، وقف وقد بدت في عينيه نظرة واثقة ولاح على شفتيه شبح ابتسامة، فسأله "كومبو"بفضول:
- أشعر أنك اكتشفت للتو شيئا ما ؟ أليس كذلك؟
- بلى، أنت رائع يا " ُكومبو".
قالها وطلب منه ألا يغادر مكانه، وبدأ يحرك خنجره في الهواء، تارة يقول قصر "الحوراء"، وتارة يقول الغابة، وتارة يقول بيت كلودة، كان يختفي لدقائق ثم يعود وينبثق من الهواء، وكان الأمر يبدو لـ"كومبو" مضحكا ومخيفا في الوقت نفسه. وبينما يتنقل "أنس" ويتحدث مع "الحوراء" و"سامي كول" و"المغاتير" والعجوز "ناردين" و"المجاهيم"، وخلال فجوة منهم ظهر له فجأة "شهاب". وجذبه من قميصه بعنف إلى بيته الذي زاره فيه بالغابة والذي لم يعثر عليه مرة أخرى، كان غاضبا للغاية، ألصقه بالجدار وغرس عينيه في عيني "أنس" وصرخ في وجهه قائلا:
- أتظّن أ ّنك ستغير شيئا أ ّيها الأحمق؟ أنت مجرد حرف لا قيمة له..أنت مجرد علامة، رمز لا يلتفت إليه من يعيش هنا، وجودك غير هام بالمرة،
أنت لا شيء... ولن تغير شيئا.
- ما كنت لأغير الماضي، أنا فقط سأجاهد لكي أستعيد الحقيقة كما كتبها صاحبها أول مرة.
- أنت أضعف من أن تعيد الحروف، وعقلك أضيق من أن يستوعب تلك الكلمات، أنت بلا فائدة.
- سأكون علامة ترقيم تزيد المعنى وضوحا، حرف عطف يقرب بين معنيين، أو وفاصلة تفصل بين كذبتين، ونقطة تنهي بعض الجمل المؤلمة، وعلامة استفهام بعد سؤال بليغ، وربما قوسين يضمان الحقيقة التي أؤمن بها، قوسا يغلق جملة ما فينهي حقبة بأكملها!
- لن تفعل يا "أنس".
- بل سأفعل إن شاء الله يا "شهاب".
- مستحيل.
- كل شيء ممكن طالما أ ّنك تسعى وراءه وتطلبه.
- لن تستطيع.
- راقبني إذن.
- سأراقبك... ولن أسمح لك بإفساد كل شيء.
أفلت منه "أنس" وغاص في الفجوة، ُثم عاد إلى حيث كان " ُكومبو" مستلقيا على الأرض ينتظره، سأله بملل وهو يتثاءب:
- لماذا تأ ّخرت هذا المرة يا "أنس"؟
بصوت واثق ونظرة ثاقبة سحبه من ذراعه وقال له:
- الآن يا " ُكومبو" ستنتقل معي خلال الفجوات، وسنذهب جميعا لإنقاذ "كلودة" و" َمرام"، هل أنت مستعد؟
ازدرد " ُكومبو" ريقه بصعوبة، وهمس بخفوت:
- أنا مستعد.
قال "أنس" وقد تأ ّلقت عيناه وأطل منهما بريق روح المحارب التي تسكنه:
- الآن نعالج الأمور على طريقة عالمكم العجيب بإذن الله، هيا بنا.
حرك "أنس" خنجره في الهواء ً، فانبثقت فجوة تتلاعب وتموج ألوانها في بعضها البعض، ثم دلف فيها ساحبا معه صديقه "كومبو".
❐❐❐
كانت العجوز "ناردين" جالسة ّأمام كوخها عندما ظهر "أنس" وبصحبته "كومبو" من خلال فجوة أمامها، حياها بإجلال ومد يده فأعطته عكازها الذي تتكئ عليه، وكأنها تسلمه شيئا عظيما أو تقلده وساما! كان عكازها يعني لها الكثير، غصن شجرة غليظ ومتين سحبته يوم ألقت بها زوجة ابنها في الغابة، كانت تنصت لأنينه ، وينصت لهمساتها، يؤنسها الغصن وتستأنس به، ومنحها سرا عظيما. قالت بصوت مرتعش تصاحبه بحة لطيفة:
- لا تنس يا "أنس"، ثلاث طرقات ُثم انتظر، وأتبعهم بطرقة وسيكونون طوع أمرك.
حياها بحبور، وعاد يحرك خنجره في الهواء، انتقال إلى قصر "الحوراء"، كان "كومبو" يرتعد، تلك كانت أول مرة يرى فيها "المغاتير"، كانوا يقفون في صفوف منتظمة وهم يمتطون خيولهم بكبرياء وعلى رءوسهم قلنسوات زرقاء وقد تلثموا بمناديل بيضاء تخفي ملامحهم عن الناظرين، توقفوا أمامه وترجل أحدهم مقتربا من "أنس" وحياه بوقار قائلا:
- طوع أمرك أيها المحارب.
كان ذاك الزاجل "الازرق"، والذي كان لحضوره أثر عميق في نفس "أنس"،فقد شعر بالطمأنينة بعدما تحدث معه في مرة سابقة من تلك المرات التي كان يلج فيها خلال الفجوات منتقلا إلى القصر. رفعت "الحوراء" يدها وأصدرت لهم الأمر، وفور أن حرك "أنس" خنجره في طبقات الهواء وردد اسم قصر الملك "كمشاق" ..انبثقت الفجوة، وبدأ المغاتير يقفزون فيها واحدا تلو الآخر بخيولهم، تبعهم "أنس" ومعه "كومبو" وعندما اطمأن أنهم يقفون على السهول قريبا من القصر ترك " ُكومبو" معهم وانتقل من خلال فجوة أخرى حيث "المجاهيم"، وطلب منهم الأمان، وتعاهد معهم أن ينقلهم من خلال فجوات خنجره إلى حيث يستطيعون السيطرة على ما تحت أرض قصر الملك " ِكمشاق"، لتتوسع مملكتهم، فتلك هي الطريقة الوحيدة لكي يتمكنوا من عبور الفاصل الحجري الذي يحبسهم في الغابة وبسببه لا يخرجون منها، مقابل أن يعينوه على اقتحام القصر وتحرير صديقه "كلودة"، و"مرام" التي كان يتحرق شوقا للاطمئنان عليها، وافق زعيم "المجاهيم"، وأعطاه الأمان له ولرفاقه وللمغاتير، فسمح لهم "أنس" بالانتقال عبر الفجوة، لم يرهم "المغاتير" ولا "كومبو"، لكنهم سمعوا أصواتهم فقط بجوارهم فأصابهم الرعب الشديد وقد كانوا حولهم في كل مكان، لكن "أنس" وحده كان يستطيع رؤيتهم، في الجهة ًالمقابلة ً غير بعيد ظهرت كوكبة من الفرسان يتقدمها أحدهم يبدو كأن له شأنا عظيما بينهم، ربما فارس عال المرتبة، كان وشاحه من قماش فخم محفور بفراء ثمين مختلف ومميز عن بقية الفرسان، كان ذاك "حليم" يستعد للدفاع عن قصر الملك الذي يفديه بحياته، والذي يثق به ثقة عمياء، فقد أربكهم ذاك الحشد وهو يقترب.
كان فارع الطول، له وجه يشع مهابة، ينفث الرعب في قلب أي غريب. تقدم وحيدا بجواده ثم توقف، استعار"أنس" جواد "الزاجل الازرق" وامتطاه بقفزة واحدة، وسار وحيدا حتى وقف في مواجهة "حليم" الذي أومأ يحييه وقال:
- هربت مني المرة السابقة، ليتني ثقبت قلبك ولم أستمع لنصيحة الأميرة "نبرة."
- كان من حسن حظي أن حررتني بنفسها من أسرك لتنكشف لي نواياها.
- ماذا! أنت كاذب!
- لست بكاذب، ولك أن تسأل حراسها الذين يلازمونها، واسألها أيضا عن كتاب "إيكادولي" فهو معها الآن.
- أنت كاذب!
- أنا لا أكذب، وأستطيع أن أكشف لك الحقيقة كلها، وما لا تعرفه أيضا! ولتعلم أن اقتحامنا للقصر سيتم لا ريب! وسأكون بعد قليل في ديوان
الملك، وسأضرب عنقه.
شهر "حليم" سيفه وقال وهو يشير إليه به:
- لن تمر... سأقتلك قبل أن تفكر في الأمر.
تفحص "أنس" بهدوء ملامح "حليم"، ُثم قال له:
- أتذكر عندما سألتك عندما وقعت في أسرك عن أي عام نحن فيه؟
- نعم .. أذكر.
- حسنا... إلى أي حد أنت مغامر؟
- ماذا تعني؟
- لو رأيتني أقفز في الهواء بجوادي هذا خلال فجوة معلقة في الهواء، هل ستقبل أن تقفز إليها بجوادك خلفي؟
تردد قليلا ُثم شدد قبضته على سيفه وقال متحفزا:
- ولو قفزت للجحيم سأقفز خلفك.
ابتسم "أنس" بعد أن سمع جملته الأخيرة، وتراجع بجواده إلى الخلف خطوتين ثم حرك خنجره في الهواء وقال "مملكة الجنوب..." ثلاثة و عشرون... انبثقت الفجوة وتعلقت في الهواء، التفت نحو "حليم" ودعاه ليتبعه، وقفز خلالها قبله، وخلفه وقف"حليم" مترددا للحظات، ثم قفز واختفى كلاهما لوقت تعدى النصف ساعة. ظن المغاتير أن "أنس" لن يعود، ووقف "كومبو" يقرض أظافره، وأخيرا عاد وكأنه يقفز من رحم الهواء وتبعه "حليم"، دار كلاهما حول الآخر بفرسه، ثم توقف "حليم" ونكس رأسه لوقت وجيز كان كافيا لاتخاذ أهم قرار في حياته، قالها بثقة وهو يحدق في رأس جواده:
- كما اتفقنا... اتركه لي يا "أنس"، واهتم أنت بصديقك.
قال "أنس:"
- و" َمرام"؟
- عندما تنقذ صديقك، وعندما أفعل ما علي أن أفعله، سأقلب القصر بحثا عنها، وسأنقذها بنفسي.
- كلمة شرف؟
- نعم أيها المحارب.. كلمة شرف!
حدث كل ذلك و"المغاتير" و"كومبو" وحتى "المجاهيم" كانوا في دهشٍة شديدة. تراجع "حليم" وأمر الجنود بالبقاء في أماكنهم على بوابات القصر
وفوق سطحه، ودلف إلى داخل ديوان الملك "كمشاق" ، وعلى عينيه تستقر نظرة غريبة. كان "أنس" يلملم شتات فكرهّ، ويحاول التركيز على إنجاح خطته، بقي أن يستدعي الصقور، وقبل أن يحرك خنجره في الهواء، كانوا يفدون أفواجا فوقهم حتى أظلمت السماء، تحرك "المغاتير" وتبعهم "المجاهيم" وأحاطوا القصر من جهاته الأربعة، وارتفعت الصقور فوقه فحجبت ضوء الشمس عنه فارتج الملك "كمشاق" وحاشيته، وخرج الجميع بأسلحتهم، وغطت الغربان القصر فاسودت نوافذه من الخارج، وارتص الحراس بالنبال واتخذ عدد من الرماة أوضاع التصويب نحو "المغاتير"، ووقف جند القصر شاهرين سيوفهم وحرابهم أمام البوابات، وبدأ صدام عنيف.
❐❐❐
كان "أنس" يقف أمام القصر بثقة حيث رفع صوته وصرخ بأقصى ما أوتي من قوة مناديا على الملك "كمشاق"، لم يخرج إليه أحد، كان يمسك بعصاة العجوز "ناردين" التي سلمتها له، رفعها في الهواء ثم ضرب الأرض ثلاث ضربات متتاليات فأحدث دويا خلع قلوب كل من بالقصر، وانتظر قليلا ثم قال :
- اخرجي بأمر الله.
ُثم ضرب ضربة قوّية فانغرست العصاة في الأرض التي بدأت تنشــق وتتفتـــح جنباتها بسرعة، وبرزت وشائج أشجار متشابكة ظلت ترتفع وتتشابك وتسير كما تسير الأفاعي هنا وهناك، شلت أركان القصر، وسحبت الجنود والتفت على سيقانهم ثم سحبتهم لباطن الأرض ابتلعتهم جميعا فارتبكت الغربان وانتفضت تتخبط في بعضها البعض محلقة بعيدا وسقط منها ما سقط. التفت تجاه "الزاجل الازرق" وتبادل معه نظرة ذات معنى فاقترب منه، ثم استدار نحو زعيم "المجاهيم" الذي دنا منه في الحال، ثم أشار للرمادي فاقترب، كاد "كومبو" أن ينضم إليهم، فقال له "أنس":
- " ُكومبو" انتظر أنت، من أجل أمك و"أشريا" وأمها، ولو لم أعد وكتب الله لـ"مرام" النجاة، عاهدني أن تساعدها على العودة لقصر "الحوراء" إن لم ينج أحد من "المغاتير" ليعود بها.
أومأ " ُكومبو" برأسه في صمت ووجوم، شد على كفه متأثرا حتى أن عينيه الضاحكتين امتلأتا بالدموع، خشي أن يكون هذا الوداع! ووقف في رهبة يراقب "أنس" الذي حرك خنجره في طبقات الهواء قائلا:
- ديوان الملك "كمشاق" !
انبثقت الفجوة فدلف منها "أنس" مع "الزاجل الازرق" و زعيم " المجاهيم" الذي لا يراه إلا "أنس" ومعهم الرمادي، فوجيء الملك "كمشاق" ومن حوله بظهورهم أمامهم، كان أول ما روع "أنس" هو رؤيته لـ"كلودة" وهو معلق من قدميه، كان الساحر "قرجة" يجلس تحت رأسه، وبين يديه كتاب "إيكادولي"، يستعد لكتابة أول عبارات فيه على طريقتهم بدماء كلودة بعد أن يثقبوا قلبه، وكانت "نبرة" تمسك بسهم وتستعد، اهتزت يدها عندما رأت "أنس"، لكنها عادت تطالعه كذئبة جريحة ما زال بها بعض خبث ودهاء، كان الغل والغضب يطغى على مشاعرها، إن لم يكن هو لها، فالكتاب سيكون!
وإن ُكتب على صفحاته باسمها واسم أخيها وعلى شريعتهما التي تكفر بكل شيء إلا ملكهما، فذاك سيجعل "أنس" أسيرا لديها لأنه فشل في استرداد كتابه، ستسيطر على كل شيء، هكذا كانت تظن، أسرعت نحو "كلودة" ورشقت السهم في قلبه، فصرخ صرخة مدوية وبدأت الدماء تسيل منه، وبدأ الساحر يجمعها في إناء صغير و يكتب بها في صفحة من الكتاب، بينما وقف أمامه رجل ضخم الجثة يحمل سيفا ويحركه مهددا في الهواء أي شخص يفكر في الاقتراب من الساحر، صرخ "أنس" مطلقا إشارة الهجوم فانقض "المجاهيم" على بقية الجنود واحدا تلو الآخر وفور أن رأى المغاتير سقوط الجنود أمامهم، انطلقوا وبدأوا يقتحمون القصر بالتدريج، بينما انقض "الزاجل الازرق" على الفارس الذي كان يحمي الساحر وهو يكتب وبارزه حتى جندله بسيفه وصرعه فأحاط به آخرون، استمر يضرب ويجندل، وحوله زعيم "المجاهيم" يصرع بعضهم هنا وبعضهم هناك يخنقهم ويحبس أنفاسهم ، من بينهما وهما يساعدانه تسلل "أنس" ُ مقتربا من الساحر وضربه ضربة بالسيف فقطع ذراعه التي كان يكتب بها، ثم قطع الحبال التي كان "كلودة" معلقا بها من قدميه، كان "كلودة" يتألم وبدا وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، نظر إليه "أنس" فألفاه ساكن الأطراف، شاخص البصر، وصدره يرتفع وينخفض وشفتيه تختلجان، فالتفت واستل خنجره وحركه في الهواء لينتقل به إلى الغابة حيث العجوز "ناردين"، وسحبه معه خلال الفجوة، هرولت العجوز تجاههما وفور أن رأت "كلودة" شهقت وانحنت تتحسس السهم المرشوق في قلبه، رفعت عينيها تجاه "أنس" وقالت له:
- هل أحضرت الزجاجة التي سألتك عنها؟
-نعم ..ها هي، ولكن هل أنت على يقين مما أخبرتني به؟ لقد أخبرني "كومبو" أنها حبر معتق!
ابتسمت العجوز، وهزت رأسها بثقة، ُثم سحبت زجاجة الحبر الزرقاء من يدي "أنس"، وفتحتها بحرص، قربتها لأنفها أولا وشمتها ثم قالت بصوت واثق:
- الآن يا "أنس" !
قبض "أنس" على السهم الذي رشقته " َنبرة" في قلب "كلودة"، وانتزعه بقوة، فانفجرت الدماء من الجرح، كانت الدماء حالكة السواد! ارتج قلب "أنس" فزعا وهو يراها تسيل، وضعت العجوز كفها عليها وهمست:
- يكفي.. يكفي.
فتوقفت الدماء عن السيلان وبدأت تقطر من الزجاجة داخل الجرح نقطة نقطة، ورفعت رأسها تجاه "أنس" قائلة:
- اتركه الآن ولا تقلق عليه، و عد لتنقذ " َمرام"، فلن أستطيع علاج جراحها هنا!
انتفض "أنس" وشعر بالخوف يعتصر قلبه، حرك خنجره في الهواء وعاد لقصر "كمشاق"، كانت المعركة ما زالت مستمرة، وكانت "نبرة" والتي كانت تكفكف دماء "كلودة" التي استحالت سوادا على الأرض وتكتب بنفسها في كتاب "إيكادولي"، فور أن رأته يقترب احتضنت الكتاب وفرت به. بينما كان "حليم" يغرس سيفه في قلب أخيها "كمشاق"!! ويراقبه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، ثم سحب سيفه ورفعه وهتف بصوته ممجدا ذكرى أبيه فهز أركان القصر، هنا يعلو سلطان الملك على سلطان الصداقة، كانت نظراته كالبرق المتطاير من عين جواد مفترس، توقف الجند عن القتال والتفوا حوله يأتمرون بأمره بعدما صارت الغلبة والسلطة له منذ تلك اللحظة، بينما انسحب "المغاتير" بأمر "الزاجل الازرق" وعادوا أدراجهم على السهول حول القصر، وعادت الصقور تحلق بعد أن فتكت بمجاميع الغربان التي كانت قد تبقت حول القصر، كان " القرناس" قد حمل "مرام" وطار بها بعيدا دون أن يلتفتوا إليه، وانطلقت "نبرة" على جوادها وهي تحتضن كتاب "إيكادولي" يحميها رجالها بالنبال ويرشقون كل من يتبعها، كانت تتجه نحو الجبل الأحمر.
❐❐❐
✍حقوق الطبع و النشر خاص بمدونة الأقلام الذهبية©
إذا كان لديك قصه و تريد مني نشرها قم مراسلتي على تطبيق واتساب اضغط هنـــا
تعليقات
إرسال تعليق
إذا كان لدي أي تعليق اكتبه في الاسفل