تناهى إلى سمعه صوت خطوات تقترب من الباب، فتح السيد "شهاب" له الباب بنفسه، كانت ملامحه كما هي عندما رآه هناك، وجه يحمل مسحة من الوسامة بشعره البني ، وبشرته الباهته وفكه العريض، وأما تلك النظرة الساخرة التي كانت تطل من عينيه الضيقتين تبدلت بنظرة عميقة منكسرة، وكانت عيناه خلف عوينات أضفت على مظهره وقارا لطيفا.
كانت دقات قلب "أنس" متسارعة، حتى أن "شهاب" شعر بتوتره وهو يصافحه حيث قال وهو يهز يده بحرارة:
- مرحبا بك، يبدو أ ّنك متوتر جدا، يدك باردة جدا وكأ ّنها قطعة من الثلج.
تنحنح "أنس" في ارتباك وهو يتأ ّمل وجه "شهاب"، بدا أكثر اتزا ًنا وتعقلا مما كان عليه، أكبرعمرا ربما! وكأنه أربعيني! كما أنه تخلى عن نزعة الغرور التي كانت تطفح من عينيه، أغلق "أنس" الباب وسار خلفه، مر برواق البيت حيث كان كل شيء يسبح في هدوء شديد، وصلا سريعا إلى غرفة كبيرة جدرانها تحتضن الكثير من الرفوف المكتظة بالكتب، كانت رائحة الصندل تفوح من المكان، ذكرته الرائحة بالغابة والعجوز "ناردين."قال "شهاب":
- أخبرتني على الهاتف أنك حصلت على رقمي من "أحمد".
- نعم... الزاجل الازرق.
قهقه "شهاب" وهو يتأرجح بالكرسي الجلدي الفاخر الذي غاص فيه خلف مكتبه ثم خلع عويناته وقال ساخرا:
- أنت صديق له على الفيسبوك أيضا، كم هو لطيف ذاك الفتى، أحبه كثيرا، حسنا أخبرني عن روايتك أو كتابك، أم... هل أنت شاعر؟
- في الحقيقة لست بكاتب ولكنني جئتك في أمر آخر هام جدا بالنسبة لي.
اعتدل "شهاب" في جلسته أعاد ارتداء عويناته ونظر إليه بجدية وسأله:
- وما هو؟
- أنت تعرفه.. لا تزعم أ ّنك لم ترني من قبل!
- أنا بالفعل لا أعرفك!
لم يتمالك "أنس" نفسه وثار فجأة ووقف يتحدث بعصبية شديدة:
- أين " َمرام"؟
- ومن هي " َمرام"!
- لماذا أخرجتني من هناك قبل أن ألتقي بها؟
- أخرجتك من أين!!
طرق "أنس" بقوة على سطح المكتب وقال:
- لم يكن الأمر واضحا في بدايته، لكنني أدركت الحقيقة عندما ربطت بين الأرقام التي كانت على الخريطة والفجوات، وما مر من أحداث محدده في أماكن محددة برقم خاص.
شعر "شهاب" بالقلق وبدأ يتحرك من مكانه نحو باب الغرفة وهو يقول:
- أي أرقام! وأي فجوات؟ هل أنت مجنون!
رفع "أنس" سبابته وحركها بعصبية في الهواء وقال:
- لم تنجح خدعتك، لا تحاول العبث بعقل من درس الهندسة، فأنا لدي خيال واسع وسرعة بديهة سهلت علي كشف الحقيقة!
ثار "شهاب" ودفع "أنس" تجاه باب الغرفة وقال:
- اخرج من بيتي! كاد "أنس" يسقط، لكنه عاد ووقف بثبات وقرب وجهه من وجه "شهاب" وقال:
- الأرقام كانت أرقام صفحات رواياتك، وكنت أنتقل بالفجوات من رواية لأخرى، حتى أنني عدت بـ"حليم" لصفحات سابقة ليرى كيف قتل "كمشاق" والده وذبحه واستولى على عرشه، وكان ذاك عونا لي ليكون في صفي عندما اقتحمت القصر لأخرج "كلودة".
- "حليم" و "كمشاق" و "كلودة" شخصيات في رواية لي بالفعل، لكنني لا أفهمك!!
بدأ "شهاب" يرتجف، كانت يداه تهتزان كما لو كان يعاني من اضطراب أو مرض ما، ارتبك "أنس" وعاونه على الجلوس على أقرب مقعد، هدأ كلاهما للحظات كانت كافية لخلط الأفكار في رأ س "أنس"، ربما "شهاب" لا يعرف شيئا عما رآه وعاشه، وكما قال والده وجده سيظنه مجنونا كما سيظنه أي شخص آخر لم يخض تلك التجربة بنفسه، قرر أن يشرح له الأمر بطريقة أخرى، لعله يصل إلى أي معلومة عن "مرام"، قال بعد أن تنفس بعمق ثم مسح وجهه بكفيه:
- حسنا يا سيدي...اسمع، أنا مررت بتجربة غريبة وحدث لي شيء لا ُيصدق.
هز "شهاب" رأسه ليشجعه على إكمال كلامه فأردف "أنس" مكملا حديثه:
- بطريقة ما انتقلت إلى مملكة البلاغة وعشت هناك لفترة.
- أتقصد دار النشر؟
- لا... مملكة البلاغة هي بلاد غريبة، حتى أنني التقيت هناك بعدة أشخاص قد تكون أنت كتبت عنهم في روايتك.
- ماذا..!!
حملق "شهاب" في وجهه وأطرق للحظات يفكر، ظنه يعاني من اضطــراب نفسي فقرر أن يجاريه، سأله مظهرا اهتماًما بكلامه:
- وأين تلك البلاد؟
- لا أدري مكانها بالتحديد.
- كيف سافرت إلى هناك؟
- حملني صقر.
رمقه "شهاب" بتعجب وقال بنغمة تخالطها رّنة ارتياب:
- من فضلك... إن كنت تريد إخباري بفكرة رواية لأكتب عنها فلا تتبع تلك الطريقة معي... كن منطقيا وتحدث بشكل طبيعي وسأتجاوب معك.
- أليس هذا ما كتبته في روايتك؟.ألم تكتب اسمي فيها؟
- في الحقيقة....
قاطعه "أنس" بعصبية وقال:
- المغاتير، المجاهيم، الأمير "أواوا"، المحاربون!
رفع "شهاب" حاجبيه ُثم قال:
- هل اطلعت على النسخة التي قدمتها للسيدة "ناردين؟
أكمل "أنس" غير مبال بسؤاله:
- قصر الملك، والقرية، والغابة...
غضن "شهاب" حاجبيه غاضبا وقال:
- كيف سمحوا لك بقراءتها!! لا بد أن أتحدث معهم الآن، هذا غير لائق! أمسك "شهاب" بهاتفه فمد "أنس" يده ووضعها فوق يده يستوقفه وقال برجاء:
- سيدي من فضلك.... أرجوك صدقني، الكتاب اختارني بنفسه.
احتدت َنبرة صوت "شهاب" وهو يسأله:
- أي كتاب؟
- كتاب قديم صفحاته خالية كان بمكتبة جدي.
- أنت شخص غريب!
- "أبادول"... هل تعني لك شيئا؟
حرك "شهاب" عينيه في المكان ُثم قال:
- تلك رواية كتبها روائي عظيم من أساتذتي منذ سنوات، وأصدرتها نفس دار النشر .. لماذا تذكرها؟
- هذا جدي.. أبادول هو جدي.
ران عليهما صمت ثقيل للحظات، حا ُول "شهاب " أن يستعيد رباطة جأشه، تأمل وجه "أنس" وتفرس في ملامحه ثم قال بجدية:
- يبدو أ ّنك واسع الخيال يا فتى، ربما الأفضل لك أن تتجه للكتابة، تلك األفكار ستساعدك وربما ينجح الأمر معك وتصبح كاتبا مشهورا يوما ما،
أرجوك انتهت الزيارة.
وقف "شهاب" فوقف "أنس" متأ ّهبا وقال:
- إيكادولي... هل تعني لك شيئا؟
رفع "شهاب" كتفيه في استغراب شديد وقال:
- كيف عرفت اسم روايتي!! لم أخبر أي مخلوق أنني اخترت هذا الاسم بعد لروايتي! حتى دار النشر نفسها لا تعلمه! حتى السيدة "ناردين" فقد أرسلتها إليها معنونة بعدة اقتراحات للاسم ليس هذا من بينها فقد فكرت فيه أمس!، حتى زوجتي وتوأم روحي التي تشاركني في كل شيء لا تعرفه!
قال "أنس" في ثقة:
- ألم أخبرك أنني كنت هناك؟ الآن ستصدقني.. أليس كذلك؟
- ماذا تقول؟.. كن منطقيا أرجوك..
قاطعه "أنس" وقال محتجا:
- ما حدث لي خارج نطاق المنطق، لا تخبرني بأن الغابة والمملكة والقرى حولها غير موجوده، انظر إلى يدي، ذاك أثر الحبال لما حملت "مرام" عندما سقطت من فوق الجبل.
مد "أنس" يده أمام "شهاب" الذي اتسعت حدقتا عينيه عندما رأى أثر الحبال المجدولة على يد أنس وذراعه، تذكر ما كتبّه في روايته، شعر بقشعريرة تجتاح جسده، تسارعت دقات قلبه من شدة الانفعال وتراجع خطوة للخلف، حملق في وجه "أنس" مرة أخرى!! قال بصوت مرتعش:
- الحبل الذي تعلقت الفتاة به!!
خر "شهاب" على الكرسي خلفه بعد أن ترنح قليلا وقال بخفوت:
- يا إلهي!! لا أصدق..
- هل ستساعدني إذن؟
- في أي شيء؟
- عدل نهاية روايتك... أرجوك.
كان "شهاب" يحدق في وجه "أنس" الذي انطلق متحدثا بسرعة:
- كنت أعيش في روايتك، لا أدري كيف، لكنها الحقيقة، حتى أنني التقيت بمحاربة أخرى هناك اسمها "مرام" كانت تعيش أحداث رواية أخرى تسمى "هيال".
- "هيال" رواية أخرى لي بالفعل... ولكن مهلا.. أنت تقول أنك التقيت بتلك الفتاة هناك؟
- نعم" َمرام"...
- بالفعل روايتي الجديدة "إيكادولي" والتي لا يعلم مخلوق أنني اخترت لها هذا الاسم تحتوي على أحداث متشابكة وبها شخصية محارب و محاربة!
- أتقصد أنا و " َمرام"؟
- حسنا كما تحب... أنتما...
قال "أنس" بصوت غلبت عليه نبرة التو ّسل والرجاء:
- أرجوك يا سيدي تحدث عن الأمر بتلك الطريقة فهذا سيعني لي الكثير لأنني عشته بالفعل... قل أنت و "مرام"
تنهد "شهاب" بعمق وقال بهدوء:
- حسنا يا "أنس"، اجلس وأخبرني بكل ما مررت به بالتفصيل، وكلي آذان صاغية.
كان "شهاب" يحرك رأسه يمنة ويسرة ويفرك كفيه بتوتر شديد وهو ينصت إلى"أنس" الذي بدأ يحكي له بالتفصيل كل شاردة وواردة مر بها، كان ما يرويه الشاب عصي على الفهم، عصي على الشرح، عصي على التصديق! في النهاية، وبعد أن أفرغ "أنس" ما بجعبته، قال "شهاب" بعد أن خلع عويناته ومسح وجهه وصمت لوهلة وكأنه يرتب أفكاره:
- في الحقيقة يا "أنس" ما تخبرني به عجيب، فروايتي وإن كان أبطالها من النوبة وبها من الشخصيات مثل "كلودة" و"أونتي" و"كمشاق" و"نبرة"، إلا أنني لم أكتب عن الصقور، كما أن أمر الكتب واختيارها للمحارب لم يكن موجودا.
- ماذا تعني!
- إن كان ما تحكيه صدق..
ثم رمقه بنظرة عميقة وأردف:
- فهذا يعني أّن الكتب حية وتنبض وتشعر بنا.
قاطعهما أزيز الباب وهو ُيدفع بلطف، ظهرت زوجة "شهاب" التي عادت للبيت منذ دقائق، وجه مريح عليه مسحة طيبة وقسمات تنم عن جمال
متعب، رحبت بـ "أنس" ووضعت أمامهما كوبين من عصير البرتقال وانصرفت بهدوء.
التفت "أنس" تجاه "شهاب" وسأله:
- لديك ثلاث بنات، "جميلة"، و"جمانة"، و"جويرية.." أليس كذلك؟
شخص "شهاب" للحظات، ُثم قال مذهولا:
- يبدو أنك اخترقت رأسي... وقرأت أفكاري.
- ماذا تعني؟
اقترب "شهاب" من باب الغرفة وأغلقه بحرص وعاد لمكانه وقال بصوت خفيض:
- هذا ما كنت أحلم به قبل زواجي، أن ننجب أنا زوجتي ثلاث فتيات متشابهات وكأنهن توائم ولدن في سنوات متفرقة، نسخة متطابقة ومتكررة، يركضن حولي ويتعلقن بساقي عندما أدلف إلى البيت، يغرقوني بالحب، "جميلة" و"جمانة" و "جويرية"، هكذا تمنيت، ولكن الله برحمته كتب على زوجتي أن تتعثرعلى درج الأمومة، فهي لا تتخطى الشهر الثاني في حملها وسريعا ما يسقط الجنين، وما زلت أحلم... وما زلنا ننتظر الفرج من الله، لكنني لا أحدثها أبدا بذاك الحلم وتلك الأمنية، ولم أحدث به مخلوق!
- لقد رأيتهن هناك.
ابتسم "شهاب" وربت على ساق "أنس" وقال له:
- بل رأيتهن في رأسي، يبدو أ ّنك كنت هنا.
وأشار لرأسه وهو يبتسم بلطف، لاحظ "أنس" في تلك اللحظة علامات الهم التي ارتسمت على وجه "شهاب"، كانت روحه متعبة ذاك الحد الذي
جعله لا يقوى على إكمال حديثه مع "أنس".
أطبق عليهما الصمت حيث ندم "أنس" على ما قاله، بينما جعل هذا "شهاب" يزداد ثقة به، فها هو يتحدث عن أحلامه وأمنياته التي يخبئها في
رأسه، قال "أنس" محاولا أن يخفف عن "شهاب":
- آسف
هز "شهاب" رأسه وقال بثقة:
- لا عليك، أعلم أنك من النوع الذي يراعي مشاعر الآخرين، أنسيت؟ أنا أعرف كل شيء عنك، كتبت عنك طوال الأّيام الماضية. فسمات
شخصيتك مطابقة لسمات شخصية المحارب في الرواية.
قام "شهاب" وتوجه نحو أحد الرفوف وأحضر مجموعة من الروايات وبسطها على مكتبه أمام "أنس" وبدأ يقرأ العناوين:
- هذه رواياتي الخمس، كل منها رواية منفصلة عن الأخريات، ويا للعجب!
يبدو أنك بالفعل عشتها بل وكنت سببا في انتقال الشخصيات من رواية لأخرى بطريقة ما..! رواية "الغابة المسحورة" حيث العجوز "ناردين"، ورواية "المجاهيم" وعالمهم تحت الأرض، ورواية "مملكة الشمال" حيث الملكة العادلة "الحوراء" وابنها الذي يفعل الخير ويساعد الناس متخفيا مع رفاقه، ورواية "مملكة الجنوب" حيث كان ملك ظالم وشقيقته الأميرة شديدة الجمال التي أحبها شاب حليم الطباع لكنها كانت أنانية ولا
تستحقه، وفي تلك المملكة عدة قرى متجاورة تعكس روعة أهل النوبة وأخلاقهم وعاداتهم الجميلة، لكل قرية سرها الغامض ، واحدة منها كان فيها كهل يسمى "الرمادي" يتجول فيها ولاقى الكثير مع زوجته. وأخيرا هذه رواية "هيال" التي يبدو أنك لم تخترق صفحاتها، ولو اخترقتها وعشتها
لعشقت أهل النوبة بحق!
ُثم سكت هنيهة وأردف قائلا:
- أ ّما أمر الكتب والمكتبة فهو عظيم لكنني لم أكتب عنه ولا عن الصقور!، وددت لو ذهبت إلى هناك يا "أنس".. لا شك أنه شعور رائع، وصفك
للمكان والرفوف ولقاؤك بالكتاب في تلك الغرفة والحراس وهيبتهم فتن عقلي وأسر روحي.
قال "أنس" وهو ينقل عينيه بين أغلفة الروايات:
- ولهذا كان هناك فاصل حجري يفصل بين كل مكان والآخر لا يتعداه أحد، فكل رواية منفصلة عن الأخريات.
- وتلك الفجوات التي كنت تصنعها بالخنجر وتنتقل بها من مكان لآخر كانت طريقة ذكية تنتقل بها من صفحة لأخرى، وخاصة استخدامك لأرقام
الصفحات، حتى أنك نجحت في تغيير بعض الأحداث! ونقلت بعض الشخصيات من رواية لأخرى يا "أنس."
- أدركت هذا وأنا هناك.
- لكن ما لم تدركه أ ّنك دخلت رواية منهم بطريقة معكوسة، لقد بدأت رحلتك من صفحاتها الأخيرة يا "أنس"
- ماذا!
- القصة تبدأ بشاب سيء الخلق يسمى "كلودة"، تحبه ابنة عمه في صمت، تتمناه زوجا بينما يعيش قصة حب مع أميرة تدعى "أونتي" كانت أنانية وشهوانية، لا تفكر في مشاعر الآخرين، تطارده فيقع في غرامها، كان الناس يعرفون بقصتهما، وكانوا ينفرون منه.
- ألهذا كانت "أشريا" ترفض الزواج منه؟
- نعم، كانت تعلم خبيئته وتتألم، وعندما أفاق من غفلته وندم وتوقف عن لقائها وتزوج من ابنة عمه ثارت الأميرة وغضبت، وظلت تهدده ليعود إليها، فعاني كثيرا ومرض بسبب فراق زوجته التي جرحها الأمر.
تذ ّكر "أنس" عندما ذهب معه للطبيب أ ول مرة التقي به فيها وقال:
- كان يتناول علاجا من خلطة خاصة يعدها طبيب له، عاني من الهلوسات وكان حزينا..
- لكنه ظل على ثباته فأمرت الأميرة بقتل ابنتهما، فهربا للغابة، فتبعهما حراًس الأميرة وقتلت "أشريا" وخطفت ابنتها الرضيعة، فانطلق "كلودة
هائما على وجهه يبحث عنها حتى وجدها، وعاد للقرية وأعطاها لزوجة الخباز لترضعها وترعاها، وتنسك وظل على حاله منكسرا حزينا و باكيا على زوجته، يسبح ليلا ونهارا ويذكر الله في كل حين.
سكت "شهاب" للحظات ُثم أردف:
- كان أول لقائك ب"كلودة" في الصفحة الأخيرة، لكنك بإلباسك القلادة لـ"أشريا" وابنتها أنقذتهما من الهلاك والموت على يد"المجاهيم"، تغيرت
بعض المواقف بالطبع، ثم عدت إلى البداية حيث بيت "كلودة" عندما بدأ صباح أول يوم لك معه، ولهذا أخبرتني أنك شعرت أنه بروح جديدة وكأنه لم يبك في الليلة الماضية كما أخبرتني! ولهذا أيضا عندما سألت عن الرضيعة لم تحصل على إجابة شافية، لقد بدأ "كلودة" فاسدا ثم تاب
وتزوج من حبيبته "أشريا"، وتنسك بعد ذلك ولم ّ ينتكس ويضل كما ظننت أنت، ومرت الأحداث تتوالى، وانطلقت تعدل في الرواية أيها المحارب!، بل وسحبت شخصيتين من رواية "إيكادولي" وأدخلتهم رواية "الغابة المسحورة!" في الحقيقة أنا مذهول! حتى الحبر الذي سكبته
العجوز "ناردين" في جرح "كلودة" أنقذه لأنه شخصية مكتوبة في رواية..! دماؤه سوداء لأنها مجرد حبر!
كنت تظن أن "كلودة" و"أشريا" هما أبطال رواية "إيكادولي"، والصحيح أن المحارب والمحاربة هما البطلان! أنتما! أنت و "مرام"! كان الجميع هناك يراكما في صورة المحاربين! كنتما مكانهما! شعر "أنس" وكأن هناك من ألقى بجبل من الحجارة على رأسه، تخشب لسانه للحظات قبل أن يسأل بصوت متقطع:
- وأي شيء كنت أحاربه ؟
- هذه النقطة تحديدا أود أن أوضحها لك يا "أنس"، المحارب لا يحارب بخنجر ولا بسيف وليست معركته بالنبال والسهام، حياتنا كلها معارك،
وكلنا محاربون، نحارب أحيانا أفكارنا الشاذة، ونحارب أنفسنا عندما نضل، ونحارب شهواتنا عندما نتوب ونعود لخالقنا، ونصارع الأنانية فينا، نحارب الحقد وتلك النفس المتقلبة التي تجرنا أحيانا إلى الشر و تسقطنا في الفتنة، نحارب حتى ننطق بالحق والصدق، ونحارب من أجل الحب... كلنا محاربون.
- لماذا اختارني كتاب "إيكادولي"؟
- لأنك تؤمن بالفضيلة يا "أنس"، كان واضحا وجليا وأنت تحكي لي بالتفصيل أنك كنت ثابتا عليها حتى وأنت تعاني من السحر، وحتى عندما دق الحب على أوتار قلبك، أنتما أو المحاربان، كنتما من وجهة نظري كمؤلف تحاربان نفسيكما لأنكما وقعتما في الحب رغم أنفيكما، وهذا ما وصفته في رواية "إيكادولي"، المحاربان شخصيتان رئيسيتان، أنت و"مرام"! كلاكما كان يجاهد نفسه، تمسكتما بالفضيلة لآخر لحظة، دار صراع عظيم وأحداث عدة، وتفرقتما عدة مرات.
- وماذا حدث في نهاية الرواية؟ أخبرني كيف كتبتها؟
- تركت النهاية مفتوحة.
- لماذا؟
- وددت أن أترك للقارئ مساحة ليفكر بنفسه، ليحدد ما يراه من منظوره مناسبا.
- ولماذا.. لماذا تفعل هذا! إما نهاية سعيدة أو مؤلمة....اقتلني إذن لكن لا تتركني هكذا بدونها.
- رضاء القراء غاية لا تدرك، إن كتبت نهاية سعيدة سيقولون هذا هراء ويشبهونها بالأفلام التافهة والمسلسلات الفاشلة، وسيتهمون القصة بالضعف كالعادة، وإن كتبت نهاية حزينة سيسبونني ويقولون إن الرواية كئيبة، النهاية المفتوحة ترمي الكرة في ملعبهم، فلينهها كل منهم في خاطره كما يحب، أوتدري! حتى النهاية المفتوحة تحزن البعض مثلك فهي تتركهم في تخبط مؤلم كمن سقط منه شيء ثمين وحزن عليه.
- وأنا؟ و" مرام"؟
لاح شبح ابتسامة على وجه "شهاب" وهو يقول:
- أتعلم أنها فكرة مجنونة!
- أي فكرة؟
- أن ألتقي بشخصية في رواية كتبتها!!
- لكنني التقيت بك هناك! كنت تهددني، وأخبرتني أنني لن أستطيع تغيير شيء!
- لم أكن أنا! وكانت تلك نفسك تيهئ لك هذا...! لا تستهن بالصراع الداخلي الذي كنت تخوضه مع نفسك، ليتني كنت هناك مع بناتي اللاتي وصفتهن لي!
همهم "أنس" بكلام غير مفهوم، بدأ ينهار وتخلى عن تماسكه، أمسك "شهاب" بيده بعد أن أشفق عليه وسارا نحو أريكة وثيرة تتوسط غرفة المكتب وجلس بجواره يحدثه بهدوء حيث قال:
- لولا إحساسي الذي لا أستطيع تكذيبه بأّنك شاب طيب وصادق لأنهيت هذا اللقاء فورا. ولأنك أخبرتني بأشياء مخبوءة في رأسي فقد أنصت إليك وأنا الآن أصدقك... لكن أتظنني أستطيع تغيير شيء؟
- لا أدري!
- بل تدري، فكل شيء يحدث لنا في حياتنا له تفسير منطقي.
- وبعد؟
- لا أدري؟ وددت لو أستطيع أن أساعدك، لكنني عاجز، ليس بيدي شيء!
قال"أنس" وهو يتحسس ضلعه:
- وماذا سأفعل أنا!
وضع "شهاب" كفه على صدر "أنس" وقال:
- ألم الفراق، أعلم ما شعرت به هناك، أحيا ًنا وأنا أكتب تراودني مشاعر مشابهة وكأنني رحلت إلى تلك الأماكن التي أكتب عنها، أشعر بك..
قال "أنس" وكأنه يقطتع الكلمات من قلبه:
- و ما أحمله الآن من ألم؟
ترقرقت دمعة في عينيه فتأثر "شهاب" وقال وهو يضع يده على صدر "أنس":
- حتى ما تحمله الآن من ألم... فقد صرت كتابا مفتوحا أمامي أ ّيها الشاب الطيب، قد تظن أن حياتك قد انتهت، وأن كل لحظة تعيشها ستزيد
همك، وأنه لا يوجد بصيص نور في هذا الظلام، لكنك ستسعد عندما تبتسم في وجه عجوز، أو تنظر برحمة لصديق، أو تقف بجواره في محنة،
أو تطعم فما جائعا، ّ أو تسعد أحدهم بكلمة، نفحات السعادة التي ستمنحها للآخرين سترتد إليك بعد حين، قد يكون الحصول على السعادة أمر صعب، لكن منحها لمن حولنا أيسر بكثير. ُثم قال بحنان:
- "أنس"، لا تظّن أن قدرك بين يدي أنا مخلوق ضعيف مثلك، ما مررت به غريب وعجيب، لكن الأقدار بيد الله وحده، هو الذي يكتب علينا جميعا
ما سيحدث لنا ً، ما أنا إلا شخص ضعيف يحاول أن يكتب شيئا يبني قيما هنا، ويزرع أملا يزهر هناك، لكنني في النهاية ضعيف ليس بيدي شيء
أقدمه لك، وإلا كنت قد قدمته لنفسي قبلك! فلا تلجأ إلا لله وحده...اطلبها منه!
رمش " أنس" بعينيه، وأقر ما سمعه وعيناه ساهمتان، كادت تند منه أ َّنة موجعة لكنه تماسك، تمتم بالدعاء بصوت خفيض "اللهم اجبر كسر قلبي"،
وجلس ساكنا للحظات. ثم ودع "شهاب" وشكره على إنصاته له وكاد ينصرف لولا أن "شهاب" استوقفه وقال له:
- الأمر يشبه ما حكيته عن العجوز "ناردين"، ّ اهمس بالدعاء.. فالهمس بالدعاء وبحكايانا التي توجعنا ونخبئها بين طيات سهام الليل يسبق ما
نعيشه وما نكتبه! أما تعلم أن الدعاء يتصارع مع القدر ويغلبه أحيانا ويسبقه !
ُثم ابتسم "شهاب" وعانقه طويلا، انصرف "أنس" وقد ازداد شعوره بالغربة والوحشة، وغادر المكان برصيٍد هائل من الحزن. كانت زوجة "شهاب" تراقبه من خلف زجاج النافذة، اقترب منها "شهاب" وأحاط كتفها بذراعه، كاد يخبرها عن "أنس" لكنه خشي ألا تصدقه! ظلا يراقبانه وهو يبتعد. قالت بهدوء:
- أليس هذا هو الشاب اللطيف الذي كان يداعب الأطفال الصغارفي محطة القطار والذي رأيناه منذ أسبوع أو أكثر ونحن عائدان من الفيوم؟
- يا إلهي... يبدو أنه هو!
ابتسم "شهاب" وأطرق مفكرا، هل من الممكن أن ينقله صقر إلى مملكة البلاغة في يوم ما!
❐❐❐
اختفى "أنس"...اختفي المحارب ! ارتبك كل من بالوادي، ثمة ملسة من الحزن الشاجي تظلل املكان، كانت الحوراء تتلفت يمنة ويسرة في تعجب، ركض "الزاجل الازرق" تجاه "سامي كول" الذي كان ثابتا في مكانه كالصنم، عيناه ثابتتان كعادته، وسأله عن سبب اختطاف "الرمادي" فجأة لـ"أنس"، قال "سامي كول" بعد أن تنهد بعمق ورفع صوته ليسكن الجميع وكأن الصمت ألقى فوق رءوسهم عباءته فجأة:
- لقد نجح "أنس" واستعاد كل شيء، الصفحات امتلأت بالكلمات، وتم ختم الكتاب وضمه لسجلات المكتبة وسينشر في الآفاق.
قالت "الحوراء":
- ولماذا إذن اختطفه "الرمادي" بتلك الطريقة! لم نودعه كما يليق به!
أجابها "سامي كول" بجدية شديدة:
- كان لا بد من حمايته، "الرمادي" أنقذه في اللحظة الأخيرة، كاد "القرناس" يقتلع رأسه.
- القرناس...!! لماذا؟
- إ ّنها " َنبرة" عادت لتثأر .
سألته " َمرام" وعلامات القهر على وجهها:
- هل سأراه مرة أخرى؟
- ربما نعم... وربما لا... الله وحده يعلم.
- لقد حدث ما أخبرتني به أيها الحكيم، كان طوق نجاة لي..
سالت دموعها وسط صمت الجميع، لم يجدوا من الكلمات ما يواسونها به، لم تفلح في إخفاء مشاعرها، الآن بدأت "قطرة الدمع" تحلق فوق رؤوسهم، تريد أن تعيد "مرام" لعالمها. رفعت "مرام" رأسها بوجه أغرقته الدموع، ثم كفكفت دموعها وركضت نحو "الحوراء" وأمسكت بثوبها وقالت تترجاها والدموع تملأ عينيها:
- أرجوك يا مولاتي حققي لي ما وعدتني به، ألم تعديني بتحقيق ما أطلبه منك بعد انتهاء مهمتي هنا؟
- بلى
- الآن...حققي لي طلبي.
انحنت "الحوراء" وأمسكت بيديها وساعدتها على النهوض وقالت لها بحنان:
- وما هو طلبك يا ابنتي؟
- ستحققينه مهما كان؟
- بالتأكيد أنت تعلمين أنني عندما أعد لا أخلف الوعد يا ابنتي.
- أريد حق التدوين.
- ماذا !!
اقتربت " َمرام" من "الحوراء" وهمست لها:
- نعم، أنت الوحيدة التي يسمع لها الصقور، وتسمع لها الحروف، أريد أن أكتب نهاية قصتنا، لم أتوقع أن أحب "أنس"، ظننت الأمر أبسط لكنني لا أملك قلبي الآن ولم أتمكن من حجب حبه عنه، لقد ابتليت بحبه.
طالعتها "الحوراء" بإشفاق وقالت:
- عودي يا ابنتي لبيتك، ربما تلتقين به يوما ما.
- قبل أن أعود... لا بد أن يكون هنا كتاب يحكي قصتنا، ينتهي بلقاء!
أرجوك، اسمحي لي بالتدوين.
- ماذا تقولين!!
- نعم، ولن تحتاجوا إلى استدعاء محارب، فهي مجرد قصة ستقرأ يوما ما...
- عن ماذا؟
- عني وعن "أنس"، عن الحب الذي يعيش طاهرا حتى اللحظة الأخيرة وإن لم يلتق الحبيبان.
- ولكن يا " َمرام" ..
- أرجوك يا مولاتي ارفقي بقلبي واطلبي من الصقور وحراس المكتبة أن يسمحوا لي.
نقلت "الحوراء" نظراتها لأبيها "سامي كول" واقتربت منه وأمسكت بيده، فسحب كفه من بين يديها برفق ونكس رأسه، لم ينبس ببنت شفة، أدركت أنه يحيل القرار لها وحدها، بدا َ عليها الارتباك الشديد، مرت الأحداث أمام عينيها تتوالى، كل ما قدمته "مرام" وقدمه "أنس" للمكتبة، سارت عدة خطوات تتبعها نظرات الجميع، ثم ارتقت فوق درجات السلم المؤدي لبوابة قصرها ورفعت صوتها قائلة لتفاجئ الجميع بقرارات متوالية:
- أيها الجمع الكريم الطيب، كنت أخطط لتلك اللحظة، أفكر فيها وأرتب لها، لكنني لم أتخيل أنها ستكون الآن...
صمتت هنيهة والكل يترقب ُثم أردفت قائلة:
- حان وقت انتقال الحكم لولدي الأكبر والذي ظل لفترة طويلة بين صفوف "المغاتير" ساعيا لخدمتكم لا يطلب مجدا ولا شهرة، فاسمحوا لي بإلباسه التاج، فأنا على وشك القيام بأمر جلل.
رفعت "الحوراء" كفيها وخلعت التاج عن رأسها، وتقدمت تجــــــــاه "الزاجـــــــــل الأزرق" ووضعته على رأسه وسحبت غطاء وجهه لينكشف أمام الجميع، كان مرتبكا ذاك الحد ا ّلذي عقد لسانه وجعله يقف صامتا أمام نظرات عيني أمه التي ترجمت كل شيء، كل الحب ً، كل التقدير، كل الفخر به.
اندفع بمشاعر الابن التي كان يخفيها دائما أمام الجميع وقبل يد أمه بإجلال ثم عانقها، فقد اعتاد وأمه على التعامل بشكل رسمي أمامهم حيث كان يصر على إخفاء هويته ليفعل الخير ويساعد الناس دون أن ينال منهم شكرا ولا جزاء على فعله، سالت دمعة من عيني "الحوراء" وهي تضع كفها على خده وتتأمله وكأنها تملي عينيها منه، تصافح كل التفاصيل الصغيرة بمقلتيها!
تحرك الموكب والكل في ذهول مما حدث، أصبح لديهم ملك جديد!، حتى "سامي كول" لم يجد كلمات يعبر بها عما يعتمل بصدره من مشاعر، سارت "الحوراء" نحو الغابة، يبدو أنها سترسل "مرام" لحراس المكتبة، تحرك الموكب تكلله الهيبة، وصلوا للحدود حيث وقفت "الحوراء" وهي تمسك بيد "مرام" أمام الفاصل الحجري بين أرض مملكتها والغابة، التفتت ولوحت لشعبها الذي كان يهتف باسمها، فاجأتهم ورفعت طرف ثوبها وتخطُت الحاجز الحجري ومشت خطوة واحدة ووقفت تتأرجح على أرض الغابة ثم ندت منها صيحة فزع، لقد أظلمت الدنيا في عينيها فجأة، فقدت "الحوراء" بصرها للأبد، صرخ "الزاجل الازرق":
- لماذا يا أمي؟!!
أدرك الآن أن أمه دخلت الغابة بإرادتها وهي تعلم أنها ستفقد بصرها للأبد لتلتقي بكبار الصقور وتتحدث إليهم، ولتنقل رياح الغابة كلماتها للحروف فوق الجبل الأحمر، ولحراس المكتبة الأجلاء، وأدرك أيضا أنها لن تتراجع عن قرارها وأنه لن يستطيع الدخول معها للغابة.
ارتفع صوت أبيها "سامي كول" وهو يقول مثبتا إياها:
- رعاك الله يا ابنتي، هذا عهدي بك، لابد من تضحية لأجل المحاربين، هذا دين وستسددينه عنا.
ُثم همس لحفيده "الزاجل الأزرق" الذي اقترب وعيناه تراقبان أ ّمه وهي تبتعد:
كان "أنس" طوق النجاة لـ" َمرام" عندما أنقذها من الموت، وستكون طوق النجاة لقلبه.
مضت "الحوراء" في الغابة تسحبها " َمرام" وهي تبكي، كانت تظن أن الملكة ستستدعي الصقور ربما أو ترسلها إلى مكان ما، لكنها لم تتخيل أنها ستدخل معها الغابة بنفسها!
لم تتمن " َمرام" أن يحدث هذا، لكنه القدر!
❐❐❐
أوراق الأشجار المتساقطة تدور وكأّن هناك من يتلاعب بها، الأشجار تهتز وكأن هناك صاعقة تضربها، الرياح تهب من هنا وهناك، الغابة ترتج، وهناك من يهمسون.. "الملكة في الغابة.. الملكة في الغابة" حتى الفراشات التي كانت تغطي جذوع الأشجار في سكون طارت وحلقت فجأة... "وووووو...وووو"... دوي مخيف يصدر من الأكواخ وكأن وحوشا تسكنها، أظلمت فجأة! ثم عبر شعاع الشمس فشق الضباب فسقطت خيوط ذهبية وتقاطعت على الأرض أمام "مرام"، كانت "الحوراء" تتخبط وتتعثر، قالت بارتباك:
- لم أدرك قدر نعمة البصر إ لا الآن! سبحان الله!
- سامحيني يا مولاتي.
- لا عليك يا " َمرام"، كان لا بد من هذا، كنت أعلم أنني سأدخل الغابة يوما ما، لكنني لم أعلم متى بالتحديد، حتى أنني كنت أربط عيني من آن لآخر وأسير في غرفات القصر.. كنت أستعد!
- تستعدين لماذا؟
- هكذا تمضي الأمور، عند انتقال الحكم لا بــــّد من الخـــــــــــــروج من نطــــــــــــــاق المملكة و دخول الغابة، مرحلة جديدة تبدأ، وملك جديد يتو ّلى الحكم. فقد أبي بصره هو الآخر عندما دخل إلى الغابة، ألبسني التاج قبل أن يدخلها بإرادته، من أجل محارب قديم، ضحى من أجله هو الآخر..
- أتعلمين يا جلالة الملكة.. كنت أظنه يرى، فهو يحرك عينيه ويطالع من يحدثه وكأنه يراه!
- هكذا يظن الكثيرون، لأنه أيضا يسير وحده بدون مساعدة، فهو يحفظ كل شبر بالمملكة.
- إ ّنه رجل عظيم.
- نعم يا ابنتي، هو رجل عظيم وأب رائع، وكان ملكا عظيما أيضا، إن كان فقد بصره فهو لم يفقد بصيرته.
هبت رياح قوية أطارت أوراق الأشجار المتساقطة على الأرض وأطاحت والأغصان الصغيرة فوق سطح مياة النهر الأخضر حيث كانت "الحوراء" تسير مع "مرام"، ظهرت "ناردين" فجأة ووقفت وهي تستند على عكازها، همست بكلمات لم تفهمها "مرام" فإذا بالحوراء تبتسم وتضغط على يدها وتقول بحماس:
- "ناردين"؟ أهذا أنت؟
طالعتها العجوز وقالت بإجلال:
- نعم يا مولاتي، هي أنا... العجوز الوحيدة في الغابة.
- كم كنت أتمنى أن ألقاك.
- وها نحن ذا.. نلتقي أخيرا.
أحنت الملكة رأسها وقالت بخفوت:
- ليتني أرى وجهك.
- لقد فات الأوان يا مولاتي.
- نعم... لقد فات الأوان.
- لماذا دخلت الغابة؟
- من أجل " َمرام..." طلبت حق التدوين، تريد أن تكتب قصة حبها.
التفتت "ناردين" إلى " َمرام" وقالت:
- ولكن نهايتها مؤلمة يا " َمرام"!
زفرت " َمرام" بقهر ولم تتكلم، استدارت "ناردين" وضربت الأرض بعكازها فارتجت الغابة واهتزت أشجارها وأسقط المزيد من أوراقها على الأرض، من بعيد ومن خلف الجبل الأحمر أطلت كوكبة من الصقور يحلقون في نظام بديع، كان هناك صقر كبير يتقدمهم بينما يصطف خلفه الصقور على التوازي في خطوط تزداد طولا وعددا وكأنهم جيش كبير، اقتربوا تجللهم الهيبة وحلقوا للحظات قبل أن يهبطوا على الأرض الفسيحة أمام "ناردين"، وقفوا بنظام كما كانوا يطيرون بنظام، ضموا أجنحتهم إلى أجسادهم ووقفوا برؤوس شامخة ينظرون تجاه الملكة "الحوراء"، ارتجفت "مرام" وجالت خلال الصفوف تبحث عن قطرة الدمع، اطمأنت أخيرا عندما استقرت عيناها عليها وقد عرفتها من لون ريش رأسها المميز، استدارت "ناردين" ووجهت حديثها إلى المملكة وقالت:
- تفضلي يا مولاتي.
خطت "الحوراء" خطوة للأمام، وبدأت تتحدث بإيجاز، ألقت التحية على الصقور، ذكرت أسماء بعضهم ممن قضوا نحبهم خلال سنوات مضت، ذكرتهم بأحداث جليلة، تحدثت عن أبيها، وعن الكتب التي تتحدث عن النور، والخير، والحب، والصدق، والفضيلة. عن الحروف والكلمات، وعن قيمة ما ُيكتب ويقرأ، كانت الصقور تنصت إليها في صمت بليغ، لم يتحرك أحد منهم، ولم يرف لهم جناح، إلا عندما ذكرت "القرناس"، وكيف كان سيقضي على "أنس" لولا "الرمادي" الذي أنقذ حياته فحينها أصدروا غمغمات تشي بغضبهم منه، سألت عن "الرمادي" فأسرعت "ناردين" تنفي وجوده، لم يعد بعد!، نكست "الحوراء" رأسها حزنا عندما تذكرت كيف رحل "أنس" دون وداع يليق به، طلبت أخيرا من الصقور أن يساعدوا " َمرام" لتقوم بكتابة قصة حبها على الورق، مرت لحظة صمت مهيبة قبل أن يبسط أكبر الصقــــــــور جناحيه ُثم يقترب من الملكة التي انحنت على " َمرام" وقالت لها:
- الآن يا " َمرام"
- الآن ماذا؟
- سيحملك هذا الصقر إلى المكتبة العظمى حيث ستكتبين ما يريح قلبك
- ولكن...
شعرت " َمرام" بالخوف، كادت تتراجع لولا "القرناس" الذي ظهر فجأة ونقر كبير الصقور بين عينيه، تراجعت الصقور وأفسحوا المجال لزعيمهم ليقاتل "القرناس"، انقض كلاهما على الآخر في معركة شرسة، شكلت الصقور دائرة حولهم فغاب المشهد عن "مرام" التي كانت تمسك بيد الملكة ومعهما العجوز"ناردين"، ابتعد الثلاثة وسارا نحو الكوخ، لا بد من الاحتماء به حتى تنتهي المعركة، من الخلف ظهرت "نبرة" وفي يدها خنجر غريب يبرق حده كاللجين، كان "القرناس" قد حملها إلى الغابة وتركها خلف الأشجار، انقضت على "مرام" وأسقطتها أرضا وكادت تغرز الخنجر في قلبها وهي تقول:
- إن لم يكن "أنس" يوما لي، فلن يكون يو ًما لك.
ثم أطلقت صرخة غضب عالية وهي ترفع يدها للأعلى لكي تهوي بالخنجر وتثقب قلب "مرام"، في تلك اللحظة انقضت بومتها عليها وغرزت مخالبها في عينيها فسقط الخنجر من يدها واستمر صراخها وهي تركض في الغابة حتى سقطت في اًلنهر الأخضر الذي ً استحال سوادا، ثم عاد لونه الزمردي بعد أن أحدث فورانا وكأنه يبتلع شيئا ما، حلقت البومة البيضاء التي طالما كانت "نبرة" ترى بعينيها فوق النهر حتى تأكدت أن "نبرة" غرقت فيه، لم تنس تلك البومة أبدا عندما خنقت "نبرة" صغارها في العش لأنها انشغلت بهم ولم تحلق ليال لأيام جعلتها لا تتمكن من متابعة تحركات "أنس"، كرهت تلك اللحظة التي قهرتها فيها "نبرة" على صغارها ولم تنسها أبدا، عادت حيث كانت "مرام" ورمقتها بنظرة تعني الكثير، ثم حطت على رأس "الحوراء" التي صاحت:
- ما هذا! ما الذي يحدث! اتركوني اتركوني.
أسرعت " َمرام" تجاه "الحوراء" محاولة إزاحة البومة عن رأسها، لكن "ناردين" منعتها بعكازها الذي مدته أمام صدر "مرام" وهي تتقدم وقالت لها:
- لا...اتركيها!
اهتزت البومة وبسطت جناحيها الأبيضين وغطت عيني "الحوراء" بهما ُثم أغمضت عينيها هي الأخرى للحظات ونزلت لتستقر على كتف "الحوراء" التي كانت في غاية الارتباك بينما وبشكل سريع انتشرت على أطراف جناحيها تموجات رفيعة باللون اللازوردي الفتان أظهرت بياض لونها بقوة وزادتها تألقا وجمالا، وفجأة! صرخت "الحوراء":
- ما هذا! أنا أرى!! عاد بصري..!! عاد بصري!!
تهلل وجه "ناردين" واقتربت منها ُثم قالت:
- بل منحتك البومة هدية، أنت ترين الآن بعينيها كما كان يحدث مع "نبرة" الهالكة، ستصحبك البومة وستكون دليلك يا مولاتي.
التفتت "الحوراء" تجاه البومة وتأملت لونها الرائع وابتسمت، كان بياضها يحاكي روح "الحوراء" النقية، قالت "الحوراء" وقد بدا التأثر عليها:
- سأسميها "الشهباء"، كم هي جميلة!
انتفض الثالثة عندما قعقع الرعد في السماء، رياح قوّية هبت عليهم وتناهى إلى سمعهم غقغقة أحد الصقور... كان "القرناس" يلفظ أنفاسه الأخيرة، بينما يستعد الجميع للتحليق مرة أخرى خلف زعيمهم الذي اقترب من "مرام" وما زالت الدماء تقطر من منقاره، ودون أن يسأل الحوراء حمل "مرام" من كتفيها وانطلق بها وخلفه الصقور في صفوف، اشتدت الرياح، ندف شلجية صغيرة تتطاير في كل صوب، كانت "ناردين" تصيح وتلوح لها:
- لا تخافي يا " َمرام" أنت في أمان.
كانت تحمل حقيبة "أنس" حيث أخفت خنجره، وما تبقى من الحبر في الزجاجة الزرقاء التي استخدمتها "ناردين" في علاج جرح "كلودة"، وصلت أخيرا و ُفتحت لها الأبواب، وانتقلت مع كبير حراس الكتب إلى ديوان الكتابة حيث تستطيع كتابة قصتها مع "أنس" بنهاية ترضيها، بينما يسيران تجاه ديوان الكتابة، وفي أحد الممرات التي دخلها "أنس" من قبل، توقف كبير الحراس وكان يشعر بمعاناتها وقال متأثرا:
- ذاك باب الغرفة الخاصة بكتاب "إيكادولي".
توقفت " َمرام" أمامه، أرادت أن تدخل وترى الكتاب، حاولت أن تفتح الباب فلم تتمكن.
اقترب منها كبير الحراس وقال بهدوء:
- هذا الباب لا ُيفتح إلا بمفتاح خاص، وذاك المفتاح كان مع "أنس"، وقبله والده، وقبلهما جده، فهل المفتاح معك؟
فتشت " َمرام" في الحقيبة فلم تجد المفتاح وأسقط في يدها وشعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها، سالت دموعها، ما عادت تقوى على الكلام، طن من المشاعر ُ الجريحة يقبع بين ضلوعها الضعيفة.... وفجأة ! ، صدر دوي مكتوم، ثم فتح لها باب الغرفة على مصراعيه! بلا مفتاح! كست وجه كبير الحراس ابتسامة ًواسعة، وهز رأسه يشجعها على الدخول، دخلت تهرول يسبقها قلبها مهرولا على درج الذكريات، كل لحظة مرت والتقت فيها بـ"أنس" أو تحدثت إليه فيها تتجدد الآن! شعور باُلحنين يغمرها، أجفلت عندما نشر كتاب "إيكادولي" صفحاته ّ أمام عينيها ثم بدأت تقرأ كل شيء، كل تلك التفاصيل الصغيرة التي مرت بهما، دارت الصفحات حولها وغمرها شعور بالسكينة ، قرأتها وهي تبكي، سقطت الصفحة الأخيرة أمامها على الطاولة، أسرعت نحوها وأخرجت زجاجة الحبر من حقيبة "أنس" بيد ترتجف، تلفتت حولها بحيرة، كانت ً تبحث عن شيء ما تغمسه في تلك الزجاجة وتكتب به، أرادت أن تنقش شيئا هاما على تلك الورقة، ربما لقاء أخير لهما وإن لم يكن، أو ربما نهاية سعيدة كانت تتمناها، وأخيرا ُرفعت الصفحة الأخيرة أمام عينيها وارتفعت في الهواء بعيدا عنها فانخلع قلبها ومدت يدها محاولة أن تجذبها لكنها لم تتمكن، كانت تظن أنها ستكتب نهاية لتلك القصة التي عاشتها، لكنها لم تقدر، فلن نكتب أبدا أقدارنا!!
وبينما تبكي... شعرت بأنفاس دافئة قريبة من وجهها فأجفلت فهي وحدها في تلك الغرفة! همس بصوت عذب تردد في أذنيها!
إنه كتاب "إيكادولي" الذي كان يخبرها بشيء ما!!
❐❐❐
في الغابة، التفتت "ناردين" تجاه الملكة التي كانت تراها بعيني بومتها "الشهباء"، ابتسمت لها "الحوراء"، وأخيرا رأت وجهها وملامحها، عانقتها بحرارة وسارت معها، صعدت العجوز التلة وجلست على الدرج الحجري فجلست الملكة "الحوراء" بجوارها ثم قالت وعلى وجهها ابتسامة مشرقة:
- أظن أّن " َمرام" ستحسن كتابة نهاية سعيدة.
- مسكينة، تظن أنها تستطيع كتابة النهاية بنفسها، لكنها ستفيق بعد مرور الصدمة، ولست قلقة عليها، فهي فتاة عاقلة ومؤمنة، تعلم أن أمرهما بيد الله وحده.
قالت "ناردين" بتعجب:
- ألن تكتب هي النهاية؟
- لا !
- إذن فلم طلبت حق التدوين؟
- أنسيت يا "ناردين" أن كل هذا مكتوب في رواية!! كان لا بد أن تطلب "مرام" حق التدوين لتذهب إلى هناك لسبب ما ربما لا أعرفه أنا ولا أنت.
- صحيح.. نسيت.. عموما، لا تزال لقصتهما بقية... فالستار لم يسدل بعد.
لكزتها "الحوراء" في ذراعها وقالت:
- نحن النساء نفضل النهايات السعيدة، أليس كذلك؟
- نعم، فأنا لا أفضل النهايات المفتوحة، أرأيت كيف أصبحت نهاية قصة "كلودة" و "أشريا"؟
صفقت "الحوراء" وقالت مبتهجة:
- نعم.. لم تمت "أشريا" بل خرجت من الغابة، والآن يعيش الزوجان في سعادة.
رفعت "ناردين" عينيها وكأنها تقتنص فكرة ُثم قالت:
- لكنني ... وددت أن يتزوج " ُكومبو" من فتاة جميلة، ويسمن قليلا حتى يناسبه اسمه! ربما في مرة قادمة، أليس كذلك؟
- لا ولم ؟
- والآن... تعالي لنهمس بقصة "أنس" و " َمرام" حتى ُنسمع الجميع.
- هيا.... فلنبدأ.
بدأت العجوز "ناردين" تهمس و خلفها "الحوراء" تردد الكلمات... سمعتهما الرياح وحملت أصواتهما هنا وهناك، وتناقلت أجواء الكون قصة حب عفيف طاهر،...
يحكى أنه كان هناك شاب مليح الوجه له عينان بندقيتان وحاجبان كثيفان على وشك الالتحام يرى كل ليلة كابوسا مزعجا و ....
❐❐❐
في اليوم التالي ليوم لقائه بـ"شهاب" في القاهرة، وبعد ليلة لم ينم فيها ووصل سهده بتهجده وهمس بالدعاء، وعلى شاطئ البحر في الإسكندرية، بعد أن تذكر وسط يأسه وحزنه أنه كان قد اتفق مع "مرام" على مكان للقاء، فلمع في نفسه بصيص أمل وظل يفسح له حتى ملأ الضياء جوانب نفسه فأسرع مهرولا تجاه المكان الذي اتفقا عليه منذ طلوع فجر ذلك اليوم، كان يقف ساهما يراقب الساعة من آن لآخر، وكلما مرت دقيقة كان يشعر بالاختناق وكأنه على وشك الغرق، كان ينتظر طوق النجاة لقلبه، يرجو أن يراها مرة أخرى، ارتج كيانه وهو يسمع صوتا أنثويا رفيقا ولطيفا خلف أذنه يناديه:
- "أنس"؟ أهو أنت؟!
شعر بوجيب في قلبه عندما سمع صوتها، التفت مرتبكا فإذا بــــهـــــــا خلفــــــــــــه بقامتها القصيرة وجسدها الرقيق وملامحها البريئة، وعينيها الرائعتين، مخبوءة في شعاع نوراني من حيائها الجميل... إ ّنها " َمرام"!!
صاح بحماس غير مبال بالتفات المارة إليه:
- يا إلهي ..."َمرام" !
طالعها بنظرة بث فيها كل ما بقلبه من أشواق، رفعت كفها في الهواء فظهرت آثار الحبال المجدولة عليه، ما زال الجرح يحرقها، رفع "أنس" هو الآخر يده ليريها آثار الحبال على كفه وذراعه، وكأن كلاهما يريد أن يثبت للآخر أنه هو. بدا عليهما الارتباك الممزوج بالسعادة، لمعت دمعة طاهرة في عينها كنجمة قطب ثم نفرت من جفنها وسالت على خدها برفق، رفعت عينيها الشهلاوين وعليهما آثار التعب وقالت:
- ظننتك مجرد شخصية في رواية، هكذا أخبرتني أمي...
مرت لحظة صمت لطيف قال بعدها:
- كيف عدت إلى هنا؟
- أمر الملك الجديد "قطرة الدمع" بإعادتي.
- ملك جديد!
- تخلت "الحوراء" عن عرشها لابنها.
- "الزاجل الازرق"!
- وهل كنت تعرف أنه ابنها؟
- بل عرفت عندما أتيت إلى هنا، سأخبرك لاحقا، يبدو أن كلانا لديه ما يحكيه للآخر، المهم أننا التقينا، وهذا من فضل الله، كنت على يقين أنني
سأجدك هنا... وثقت بربي.
قالت وهي تشعر أن كيانها يختلج:
- أتدري، همس لي "إيكادولي" يذ ّكرني بالمكان والموعد الذي اتفقنا أن نلتقي فيه يوما إن افترقنا..أرجوك لا تختفي مرة أخرى...
- وإن حدث... سأبحث عنك حتى أجدك، كوني على ثقة من هذا.
انزوت على ثغرها ابتسامة وقالت وهي تشيح بعينيها بعيدا عنه:
- أثق بهذا.
ثم قالت باهتمام شديد:
- "أنس"، عندما كنا فوق قمة الجبل أخبرتني أن أذكرك بشيء ما تود أن تخبرني به، فهل ما زلت تذكر هذا الأمر الهام؟
- بالطبع أذكره، وكيف أنساه!
- وما هو؟
أومضت حفنة من النجوم في عينيه البندقيتين وقال:
- هل تقبلين الزواج مني؟
لم تنطق " َمرام" بكلمة، كانت الدموع تنهمر على وجنتيها مختلطة بماء المطر الذي بدأ يهطل برقة وعذوبة، غمرتها حمرة الخجل، ُثم همهمت موافقة بصوت خفيض، شعر "أنس" بالفرحة تموج في صدره، كست وجهه ابتسامة واسعة فأشرقت عيناه، كان يتأرجح في مكانه وكأن صاعقة أصابته فجأة..
اختبأ قرص الشمس خلف سحابة هشة وبدأ المطر الهتون يسقط عليهما، دس "أنس" يديه في جيبي سترته وسألها عن الساعة وهي التي كانت خارج نطاق الزمان والمكان، ُثم قال بحماس:
- فلنذهب الآن للقاء والدتك..
ردت مشرقة:
- حسنا أيها المحارب.
قهقه "أنس" وفتح ذراعيه ثم رفع رأسه يستقبل زخات المطر على وجهه الذي أضاءه الحب، بدأ يغني بصوت تنضج منه البهجة و في لحن جميل كان يردد أغنية طالما رددها "كلودة" و "كومبو"، كانت بدايتها كلمة واحدة محببة لقلبه... "إيكادولي.... إيكادولي"
غضنت " َمرام" حاجبيها وقالت بغضب ممزوج بالخجل:
- مهلا مهلا... ليس الآن!
ُثم هرولت أمامه في خجل ورفعت يدها لتستوقف سيارة أجرة تقلهما للقاء أمها بينما كان يلاحقها معتذرا وهو يقول:
- كنت أغنيها فقط...لم أقصد أن... يا "مرام" لقد فهمتني خطأ.. أأقصد .. هذا بالفعل ما أشعر به.. سامحيني.
- "ليس الآن... ليس الآن"
قالتها وهي تهرب بعينيها منه...
بعد سنوات، وحيث حملت الأيام ثلاث بشريات لـ"شهاب" وزوجته، ونثرت الكثير من السعادة على " َمرام" و "أنس"، وفي بيت الجد، وبينما في بقعة أخرى من مكان آخر كان هناك شاب لطيف وواسع الخيال يجلس في غرفته ويقرض أظافر يده اليسرى ويتمتم وهو يكتب آخر جملة في روايته الجديدة.. كانت الكتب تدور في مكتبة الجد بالفيوم حول "حبيبة" شقيقة "أنس"، والتي كادت تفقد الوعي عندما سقطت الكتب فجأة على أرض الغرفة مخلفة حولها سحابة من الغبار حيث أصدر سقوطها دوًّيا مهيبا، كان هناك كتاب واحد فقط بقي مفتوحا أمامها، كانت ترتجف وهي تحملق في الصفحات وهي تتقلب وحدها أمام عينيها وكأن هناك شبحا يعبث فيها، اقتربت بحذر من الكتاب،
رأت صورتها ُترسم على الصفحة، ُثم بلون أحمر كرزي رأت رمزا غريبا ُيكتب بوضوح!
⇐¦النهاية¦⇒
لتحميل كتاب PDF اضغط هنــــا
لتحميل تطبيق مشغل PDF اضغط هنـــا
✍حقوق الطبع و النشر خاص بمدونة الأقلام الذهبية©
إذا كان لديك قصه و تريد مني نشرها قم مراسلتي على تطبيق واتساب اضغط هنـــا
تعليقات
إرسال تعليق
إذا كان لدي أي تعليق اكتبه في الاسفل