رواية ايكادولي 14 - د حنان لاشين



بكلمات مقتضبة تحدث "حليم" حيث كانت دماء " ِكمشاق" لا تزال على سيفه، لم يجرؤ أحد أن يناقشه، فقد كان قوي الشكيمة، حتى نقطة ضعفه الوحيدة - وهي حبه لـ"نبرة"- تلاشت عندما تبعثر تلك الليلة التي اقتحمت فيها "أونتي"  الحفل  وتحدثت  معه  بكل  أريحية  وصراحة، وأخبرته بقصتها مع "كلودة" وكيف كانت تحبه لكنها الآن تشعر وكأنه شبح عديم الملامح مر بها، كانت تدرك أنها ركضت خلف شهوة، نعم، لقد أطلقت العنان لجسدها ليمتطي روحها وكانت تتصرف كالحيوانات، وها هي نادمة َ، فالحب لا يأتي بالتوسل.  أنصت  إليها  وتأمل  حال نفسه وما يراه من "نبرة" من إهانات متوالية، وهي تنفر منه وتهينه وتقاومه، قرر أن يخرجها من قلبه، وكان لكلمات "أونتي" وقع عظيم في نفسه.

تقدم "أنس" ووجه الكلام إليه بإجلال أمام الجميع ليثبت أركان ملكه الجديد، وطلب منه ما وعده به مسبقا:

- جلالة الملك "حليم".

هز "حليم" رأسه وفي عينيه نظرة امتنان على تلك اللمحة التي تركت أثرا على حاشية الملك البائد "كمشاق"، وأصدر الأمر لجنوده ليفتشوا القصر بحثا عن "مرام"، كانت "أونتي" تنتحب في غرفتها وتبكي شقيقها "ِكمشاق"، وكانت تخشى ما هو قادم. أخبرتهم أن المسكينة "مرام" الآن بين يدي أختها "نبرة" وهي في طريقها لتلقي بها من فوق الجبل الأحمر. كان "حليم" يقف بإجلال أمامها، أراد أن يشرح لها سبب قتله له، والذي صحبه "أنس" خلال فجوة ليكشفه له، ففوجئ بها تعرف السبب! فقد أسرت لها أمها به قبل أن تموت، ران عليهما صمت طويل وحولهما بعض المقربين،

توقفت عنّ البكاء، وأخبرته أنها سترحل وتترك القصر فرفض بشدة، وخيرها بين أن تظل في القصر معززة مكرمة، أو أن تختار مكانا قريبا ليأمر ببناء قصر جديد يليق بها وتكون تحت رعايته، كانت حائرة ومكلومة فلم تجبه، فتركها لتهدأ، وأمر حراسه بألا يتركوها تغادر القصر، وانصرف وقد بدأ يحمل لها في قلبه من المشاعر ما قد يغير مصيرهما يوما ما!

❐❐❐

حرك "أنس" خنجره في الهواء وشعر وكأنه يشق به صدره وردد بصوت مرتعش:

- قمة الجبل الأحمر.

انبثقت الفجوة وكان يتعجل ظهورها ودقات قلبه تتواثب، كان يخشى أن يصل فيراها صريعة وقد فارقت الحياة، كان قلبه ينتفض بين ضلوعه وهو يقفز في الفجوة ليصل إلى هناك، حيث كانت "نبرة" تقف وقد انحنت تكتب نهاّية قصتين، أنهت أولهما بموت المحب "كلودة" الذي كان يعشق "أ َشريا" لكنه أخطأ وفطر قلب أختها، وكادت تنهي الأخرى بموت "مرام"، كانت "مرام" مقيدة من يديها بحبل طويل، أوقفها  رجال "نبرة" على حافة الجبل الذي غطى الجليد قمته، وتحلقت فوقه سحب حمراء، قيل إنها من دماء المحاربين الذين قتلوا ظلما من قبل، على مر السنين، ولم يسمع بهم أحد، كانت "مرام" تحدق في السحب وعليها سكينة عجيبة! وكأن روحها قد سقيت صبرا وثباتا  حتى رضيت واطمأنت.

أما "أنس" فكان يقترب في وجل وحرص شديدين وهو يراقبها ويتلفت ويراقب "نبرة" وهي تكتب، كان الحراس على مسافة  بعيدة منها، يحمون ظهرها و يراقبون الطريق، ووقفوا في حالة ا َستعداد لصد أي هجوم جديد، حاول "أنس" أن يتخطى "نبرة" ليقترب من "مرام" وينقذها، لكنها انتفضت وشعرت به، فأسرعت وركلت "مرام" من ظهرها فسقطت من فوق قمة الجبل وهي تصرخ، انطلق "أنس" يركض نحو حافة القمة وأغمض عينيه وقفز فحلق كما أخبرته "مرام" من قبل..أن المحاربين وحدهم يستطيعون التحليق كالصقور حول الجبل وفي نطاق الغابة، لكنها لم تجرؤ يوما على فعلها، ولأنها فقدت مميزاتها  كمحاربة  منذ  عادت  ودخلت  الغابة  لتتبع "أنس" لم تتمكن من التحليق مثله، كانت تهوي بسرعة شديدة نحو القاع، تذكر "أنس" ما أخبرته به عن "قطرة الدمع"، فضم يديه إلى جنبيه وألصق ساقيه ببعضهما وانطلق بسرعة شديدة وسبقها لثقل وزنه عنها ثم بحركة خاطفة التقطها من الحبل الذي قيدتها به "نبرة"، شقهت عندما شعرت أن هناك من يجذبها وكانت قد أغمضت عينيها بعد أن نطقت بالشهادتين تنتظر الموت والفناء، فتحت عينيها فوجدت  نفسها  معلقة  في الهواء، رفعت رأسها فرأت "أنس" وهو يمسك بالحبل ويرتفع ويرتقي ويحلق وكأنه صقر يطير بجناحين، صعد بها شيئا فشيئا وكان يتعجب من قدرته على الانتقال من طبقة لأخرى في الهواء، حتى شعر أنه

يستطيع أن يثبت نفسه معلقا كما تفعل الطيور في الهواء، فعلها للحظات وثبت ونظر إلى معصمها فإذا بالحبل ينغرس في لحمها يكاد يذبح يديها، وكذا كان أثره مؤلما في يده، بدأ يسحب الحبل ليمسك يديها فتأرجحت وكاد الحبل ينفلت  من  يده  فشخصت  نحوه  وصرخت  صرخة انخلع لها قلبه، شدد قبضته على الحبل وأسرع  يرفعها حتى وصلا لبروز حجري عريض قرب قمة الجبل تعلوه ندف السحاب الأحمر التي تشكل تلك الحلقة الحمراء، رنا إليها بإشفاق وهو يتحسس يده وذراعه حيث كان يلف عليها الحبل، كانت تحرقه بشدة وتوجعه ً، وكذلك يداها، أجهشت "مرام" بالبكاء، قال "أنس" وصوته يقطر حنانا وحبا:

- ذكريني بعد أن ينتهي كل شيء أن أخبرك بشيء ما، شيء يهمنا معا... ذكريني يا "مرام".

بلا كلام، وفي مساحة من الزمنً لم ُتحسب، وفي عالم عجيب لم يعرفا موقعه لكنه احتل من قلبيهما مكانا قصيا، كان قلبه وقلبها متناغمين في الدقات، فكل دقة في صدرها صداها قوي في صدره، كانت روحه وروحها منسجمتين بلا عناق، نفس..وأخرى تريد أن تسكن إليها، لكنهما يتعففان رغم كونهما على حافة جبل حيث لا تراهما عيون الناس، لكنهما على يقين أن رب الناس يراهما.

أخرج خنجره وحركه في الهواء وانتقلت قبله " َمرام" إلى الغابة وتبعها خوفا عليها، لم يحب أن يتركها وحيدة مرة أخرى، في تلك اللحظة الخفيفة

فور اختفائها داخل الفجوة أمامه بدت وكأنها فجوة تفصل شطري حياته،

كان يحبها حبا نقيا ملائكيا، وأمام  كوخ العجوز "ناردين" كان "كلودة" قد برأ وكأنه لم يصب بسهم من قبل، أعاده "أنس" لعروسه وداره، وأعاد "كومبو" إلى أمه، ونقل "المغاتير" إلى قصر "الحوراء" مع "مرام"، ثم عاد للغابة ليرد للعجوز "ناردين" عكازها الذي تتكئ عليه، كان الغصن يحن إليها كما كانت هي تحن إليه! وقف "أنس" أمامها وقال بعد أن حياها وشكرها:

- ها هو عكازك يا أمي.

احتضنت العجوز عكازها وكأ ّن عزيزا كان غائبا ورد إليها، قربته من أذنها وبدت وكأنها تنصت لشيء ما، ثم رفعت عينيها تجاه وجه "أنس"

وقالت:

- كنت أعلم أ ّنه سيحبك يا "أنس"، لم يخب ظني بك، منذ اللحظة الأولى وأنا أشعر أنك شاب نقي.

ابتسم "أنس" ووضع يده على كتفها وقال بحنان بليغ:

- والآن يا أمي، هل ستقبلين هديتي؟

- أي هدية!

- رحلة .

- إلى أين؟!

- مفاجأة!

- أخبرني أرجوك، فأشجار الغابة لن تسمح لي بالرحيل أبدا.

- حتى من الفجوات التي أحدثها بخنجري؟

- سيسحبونني منها يا ولدي.... سيرفضون.

رفع "أنس" صوته وكأ ّنه يود أن تسمعه كل أشجار الغابة وقال:

- سأنقلك إلى بيتك.. إلى ولدك يا أمي.. فأنت تشتاقين لرؤيته وقلبك يتوجع.

اهتزت أشجار الغابة وعال همسها وضجيجها حتى أن "ناردين" رفعت يديها على أذنيها وهي تسأله:

- وكيف عرفت عنوانه!

- سألت أنا و "كومبو" وأخيرا وصلنا إلى ولدك الحبيب ولقد رأيته يقف أمام داره ويلاعب أبناءه، كم هم رائعون!

شعرت العجوز بارتباك شديد، كانت مشاعرها تتأرجح بين شوقها لرؤية ابنها وبين خوفها من أن يكون قد أقر ما فعلته زوجته، كانت تخشى أن

تكشف النقاب عن الحقيقة، فهي لم تسمع أي خبر عن أنه جاء ليبحث عنها، حتى عندما تخبرها أشجار ونباتات الغابة عن دخول أحدهم أو حتى وفاته كانت تذهب لتتحرى الأمر وتتصفح الوجوه لعلها ترى وجه ابنها بينهم، لكنها كانت تصاب دوما بخيبة الأمل، وتعود مكسورة القلب إلى كوخها.

قالت وقد دمعت عيناها:

- لا يا "أنس.." اتركني هنا كما أنا بين أشجاري.

طربت الأشجار لما سمعته، حل السكون وعاد الجميع لينصت لحديثهما، حاول "أنس" أن يشجعها ويبث في قلبها الطمأنينة فقال وهو يبتسم:

- أحد أحفادك  يدعى "بدر" وله وجه كالبدر يا أمي، حقا إنه خفيف الدم.

بفم مفضوض ابتسمت العجوز وكان لابتسامتها البريئة أثر بليغ في قلب "أنس" الذي أردف قائلا:

- وشقيقته الصغرى تدعى "شموس"! يبدو أن ابنك يكثر من مراقبة السماء! أخشى إن أنجب طفلا جديدا أن يسميه "رعد" أو "برق"!

ضحكت "ناردين" وأمسكت بذراع "أنس" وقالت بفضول:

- متى ذهبت.

- قبل أن تظهر علي أعراض السحر، وانشغلت بما عرفته عني فأجلت إخبارك حتى اللحظة.

قالت وقد بدت علامات الخوف على وجهها الطيب:

- وهل... رأيت زوجته؟

- لا، كان هو فقط من يداعب الصغّيرين أمام داره، وكان أشقاؤهما الأكبر عمرا يجلسون في هدوء وسكينة، هيا بنا، الوقت يمر..

- لحظة يا "أنس"، سأرتدي ثوًبا آخر وأغسل وجهي.


أسرعت "ناردين" وقد دب النشاط في أوصالها وهرولت تجاه الكوخ وبعد دقائق كانت تقف أمامه بابتسامة رائعة كانت هي أبلغ زينتها، حرك "أنس" خنجره في الهواء فظهرت الفجوة، امتدت وشائج الأشجار واقتربت من ساقي "ناردين" وكادت تلتف حولها، لكنها لم تجرؤ! توقفت عن الزحف وعادت إلى أماكنها بينما كانت "ناردين" تراقبها بعينين مغرورقتين بالدموع، دلف "أنس" إلى الفجوة بعد أن أمسك بذراع "نادرين" تاركين خلفهما أشجار الغابة تهز أغصانها وتئن وتبكي في نشيج عجيب، يخشون أن ترحل للأبد! علت أصوات الأغصان وهي تتشابك وتتخبط وتهتز، فهناك خطب جلل قد حدث في تلك الغابة!

رحلت الحبيبة "ناردين"، رحلت تلك التي تمنح الحب للجميع، و لكل من يمر من بين ضلوعها . كان لابد أن ينقلها "أنس" إلى بيت ابنها فما كانت لتخرج من حدود الغابـــة وتتخطى ذاك الحاجز الحجري إلا بواسطة  الفجوة التي يفتحها بخنجره، بعد لحظات خرج "أنس" من الفجوة ويده في يد العجوز التي شهقت فور أن رأت أمامها ابنها يقف بقامته المتوسطة الطول ووجهه مستدير، كان يحمل فتاة صغيرة رائعة الجمال، اقترب "أنس" منه وكانت "ناردين" تتأبط ذراعه بيدها اليسرى بينما تتكئ بيدها اليمنى على عكازها، كان يطعم ابنته حبات من التوت بحنان ولطف ، فور أن وقعت عيناه على وجه أمه انتفض ووضع الصغيرة على الأرض ثم وثب وصرخ كطفل صغير مذهول:

- أمي ... إنها أمي !!

صاحت "ناردين" وقد انهمرت دموعها في الحال:

- "ربيع"!

هرول "ربيع" تجاه أ ّمه وانكب عليها يقبل يديها تارة ويقبل رأسها تارة أخرى وقد اختلطت دموعه بدموعها، كان يبكي وهو عاجز عن الكلام، لم يجد كلمة تعبر عما يعتمل في صدره، مسحت "ناردين" وجهه  بكفيها وقالت بصوت تقطعه الدموع:

- اشتقت إليك يا حبيبي، دعني أشمك يا "ربيع"، أشتاق رائحتك.

أجهش "ربيع" بالبكاء، وعانقها وظلت تشم عنقه وهو يبكي في حضنها، قال بعد أن تحامل على نفسه:

- بحثت عنك كثيرا في كل مكان، ظننت أنك هربت من الدار، ُكنت أعلم أن زوجتي لا تحبك…

وضعت يدها على فم ابنها لتسكته وقالت:

- هسس... لا ترفع صوتك يا "ربيع" حتى لا تسمعك.

- لا تخافي يا ُأ ّمي، لقد طلقتها.

- ماذا!

- قلبت  حياتي  جحيما  فطلقتها وتركت الصغار بكل قسوة وتخلت عن أمومتها.

قالت العجوز بألم:

- وحرمتني من أمومتي ومنك.

احتواها "ربيع" في حضنه وقال بحنان:

- لا يا أمي، لن يحرمك أحد مني أبدا بعد الآن.

ُثم حمل صغيرته وقربها من وجهها وقال لها:

- لقد تزوجت "سندس" أتذكرينها، وأنجبنا "بدر" و"شموس"، انظري يا أمي.. هيا هيا احمليها.

ورفع صوته ينادي زوجته التي كانت تخبز فوق سطح الدار، أجابت زوجته النداء وهبطت الدرج على عجل وأسرعت تجاهه بوجهها الطيب، تذكرتها في الحال فقد كانت  تقطن في البناية المجاورة مع أمها التي كانت أعز صديقة لـ "ناردين"،  عانقتها  طويلا وجلس  الجميع  داخل  الدار،  إن  للماضي حنينا يتغلغل في القلوب ويتمكن منها، عادت "ناردين" بذاكرتها إلى سنين مضت، كانت تقلب عينيها بين أحفادها بفرحة وحب ، مضت ساعة وهم على تلك الحال، وحولهم الصغار يلعبون ويراقبون جدتهم والفرحة تطل من أعينهم، وقف "أنس" ليستعد للرحيل، وبعد أن ودعهم كاد يحرك خنجره لولا تعلق "ناردين" فجأة بذراعه! كانت في هلع وكأنها طفل يتيم سيرحل من يرعاه ويتركه في بيت غريب!

تعجب عندما توسلت إليه ليعيدها إلى كوخها في الغابة، قالت بتوّتر:

- أرجوك يا "أنس" أعدني إلى الغابة.

صاح "ربيع" متعجبا وقد سمعها:

- كيف يا أمي! كيف!!

- أرجوك يا "ربيع"، لن أستطيع البقاء هنا.. سأموت.

- غير معقول يا أمي! أتفضلين وحدتك في غابة موحشة على البقاء معي أنا وأبنائي!

- عشت لسنوات هناك فلا تقلق.

- أنت تعلمين أنني لن أستطيع دخول تلك الغابة أبدا ولن أتمكن من عبور ذاك  الحاجز الحجري!  أنا  حتى لا أعلم كيف تعيشين في تلك الغابة المخيفة وحدك!

- اتركني يا ولدي لأعود .. أرجوك؟

قال "أنس" محاولا إقناعها بالبقاء مع ابنها "ربيع":

- أنت تحتاجين للسيد "ربيع" وهو لن يستغني عنك يا أ ّمي، أرجوك ابقي هنا معهم.

قالت بعد صمت ثقيل:

- أصبح الكوخ بيتي، وأنا لا أرتاح إلا في بيتي.

ُثم جذبت "أنس" بلطف من ذراعه فانحني لتهمس في أذنه:

- دعني أرحل حتى لا تتغير نظرة الحب التي رأيتها في عيني "سندس" اليوم، فإن بقيت ستتغير، الإنسان ثقيل يا ولدي، وأنا أكره أن أكون حملا

يستثقله الآخرون.

لم يفلح أحد في إقناعها، أصرت وأخبرتهم أنها ستسير إلى هناك إن لم ينقلها "أنس"، لم يطب لها البقاء بين أحفادها، حتى دموع ابنها لم تشفع

لديها، ستكتفي برؤيته كل أسبوع على أطراف الغابة!، أخبرت "ربيع" أن الأشجار ستتركها تتخطى الحاجز الحجري بأمان ولن تعيدها كالعادة طالما أنها ستراها اليوم وقد عادت لتقيم هناك للأبد، هكذا همس لها عكازها. خضع "ربيع" على مضض وودعها بالدموع. استجاب "أنس" لرغبتها وأعادها إلى الغابة حيث كوخها فهاجت الأشجار وماجت وعال الضجيج، وأقيم عرس بالغابة، عادت الحبيبة "ناردين"... عادت الحبيبة "ناردين".                     

               ❐❐❐


في بقعة أخرى، بسط ّ "المجاهيم" نفوذهم أخيرا على ما تحت أرض قصر مملكة الجنوب حيث يطل قصر الملك "حليم" فوق تلك المساحات الواسعة كوتٍد ضخم تحيطه السهول الخضراء من كل جانب، فتوسعت مملكتهم وانتقل بعضهم إليها للأبد، أصاب "أنس" إرهاق شديد، فكثرة التنقل جعلته يشعر بدوار شديد، أصبح يرى كل شيء بالأرقام، وباتت لديه خريطة منحوتة في ذهنه، على كل بقعة فيها رقم منقوش له دلالة بات يعرفه ا، أراد أن يرتاح ولو للحظة  لكنه  لا يستطيع،  ما  زال  أمامه الأهم وهو أن يسترد كتاب "إيكادولي" من بين مخالب وأنياب الذئاب.

كان "القرناس" قد حمل الكتاب من فوق قمة الجبل الأحمر بعد أن أنهت "نبرة" آخر  جملة  فيه  إلى  المكتبة العظمى،  تسلمه  منه  الحراس  بالمكتبة واجتمعوا ليطلعوا على ما فيه، كانت تلك العبارات التي ظهرت بينما كان الكتاب مع "أنس" قد اختفت جميعها، وامتلأ الكتاب بعبارات صاغها الساحر "قرجة" قبل أن يقطع "أنس" يده، وأكملتها الأميرة "نبرة" بدماء "كلودة" التي كا َنت على الأرض، فور أن  ُيختم الكتاب ويضاف إلى رفوف المكتبة سيكون لـ"نبرة" شأن عظيم، كان حراس الكتب بالمكتبة العظمى يتصفحون الكتاب بينما حدث شيء عجيب لم يحدث منذ فترة بعيدة.!

❐❐❐

اندفعت حزمة من أشعة الشمس الوردية على أوراق أشجار السنديان الوارفة المحيطة بالبناء العظيم، ثم انسابت على جذوعها المغطاة بالطحالب

والنباتات المتسلقة، و أخيرا انزلقت على الأرض وكأنها ترقص فوق العشب! فوق الممر المؤدي إلى البوابة الرئيسية للمكتبة، كانت الأشجار تتلاحم وتتعانق مع بعضها البعض لتحبس ضوء الشمس عن الوصول إلى الممر، نسمات الهواء كانت باردة، صفان من الحجارة البيضاء كانا على الجانبين مرصوصان بنظام دقيق، كان "أنس" قد انتقل إلى المكتبة عبر فجوة ونجحت المحاولة هذه المرة، لم يسقط في بحر من الرمال المتحركة ليبتلعه، ولم تصبه صاعقة من السماء تفتك به. كان من الضروري أن يزور المكتبة العظمى بنفسه، فالكتاب هناك كما أخبروه في قصر "الحوراء"، ولا بد أن يكون حاضرا في تلك اللحظات الفارقة لعله ينجح في استرداده، كان "أنس" يرى كل هذا منً خلف بوابة ضخمة من الحديد مشغولة بطريقة عجيبة، حاول أن يصدر صوتا لعل هناك من يجيبه، حاول أن يهزها بيديه لكنها كانت متينة وثقيلة، من بعيد أسرع بعض الرجال الأقوياء  نحو البوابة يتعجبون من ذاك الذي وصل إليها ووقف يراقب البناء العظيم، كانوا يتبادلون النظرات التي تشي بتعجبهم، من يجرؤ على الاقتراب من حدود المكتبة العظيمة! قبل أن يصلوا إلى البوابة، وحيث انتهت صفوف الحجارة البيضاء، وقفوا بجوار بعضهم البعض عاقدين أذرعتهم أمام صدورهم، تقدم أحدهم وكان يثقب "أنس" بنظراته، بينما كان يمسك بالبوابة الحديدية ينتظر أن يدنو منه ليسأله، وقبل أن يقترب فتحت نوافذ البناء من خلفهم فجأة وصرخ أحد ما:

- لا تتحرك من مكانك نحن في خطر داهم وأنت الملوم!

ُثم فجأة ومرة أخرى صرخ مناديا كما صرخ منذ قليل:

- أدخلوه حا لا... أدخلوه.. فلقد حدث ما لم يحدث من قبل!

أسرع  الرجال  يفتحون ّ البوابة  الحديدية  وأفسحوا ّ الطريق  لـ "أنس" ليدخل، كان يسير وهو يتلفت يمينا ويسارا، فهو يشعر أن هناك من يلازمه كتفا بكتف ويسير معه، يكاد يسمع أنفاسه المتتابعة!  بل يشعر بدفئها! لكنه لايراه! دلف إلى البناء فأحاط به شعور بالسكينة رغم ارتباك الجميع وازدحام المكان بوجوه تطالعه باهتمام، بدا وكأن كل من بالبناء تخطوا الستين من أعمارهم، كانت السقوف مزينة بنقوش ذهبية بديعة، مطعمة بألوان زاهية، تشبه تلك التي رآها في بيت جده، تذكر الآن كيف تشبه بوابة بيت جده تلك البوابة الخارجية لكنها تصغرها حجما، مر بشجرة من خشب الأبنوس تشبه تلك التي سقط فرع منها في غرفة جده عندما رأى كتاب "أبادول" لأول مرة، وكأنه يتجول في متحف عريق ممتلئ بالتحف الثمينة كان "أنس" يتجول مستمتعا بما يراه، صعد الدرج خلف كهل متوسط القامة له لحية كثة طويلة  بيضاء  بعد  أن رحب به، وأخيرا وصل إلى قاعة تتوسطها طاولة  مستديرة يحلق حولها رجال يتشابهون في الخلقة لهم سحنة طيبة مريحة، على رأس الطاولة كان أكبرهم يجلس بوقار تحتل وجهه ابتسامة مشرقة، تلوح على جبهته الواسعة سجدة رمادية خفيفة لا يشك الناظر إليها أنها جبهة عابد، استند الكهل على حافة الطاولة ووقف يرحب بـ"أنس" وأشار إلى بهو كبير تتفرع منه ممرات طويلة ممتلئة بالرفوف يمينا ويسارا حيث  تستقر عليها الكتب، سارا معا من بينها حيث كان الكهل يمسك بذراع "أنس" ويشير إليها ثم قال:

- لم تتحرك الكتب منذ ثلاثين عاًما كما تحركت اليوم، لقد أصابنا الرعب، ظننا أن البناء سينهار، كانت أول مرة تخرج من أماكنها وتدور ثم تعود يوم وصول جدك يا "أنس"، ومن بعدها حين جاء أبوك وها هو الأمر يتكرر اليوم، ثم أكمل مبتهجا:

- الآن يا "أنس.." حان الوقت.

- الآن ماذا؟

- سأتركك هنا لتخلو بصديقك قليلا.

- صديقي!!

- "إيكادولي"... الكتاب! وسأنتظرك مع حراس الكتب، لنتسلمه منك.

- وأين هو الكتاب؟

- في تلك الغرفة، أرسلناه مع كوكبة من الصقور وغسلوه في ماء النهر الأخضر، فالكتابة بالدماء لا تزول إلا بغسله هناك، أتدري يا "أنس"؟ لو قتلوك لبقيت الكلمات في "إيكادولي" للأبد، وما كان ماء النهر ليمحوها، وكنا سنضطر لقبول الكتاب وضمه للرفوف.

- وهل حدث هذا من قبل؟

- نعم، لكن لا تقلق، الكتب لا تهدأ وستظل تدافع عن نفسها ، وكل كتاب ُسرق  سيبحث  عن  محارب جديد ليسترده، عندما يصدق شخص ما بالقيم التي فيها تسترد عزيمتها وروحها فتبتلع الكلمات، وحتى إن كانت بالدماء، فوجود ذاك المحارب يمنحها القوة لتعافر وتعاني صراعا حتى

يأتي ويساعدها.

ُثم استقرت عيناه على عيني "أنس" وقال:

- أظنك تحمل مفتاح الغرفة، أليس كذلك؟ أخرج "أنس" ذاك المفتاح الذي أعطاه له والده، ورفعه ليراه الكهل الذي هش حين رآه،  ُثم أشار تجاه غرفة في صدر ممر يقع على يمينهما وطلب من "أنس" أن يتجه ًإليها، سار "أنس" تجاه الغرفة وعاوده الشعور بأن هناك من يلازمه ويسير قربا منه كتفا بكتف، دس المفتاح في الباب وفتحه، ودلف بهدوء.

في غرفة مضيئة جدرانها بيضاء وخالية من النقوش كان كتاب "إيكادولي" يستقر  على طاولة بيضاء مستديرة تحتل بقعة صغير وسط الغرفة، اقترب "أنس" ولامس الكتاب بأطراف أنامله، فور أن فتح الكتاب شعر بقشعريرة تجتاح جسده، ثم انطلقت صفحات الكتاب هاربة من بين دفتيه واحدة تلو الأخرى تتعلق في الهواء، أحاطت الصفحات الخالية بـ"أنس" ودارت عدة مرات  ثم توقفت عن الدوران، ابتعدت عنه ً وارتفعت وبطريقة فجائية اقترب أولها وانبسط أمام عينيه، ظهرت عليها تباعا العبارات  التي رآها "أنس" في المغارة تحت النهر الأخضر، رآها أولا بنفس اللغة الغريبة التي لم يتمكن من فك طلاسمها، ثم تلاشت لتستقر معانيها باللغة العربية أمام عينيه، كانت كل ورقة تحمل عبارة واحدة، كانت العبارة تظهر وفي نفس الوقت يتردد معها صوت الأمير "أواوا" وهو يقولها باللغة النوبية عندما رآه "أنس" في الممر تحت النهر الأخضر، كان صوته متزامنا ومتناغما مع الكتابة:

ايكادولي

أحبك ؛ تعني ان كل العلامات الحب خرجت من خدرها فجأة عندما رأيتك, خصيصا لك وحدك , بعد أن دثرها طويلا حتى أعثر عليك

ايكادولي

أحبك ؛ تعني أن أتستر برداء الطهر حتى ألتقي بك على غير موعد , أحفظ لك أمانتك في نفسي دون أن أراك , لتكون أول من يوقع على شغاف قلبي .

ايكادولي

أحبك ؛ تعني أنني سأعشق ملامحك يوما بعد يوم ,وسأعيش في تضاريس وجهك حتى أموت , سأحب فيك روحك التي بين جبينك , ولن ألتفت لغيرك!

 

ايكادولي

أحبك ؛ تعني أن ترتجف كفي لأول مرة بين يديك , لأنك أول من يلمسها , فأنت بداية الحب, وأنت نهايته , قوسان بينهما حلال ,وليس خارج القوسين ثمة حب!

ايكادولي

أحبك ؛ تعني أن أسكنك , وتعيش أنت بين ضلوعي, وأن أكون لك الأمان , والحصن الذي تلجأ اليه أغضبتك فتشكوني إلى نفسي و أنت أقرب إلي من نفسي.

ايكادولي

أحبك ؛ تعني أن أدمن النظر اليك , وأعود فأغض طرفي عنك حتى تكون لي و أكون لك فأراك في كل العالم حولي و تئن كل راجفة من رواجف من رواجف قلبي هاتفة باسمك تطلبك من الله ترجوه أن يمنحني اياك مطيبا بالحلال .

إيكادولي

أحبك ؛ تعني أن يضيئني قربك ولا يطفئ شعلة روحي ، وهنا في قلبي حيث تسكن تتشابك خيوط النور فأبصر في عينيك كل الوجود جميلا.

إيكادولي

 

أحبك؛ تعني أن أقبل عليك لأحدثك بحواطري ، ثم أدخر الكلمات فتحدث ضجيجا في نفسي ، فأعقد عليها حتى يضمنا العش وأعطيك الميثاق ، فأسكبها لحنا شجيا في أذنيك ، فيخفت الضجيج و أسكن إليك . 

إيكادولي

أحبك؛تعني أن يكون حبك حجابا لي عن المعاصي ، فصلاحك يصلحني ، وعفافك يلهمني الشرف فأحبك لما أنت عليه من فضيلة، ولما أكون عليه منها عندما أكون معك ، تقربني لربي ، وتجرني إليه ، فيحبنا الله ونحبه . 

إيكادولي

أحبك؛ تعني أن يتكلم كل شيء فينا دون أن نتكلم ، نلتقي دون أن نغرق في بحر الرذيلة ، فتسمعني بطهرك وأنصت إليك باستعفاف ، حتى يريد الله .

دارت تلك الصفحات وكانت العّبارات العشر قد ُكتبت عليها أمام عيني "أنس"، ثم انطوت من جديد بين دفتي الكتاب المفتوح على الطاولة، وبدأت صفحات أخرى مرقمة تتوالى أمام عينيه، تحكي ما مر به بالتفصيل، كل خطوة، كل همسة، كل شخص التقى به، حتى "مرام"، حتى الغابة وما فيها، والقصرين، وبقيت الصفحة الأخيرة، كان يكتب فيها ما يحدث له في تلك الغرفة بالتحديد، تركت مساحة فارغة ...! ثم كتب أمام عينيه على السطر الأخير:

واسترد الكتاب الذي يحبه ... إيكادولي"!

ثم سحبت الورقة الأخيرة فجأة من الهواء واستقرت داخل الغلاف، وُأغلق الكتاب بقوة فأصدر دوًيا أجفل منه "أنس"، في تلك اللحظة فتح الكهل ذو اللحية البيضاء الباب خلفه، وحمل الكتاب، وسار معه يربت على كتفه، ويهنئه باسترداد كتاب "إيكادولي". وبعد أن أنهى "أنس" زيارته إلى المكتبة، أخرج خنجره وحركه في الهواء وانتقل إلى قصر "الحوراء"، حيث كان الجميع ينتظرونه، حمله "المغاتير" على الأعناق، كانوا يحتفلون بنجاحه، سقطت حقيبته فالتقطتها "مرام" وعلقتها بكتفها كما يفعل "أنس"، ووقفت تراقبه، تخلص بلطف منهم واقترب على استحياء ليبوح لها بمكنون صدره، كانت دقات قلبه تتواثب وكذلك كانت هي، كاد يقول شيئا لولا "الرمادي" الذي ظهر فجأة واًنطلق تجاه "أنس" كقذيفة مدفع، وفجأة! انقض عليه بمخلبيه وطاربه محلقا فوق مملكة البلاغة وسط صياح الجميع، ظل الصقر العجيب يخفق بجناحيه ويبتعد... ويبتعد... ثم ابتلعتهما سحب السماء. شعر "أنس" بدوار شديد، وغرق في الظلام وشعر وكأن ملزمة تضغط على صدره، دوائر

يغوص فيها وتتسع.. وتتسع.. وتتسع، صرخ مناديا باسمها:

- "مرام"..."مرام"

❐❐❐


وأخيرا فتح عينيه ليجد نفسه  في بيت جده بالفيوم، ممددا على أرض الغرفة التي التقى فيها بالرمادي لأول ّمرة، حاول أن يرفع رأسه فإذا بباب

الغرفة يفتح ليهرول تجاهه والده وجده، لم يتمكن من فتح فمه، أراد أن  يقول شيئا ما! لكن والده ربت على يده بحنان وطالعه بنظرات تعني أن

الوقت قد حان لكي ترتاح، ارتخى جفناه واستسلم للنوم لفترة، ثم أفاق فجأة وانتفض وقفز يتلفت يمنة ويسرة وكأنه يبحث عن شيء ما، قال جده الذي دلف للغرفة وهو يحمل في يده الجريدة:

- ما بك يا "أنس"؟ عن أي شيء تبحث؟

- الكتاب... "إيكادولي.." أين هو؟

- اهدأ يا "أنس".

-"َمرام " !

- من " َمرام"؟

- فتاة التقيت بها هناك.

- سيبقى هؤلاء هناك، لا بد أن تعلم أ ّنك الآن انفصلت عن عاملهم.

- ولكن.

طالعه أبوه الذي كان يراقب حوارهما بتأثر وقال بصوت غلبته نبرة حانية:

- أعلم وأقدر شعورك الآن، أنت تتوجع، تعلقت بهم، أحببتهم، وكأ ّن هناك من اقتلعهم فجأة من قلبك.

- اسمعني يا أبي، " َمرام" كانت مثلي، م..م... محاربة، لابد أنها قد عادت هي الأخرى إلى هنا،  إلى عالمنا! كيف سأصل إليها؟

- "أنس"...تمالك نفسك، فكل ما عشته سيظل...

- سيظل ماذا؟

- في الحقيقة... أنت..

- أنا ماذا!!

- كنت مجرد... شخصية في رواية!

بدأ الغضب يأخذ طريقه إلى رأسه، صاح بعصبية:

- ماذا!! ما الذي تقوله!

- كما سمعت.. مجرد شخصية في رواية!

- وتلك الملابس التي ما زلت أرتديها!! لا تحدثني بتلك الطريقة أرجوك!

- رفقا بنفسك يا بني، مررت بما تمر به من قبل، اصبر أيا ًما وسينتهي كل شيء.

- كيف... كيف!! هذا لم يكن حلما!

- تحلم لفترة تخطت الأسبوع!! وتختفي عن الوجود يا "أنس!"

- أرأيت.. تعترف إذن أن ما مررت به حقيقي، لقد اختفيت من هنا، لم أفقد الوعي ولم أكن نائما ولم أغرق في غيبوبة، كنت أعلم أن الشمس التي تشرق على تلك المملكة هي نفس الشمس التي تشرق علينا هنا فكيف تقول أنني غصت في رواية! أنا بشر، أنا روح، أنا إنسان!

- يا بني، انتهى الأمر...

تحسس "أنس" يده وقال بحماس:

- انظر .. أثر هذه الحبال المجدولة على يدي، ما زال يحرقني!

أغمض الأب عينيه في يأس وقال:

- لن يصدقك أحد، ولن تستطيع العودة إلى هناك، حاولنا قبلك وفشلنا.. أنسيت؟

هز "أنس" رأسه وقام يجول في الغرفة كالمجنون وقال:

- وكيف أنسى نفسي التي وجدتها هناك؟

أمسك جده بذراعه وأعطاه الجريدة وقال بهدوء:

- انظر.. ها هي الجريدة هناك إعلان عن رواية جديدة للكاتب "شهاب السيوفي"، ستصدر عن دار "مملكة البلاغة" للنشر والتوزيع، مكتوب هنا

أن الرواية تحكي قصة حب نوبية قديمة، هكذا تسير الأمور.

أمسك "أنس" الجريدة وطالع صورة الكاتب، وصاح متعجبا:

-"شهاب"... إنه هو !!

- لا بد أ ّنك التقيت به هناك، أليس كذلك؟

- بالتأكيد، كان يظهر ويختفي من آن لآخر.

هز الجد رأسه بثقة وقال بهدوء:

- وهذا ما حدث معنا من قبل، معي ومع أبيك، صدرت روايتان بعد عودتنا وكنا نلتقي بالكاتب هناك، يظهر فجأة، ويختفي فجأة، وانتهى الأمر.

التفت إليهما الأب الذي كان يحملق في زجاج النافذة مراقبا انعكاس ضوء الشمس عليه:

- هذا ما أعنيه يا ولدي، كل ما مررت به مخطوط في تلك الرواية بعناية شديدة، وانتهى الآن فقد تم تسليمها لدار النشر وستتم طباعتها، فلتنس

كل ما مررت به هناك.

- و" َمرام"!!

- كانت أيضا مجرد شخصية في رواية.

- مستحيل ..لا ...لا !

- أعلم أن الأمر يصعب عليك، هّكذا هو في البداية، ستعاني كثيرا يا ولدي، اهدأ فأنت عاقل وتعلم جيدا أنك لن تعود إلى هناك. والأيام كفيلة بلملمة الجراح.

- ولكن... الرمادي!  ألن يعود!

- لن يظهر إلا بظهور رمز جديد، لأحد أفراد العائلة، ربما بعد سنوات طويلة من الآن، ابن لك أو حفيد من أحفادك، حاول أن تتجاوز الصدمة لتكمل حياتك.

- ولكن …

قبض "أنس" على صدره، و قال بخفوت:

- شيء ما مني بقي عالقا هناك ولم يغادر.

قال والده:

- اثبت يا "أنس"، واحمد الله أن الأمر لن يتكرر.

- ماذا تعني؟

- تخيل مثلا لو تكرر  الأمر من آن لآخر كلما قرأ أحدهم الرواية تعود أنت لنقطة البداية وكأن شيئا لم يكن، وتتكرر الأحداث!

- ليت هذا يحدث، ليته يتكرر كل يوم،  ليتني أراهم مرة أخرى، عزائي الوحيد وقتها أنني سألتقي  بمن أحببتهم مرات ومرات.

- لكن إن حدث هذا  لن تستطيع إخبارهم بأي شيء.

- لماذا؟

- لأنك ستنسى كل شيء وتعود لنقطة البداية، وكأن ذاكرتك قد محيت تماما، انتهى الأمر يا بني... تماسك أرجوك.

ارتفع رنين هاتف والده، كانت والدته، يبدو أ ّنها كانت غاضبة لأن "أنس" لم يرد على مكالماتها طوال أسبوع ّكامل!، كان الأب يحاول شرح موقف "أنس" وأخبرها أن هاتفه كان مفقوداً وأنه كان مع رفاقه، أصرت على سماع صوته فقد كانت تشعر أن هناك شيئا ما قد حدث له، فليس من عادته ألا يهاتفها ليطمئنها عليه بنفسه، اقترب الأب من "أنس" وهمس في أذنه قائلا:

- لا تخبر أ ّمك فهي لا تعلم شيئا، فأنا أخبرتها أنك كنت مع رفاقك، وهذا ما حدث بالفعل.

ضم الأب الهاتف لصدره ليكتم الصوت ورمقه بحزم وأردف قائلا  :

- لا تخبرها ولا أي أحد آخر غيري وجدك... لن تصدقك وسيظنك الجميع مجنونا.

أمسك ّ "أنس"  الهاتف وتحدث مع أمه بصعوبة، كان يعتذروحسب، ويكرر اعتذاره مرات ومرات، ظلت تصيح عليه في الهاتف وتلومه فقد كانت في غاية القلق عليه وظنت أنه أصيب في حادث أو شيء ما، أنهت صياحها ببكاء شديد فأخذ يهدئ من روعها ثم قال بصوت يقطر أملا:

- كنت مع رفاقي...

قالها "أنس" وهو يتألم ّ، كان يفتقد رفاق رحلته العجيبة، فقد احتل كل منهم جزءا من كيانه، تذكر قول العجوز "ناردين" عن كل من تلتقي بهم وتحبهم، وكيف كانت تشير إلى صدرها وتقول أنهم مروا من هنا.. كان "أنس" في غاية الحزن.

أغلق الهاتف وأمسك برأسه فجأة، كان يشعر بخفقان يضغط على صدره والحرقة تنخر معدته فسقط مغشيا عليه فحمله أبوه وجده وأعاداه إلى

فراشه وجلسا طوال الليل بجواره يتأملان لأمله ويسألان الله له الثبات.

❐❐❐

أطلت الشمس من خلف السحب، وكأ ّنها تتخفى من "أنس" ، كان بالفعل مستيقظا منذ وقت طويل، يحملق في سقف الغرفة ويسترجع كل لحظة مرت به، وثب وارتدى ملابسه على عجل وخرج دون أن يشعر به أبوه وجده، قرر أن يذهب للقاء "شهاب" بالقاهرة، بعد ساعات كان يهرول خارجا من محطة القطار فور وصوله باحثا عن سيارة أجرة، ولكي يحصل على عنوان بيته اتجه أولا لدار"مملكة البلاغة" للنشر والتوزيع، بناء أنيق من القرميد الأحمر تحيط به حديقة رائعة من كل الجهات، أ خرج بطاقته الشخصية للحارس النحيف الذي كان يعبث بشاربه وهو يتفحص هاتفه الجوال، لم يطالع الحارس البطاقة ولم ينظر حتى لوجهه، تأخر المصعد وكان "أنس" في قمة التوتر حتى أنه بدأ يقرض شفتيه، هرول نحو الدرج وصعده وثبا متوجها لمكتب مديرة الدار في الطابق الخامس من تلك البناية، وبعد أن أشارت إليه موظفة الاستقبال بلطف ليتفضل بالدخول طرق الباب وفتحه وهم بالدخول وكانت المفاجأة.


الحوراء تجلس أمامه بشحمها ولحمها،  تجلس بوقار خلف المكتب على كرسي من الجلد الفاخر وعلى أنفها عوينات صغيرة تطل من خلفها عيناها

الواسعتان والسوداوان حيث كانت تطالع  شاشة الحاسوب باهتمام شديد، التفتت إليه وخلعت عويناتها وابتسمت له، ثم قالت مرحبة به:

- أهلا وسهلا، تفضل بالجلوس.

ُثم أمسكت ببطاقة ورقية صغيرة وقرأت ما دون عليها وقالت:

- المهندس "أنس كمال".

- نعم أنا.

- مرحبا بك، كيف أستطيع أن أساعدك؟

- عفوا سيدتي، هل التقينا من قبل؟

- لا أظن ! تبدو مألوفا لكنني لم أرك من قبل يا ولدي !

- حسنا، وددت أن أسأل عن رقم هاتف السيد "شهاب السيوفي"

- هل أستطيع أن أعرف السبب؟

- أمر خاص بروايته الجديدة.

- وما بها؟

- أفضل أن أخبره شخصيا.

اعتدلت المديرة في جلستها وتأرجحت على مقعدها على نحو خفيف وقالت باهتمام:

- كل ما يخص تلك الرواية بالذات يخصنا.

- وددت فقط أن أسأله عن نهايتها ومصير أحد الأبطال في الرواية.

- انتظر إذن حتى  ُتطبع وتقرأها.

- لا أستطيع الانتظار فهناك أحداث لا بد أن ُتعدل بشكل سريع.

- وهل تعرف أحداثها؟

- نعم

- أقرأتها؟.. معقول!! من سربها... أخبرني؟

- لم أقرأها ورقيا ولكن...

- مهلا... أنت لا تعرف رقم هاتف السيد شهاب ولا عنوانه، ولم تلتق به! فكيف تعرف أحداث الرواية!

- علمت أن اسمي مدرج بها، وبعض ما يخصني شخصيا.

- كيف  هذا!  الرواية  تتحدث  عن قصة نوبية قديمة! والأسماء فيها لا تتضمن اسمك!

- رّبما ...

- أرجوك كن واضحا معي!

- أود أن ألتقي به. ولتعتبري ما أعرفه عن الرواية مجرد تخمين، أو شيء يشبه الرؤى.

- من فضلك ليس لدي وقت لهذه الحوارات،ّ ولن أستطيع إمدادك بعنوان السيد "شهاب"، فكلامك يقلقني، ربما تود أن تلتقي به لإعجابك به يا بني، ولكن ليس بتلك الطريقة! للكتاب حياتهم الخاصة، انتظر حتى تلتقي به في حفل التوقيع.

- ولكن ..

- من فضلك!!

رفعت  يدها  لتستوقفه  فأدرك  أن لا مجال للنقاش. خرج من الغرفة غاضبا، يبدو أن الأمر أعقد مما تخيله، وقف شاردا أمام المصعد ينتظر

وصوله،  كان يغمض عينيه ويتأفف بينما اقترب شاب أنيق يرتدي بذلة سوداء فاخرة حسنة التقاطيع أظهرت تناسق جسده، عطره النفاذ أرغم

"أنس" على فتح عينيه، كاد يصرخ عندما رأى ملامحه، إنه "الزاجل الازرق!!" دلف معه المصعد وهو يطالعه بفضول شديد، كان الشاب يمسك هاتفه النقال  ويقلب  فيه  باهتمام،  رفع  عينيه  على نحو سريع وحياه بابتسامة مقتضبة ثم عاد ينظر إليه مرة أخرى عندما لاحظ اندهاشه فقال له:

- هل أنت جديد هنا؟

قال "أنس" وما زالت عيناه معلقتين على وجه الشاب:

- لا.. أنا مجرد زائر.

- أنت كاتب إذن!

- تقريبا.

- هل قمت بتقديم عملك اليوم؟

- ليس بعد.

- أسرع إذن فالسيدة "ناردين" ستنتهي من مراجعة رواية ُالأديب "شهاب السيوفي" الليلة، حتى تضم عملك في جدولها قبل أن تنشر الرواية، فبعدها ستنهال علينا الأعمال من الكتاب والأدباء كالعادة، وربما يتأخر دورك.

- هل تعمل هنا؟

- أنا " أحمد" وبالفعل أعمل هنا.

- مرحبا بك.

- تبدو شابا لطيفا، لا بد أن كتاباتك رائعة.

- هل من الممكن أن أطلب منك شيئا بسيطا؟

- وما هو؟

- رقم هاتف السيد "شهاب السيوفي"، أود أن ألتقي به وأعرض عليه عملا ما.

- حسنا، ها هو رقمه، دونه الآن، ولا تنس أن تضيفني على "الفيسبوك"

- وما اسمك هناك؟

- "الزاجل الازرق"

فغر "أنس" فاه ُ  ثم  هز رأسه متعجبا، الأمر مضحك وموجع في آن واحد، ما الذي يحدث الآن بالتحديد!!

بدأ الأمل يدب في نفسه فربما يلتقي بـ"مرام" أيضا! كان يرزح تحت موجة من الحنين إليها، يشتاق لوجودها بجواره، تتنفس نفس الهواء، تسير وتتحرك وتروح وتجيء وإن كانت بعيدة عنه ولكن في نفس المكان، نفس العالم!

خرج  من  المصعد  وسار بخطوات بطيئة خلف  "أحمد"، نفس طريقة السير، نفس الصوت، نفس الإيماءات الخاصة، إنه هو "الزاجل الازرق!"

بأصابع مرتعشة ضغط "أنس" على أزراره اتفه ليحدث السيد "شهاب"، كان صوته على الهاتف أكثر اتزانا من صوته في مملكة البلاغة، حتى طريقته في الكلام بدت أكثر تعقلا وهدوءا، عرفه بنفسه وطلب منه أن يلتقي به، وأخبره أن السيد "أحمد" هو الذي نصحه بلقائه قبل أن يعرض أي عمل على السيدة "ناردين"، بعد مماطلة من "شهاب" وافق أخيرا على لقاء "أنس" وأعطاه عنوانه، أسرع يوقف سيارة أجرة لتقله سريعا إلى هناك، كانت دقات قلبه تتواثب وتتسابق على نحو سريع، شعر بها وكأنها طبول تدق في أذنيه، وقفت  السيارة  الأجرة  أمام  بناء  عتيق  مكون  من طابقين، كانت البوابة الحديدية تحمل لافتة  مكتوب عليها بخط واضح "فيلا ًشهاب السيوفي"، ترجل من السيارة بعد أن نقد السائق الأجرة ووقف شاردا يتأمل البناية، كانت الثانية عشرة إلا الربع، باٍق ربع ساعة على موعده معه، تنهد بعمق وأغمض عينيه، ما زال موجوعا، مسح على صدره بيده وكأنه يتحسس الألم، لم ينتظر حتى تمر الربع ساعة، بل أسرع يدق جرس الباب.




✍حقوق الطبع و النشر خاص بمدونة الأقلام الذهبية©


إذا كان لديك قصه و تريد مني نشرها قم مراسلتي على تطبيق واتساب اضغط هنـــا

تعليقات