بزغ الفجر كقبلة في ثغر الصباح الباسم فكشف اللثام عن سحب بيضاء مرتصة كعقد من اللؤلؤ يزين السماء، كانت "مرام" تهرول خلف الأميرة "أونتي" تتسللان خارج القصر، وكانت "أونتي" تحتضن كتاب "إيكادولي" والذي قررت أن تهدّيه لحبيبها بعد أن لفته بثوب من حرير يخصها كانت قد عطرته بعطرها المفضل، انسابت الفتاتان بين الأشجار ووقفتا في البستان تنتظران ظهور حبيب الأميرة، باغتتها "مرام" سائلة إياها بعد أن كبحت تثاؤبا وعدلت ربطة عينها التي ما زالت تؤملها:
- ما هذا؟
- هدية لحبيبي.
- لماذا تلتقيان مبكرا في ذاك الوقت؟
- لا أستطيع أن أقابله تحت ستار الليل، البومة البيضاء تحلق طوال الليل في البستان.
- أتخافين البوم؟
- بل أخاف أختي " َنبرة!"
- ماذا تعنين؟
- أختي " َنبرة" منذ ولادتها مسحورة!
- كيف؟
- لديها بومة ترى بعينيها رؤى متفرقة في ظلام الليل، كلما تجولت البومة تحت جنح الليل ونظرت هنا وهناك ترى أختي ما تراه، يقولون إنها موهبة وهبت إياها، لكنني أراها لا تستحق موهبة، فلديها قلب أسود .... أظنها مسحورة!
همهمت " َمرام" بضيق:
- تخافين أن تراك بومة أختك ولا تخافين الله !
تجاهلتها " ُأونتي"، وكأنها لم تسمعها، كانت الكلمات لا تقع في مرماها، لم تتأثر ولم يرف لها جفن، ورغم هذا.. كانت العلاقة بينهما تتنامى كصديقتين لا كأميرة وجاريتها، فالفارق بينهما عام واحد، كما أن "أونتي" كانت تحتاج لصديقة.
من بعيد تحركت أغصان الأشجار وأطل الشاب بينها وهو يتلفت يمنة و ْيسرة، هرولت "أونتي" تجاهه وعانقته فاستدارت "مرام" على الفور قبل أن يخدش حياؤها وجلست تراقب الطريق، كانت تفكر في طريقة تهرب بها من ذاك القصر، وتلك الصحبة التي أجبرت عليها وّهي تكرهها، مر الوقت ثقيلا عليها، انتهى اللقاء وحمل الحبيب العاشق هديته وانصرف وهو يحتضن الثوب الحريري ويشم العطر الذي أغرقته الأميرة به، اختفى ومعه الكتاب، وعادت الفتاتان إلى القصر.
❐❐❐
على باب الدار وهو ينتعل حذاءه وقف "كلودة" وقد بدا الإرهاق على محياه وسأل "أنس:"
- أتراها غضبت لأنني لم أمر عليها أمس.
- ولماذا ستغضب "أشريا" منك يا "كلودة"، هل كنت على موعد معها أو وعدتها بذلك؟
- لا، لكنني أخشى أن تكون قد غضبت.
- لا تقلق، لو سألتك لماذا لم تمر علينا أخبرها أنك لم ترغب في إزعاجها.
هز "كلودة" رأسه موافقا ثم قال بخفوت:
- لم أذق طعم النوم، كنت أفكر في كلامك، لقد عشت أياما ثقالا ولقد رأتني "أشريا" في حال لا تسر.
- كيف هذا؟
- عندما مات أبي، كنت فقي ًرا مشقوق الثياب، حافي األقدام أبلى أديم الأرض كعوًبي وأصابعي، لم أنتبه لمظهري هذا، ولم أحاول تعديله، لأنني لم أظن يوما أن الفقر معرّة لصقت بي، كنت أراني أرفل بالنعم، وكنت أتردد عليهم في تلك الحالة، أتعلل بأي شيء لأراها، أجلس حتى يملوا مني فأنصرف، أتراها كرهتني لهذا؟
- لا تغًتل نفسك بتلك الطريقة! إن خاطبت نفسك بضعف فستبقى ضعيفا، وإن خاطبتها بقوة فستكون قويا، الناس لها الحاضر، وهم يرونك كما تعامل نفسك، أنت الآن عطار ماهر ولك دكان خاصبك ، اهتم بنفسك وثق في ذاتك.
- حسنا سأفعل يا "أنس"
ثم سكت هنيهة وأضاف:
- أتدري يا "أنس"، أنا لا أستحقها، "أشريا" نقية...أما أنا...
- توقف عن ازدراء نفسك
- أنت لا تعرفني يا "أنس..."أنا لا شيء لولا ستر ربي
- كلنا كذلك
مر الوقت وانشغل كلاهما عن الآخر، كان "أنس" قد بدأ يألف المكان ويتعرف على تلك التفاصيل الصغيرة في القرية، غادر بيت "كلودة" وسار قليلا يتأمل السوق وكل ما فيه، مر على حانوت الكتب في الطريق، ثم عاد إلى بيت "كلودة" حيث استقبلته الهررة وهي تتمسح بقدميه، كان قدر كبير يغلي بينما كان كلودة" يضع فيه شيئا ما، عندما اقترب "أنس" وحياه قال متعجبا:
- ديدان!! أتطبخ الديدان؟
قهقه "كلودة" وقال وهو يقلب الديدان التي أضافها إلى القدر وهو يغلي:
- هكذا أعد اللون الأحمر، أستخدمه في الصباغة، ويطلبه التجار مني، كما أنني أصنع الحبر الأحمر وأركزه بنفس الطريقة.
قال "أنس" باشمئزاز:
- من الدود!!
- نعم، فتلك الديدان تفرز عصارات خاصة، أجمعها من فوق أشجار العفص والبلوط، أضيف عليها لحاء شجرة البلوط نفسه مع بعض الأملاح الحامضة.
شعر "أنس" برعشة تجتاح جسده، كان مشمئزا للغاية وهو يراقب الديدان المجففة وهي تغلي، كان كلما غلى السائل في القدر ازداد اللون الأحمر قتامة، لاحظ"كلودة" انزعاجه فابتسم قائلا:
- لا تحزن هكذا يا صديقي، أحيانا أستخدم الرمان.
سارا معا تجاه قدر آخر، كانت رائحة الكركم تفوح منه، تعرف "أنس" على رائحته في الحال، قال وهو يحاول تقليب منقوع زهور الكركم في القدر:
- اللون الأصفر الذهبي، ما أروعه.
بدأ "أنس" يتلفت يمنة ويسرة ويراقب القدور وهي تغلي، والأوعية وما تحويها من مساحيق الألوان الزاهية، والزجاجات الممتلئة بالأصباغ والأحبار السائلة هنا وهناك، مر بعينيه حيث كان مسحوق حجر اللازورد الأزرق يملأ وعاء، بينما امتلأ آخر بمسحوق أسود، و بجوارهما الأصفر والأحمر، وجد نفسه يتحدث بطريقة "كلودة" التي كان يتحدث بها عندمـــــــا التقـــــى بــــــــه أول مرة فقال بصوت مسموع:
- سبحانك سبحانك ما أجمل الألوان!
التفت يراقب الأفق ُثم سأل "كلودة" باهتمام:
- متى سيأتي ذاك المسؤول الذي أخبرتني أنه سيشتري منك الأحبار؟
- رّبما اليوم وربما غدا، إن لم يأت اليوم فلك أن تبيت معي.
ثم سأله "أنس" عن الكتاب الذي اشتراه أمس من الحانوت حيث التقى به هناك، تهلل وجه "كلودة"، فهو عاشق للكتب، أشار إليه ليتبعه وسارا نحو غرفته، أخرج له صندوقا ممتلئا بالكتب، جلس يحدثه عن كل كتاب، كان الشاب يقرأ في مجالات مختلفة، بدا واسع آلطالع ومثقفا وأديبا، حتى أنه ألقى على سمع "أنس" البعض من أشعاره، قلب "أنس" في الكتب وكان متعجبا من روعة الخطوط فيها، أن يكون الكتاب مخطوطا بيد كاتب يختلف عن أن يكون مجرد صورة مطبوعة بآلة! مر الوقت وهما يتحدثان عن ذاك الكتاب، وذاك، وذاك، أعجب "أنس" بشخصية "كلودة"، فهو شاب ذكي واسع آلطالع، يصبر على الحياة، جاد ومجتهد يعتمد على نفسه. لكنه قليل الأصدقاء، خيم الظلام عليهما ولم يظهر ذاك الرجل الذي زعم "كلودة" أنه سيشتري الأحبار لكتاب المكتبة العظيمة.
تركه "كلودة" ليحضر شيئا ما، فخرج "أنس" من الغرفة إلى الساحة الواسعة أمام البيت وجلس يتأمل حفنة من النجوم كانت تزين السماء، بينما عاد "كلودة ُ" إلى غرفته مرة أخرى ومد يده تحت الوسادة، وأخرج الهدية التي أهدتها له "أونتي" بحرص، أخرج الكتاب وقد كان قد بدأ يكتب فيه بنفسه شيئا ما، أضاف سطرا وكتبه بخط جلي واضح وبإتقان شديد، ثم أعاد كتاب "إيكادولي" الذي أهدته له "أونتي" حيث كان يخفيه، بعد أن لفه بثوبها مرة أخرى!
كيف يتأرجح القلب بين فتاتين؟ وكيف تشتاق روح واحدة إليهما في آن واحد! وكيف يكثر "كلودة" من التسبيح أمام الناس ويقع في تلك الذلة بين أشجار البستان حيث يلتقي بالأميرة؟ لو انكشف المستور وعلم "أنس" بذلك السر لانصرف عنه وهجره في الحال!
من بعيد وبينما كان "أنس" يراقب السماء لاح شبح يقترب، كانت الجميلة "أشريا"، تهرول على الطريق ويهرول أمامها قلبها، تتلحف بثوبها الفضفاض وتمشي على استحياء، فقد لاحظت أن "كلودة" لم يمر على دارهم وقت الغذاء وهذا ليس من عادته! حملت الطعام له لأول مرة، في كلمات مقتضبة ومعدودة سلمت من بعيد وأعطته الطعام وعادت تجر خلفها قلبها وهو يتلفت، كانت تتعذب في صمت.
أقبل المساء، وبات الشابان على العشب الندي حيث كانت الليلة دافئة، وبعد أن تناولا الطعام الشهي كانا يعقدان كفوفهما خلف رأسيهما ويتأملان صفحة السماء وكل منهما يسبح في عالمه الخاص.
❐❐❐
أخيرا انتهت الوصيفات من إزالة الحناء عن أقدام " َنبرة"، كانت مستلقية باسترخاء تستمتع بتدليك طبيبة القصر لجبينها بدهان زيتي منعش وقوي الرائحة، فقد أصابها صداع شديد بعد ذاك الحفل الذي امتد حتى أطل الصباح وانصرف الجميع منه يترنحون، كانت قد نسيت أمر كتاب "إيكادولي" الذي لم تكتشف اختفاءه بعد، فقد كانت تئن من ألم رأسها طوال اليوم، وبعد مرور يوم كامل على اختفائه، صرخت "نبرة" فاهتزت نوافذ القصر وارتبك الجميع...
- أين الكتاب؟
سألتهم بغضب شديد كالمجنونة، وبدأ الجميع يفتش بارتباك، أدركت "أونتي" أنها سرقت من أختها شيئا ذا قيمة كبيرة بالنسبة إليها فشعرت بنشوة الإنتصار، لكن جاريتها القديمة والمخلصة إليها التي سلبتها إياها "نبرة" جعلتها ترتجف وهي تهرول إليها وتسألها بهلع إن كانت قد أخذت هذا الكتاب أم لا. ولّما أنكرت " ُأونتي" ركضت الجارية نحو الحراس تخبرهم أن يفتشوا كل غرف القصر، فارتبكت "أونتي" أكثر وأدركت أن الأمر أكبر مما تتخيل، وقفت
تقرض أظافرها وتفكر سريعا ودقات قلبها تتوالى كطبول الحرب، عادت "أونتي" لغرفتها بعد أن اهتدت لفكرة وأمسكت بذراع "مرام" التي لم تكن على علم بمحتوى الهدية، لكن قد خمنت من هيئتها أنها كتاب لكنها لم تتخيل أنه كتاب المحارب الجديد "أنس" والذي كانت تتبعه، وقالت لها بصوت مرتعش:
- " َمرام" اخرجي الآن من القصر واذهبي إلى البستان الذي أصحبك إليه، وحذري "كلودة"، أخبريه أن يتخلص من الهدية في الحال، ولا تعودي فأنت حرة.
ارتبكت " َمرام" وطالعتها بذهول وقالت:
- أحقا أنا حرة!!
- نعم، أخرجي فورا وهو سيدلك على الطريق إلى القرى القريبة، اهربي يا "مرام."
- ولكن لماذا فجأة! وما تلك الضجة بالقصر؟ ومن التي تصرخ؟
- إ ّنها أختي " َنبرة"، أرجوك يا " َمرام" اخرجي حالا واهربي.
ُثم التفتت " ُأونتي" وأخرجت كيسا ممتلئا بالنقود وأعطته لها وقالت بجدية:
- حذري "كلودة" أخبريه ألا يأتي إلا بعد أسبوع من اليوم.
- وكيف سأعرف الطريق لبيته؟
- أخبرني أكثر من مرة أنني لو سرت في خط مستقيم تجاه الشرق وهبطت مع السهول تدريجيا دون أن أحيد عن استقامة خطاي، سأجد بيته وحيدا وسط ساحة واسعة، لكنني لم أذهب يوما إليه، كان هو من يأتيني فقد التقيت به بين أشجار البلوط المنتشرة على مقربة منا.
ُثم عانقتها بقوة وأدارتها بعنف من كتفيها وسارت خلفها تدفعها في ظهرها لتتحرك وقالت:
- لو رأتك "نبرة" ستأخذك مني، وربما تبيتين الليلة حيث لا ترغبين، وفي حضن من تكرهين، وعلى حال لا ترضينها.
أدركت " َمرام" أنها في خطر وركضت وهي تخفي وجهها كحمامة ضالة تاهت بين الأشجار، وانطلقت تجاه ذاك المكان حيث كانت "أونتي" تلتقي بحبيبها "كلودة" لتحذره ليتخلص من الهدية، وتسير معه هاربة من القصر ومن فيه.
بينما كانت " ُأونتي" ترتب الكلمات في رأسها استعدادا للمواجهة مع أختها "نبرة" .
❐❐❐
كان "أنس" يراقب "كلودة" وهو يذيب مسحوق حجر اللازورد ليعد اللون الأزرق ثم يذيبه في سائل ما ليعد الحبر ويصبه في زجاجات رفيعة، قال وما زالت عيناه مثبتتين على يدي صديقه:
- لم يأت من يشتري الحبر يا "كلودة."
- وأظنه لن يأتي اليوم، فهو لا يظهر إلا في وقت مبكر جدا، انتظر غدا.
ثم أردف "كلودة:"
- لا بد أن أذهب إلى الدكان، هيا تعال معي.
كان جليا على "كلودة" أ ّنه بدأ يتعلق بـ"أنس"، فهو يأنس به ويميل إليه، أما "أنس" فقد كان شاردا يفكر، وبعد لحظات كان قد اتخذ قرارا حيث قال:
- سأذهب إلى املكتبة.
-!ماذا !
- أنت هالك لا محالة، هذا خطر عظيم.
- لماذا؟
- لم نسمع أن أحدهم قد ذهب إلى هناك ثم عاد.
- سأعود إن شاء الله.
وثب "أنس" وبعد أن ودعه غير مبال بتحذيراته انطلق يسير تجاه المكتبة العظمى، باحثا عن أي علامة تدله على سبيل لاسترداد كتابه وإكمال مهمته ليعود لبيته وأسرته، لم يكن على علم أن كتابه ملفوف بعناية بثوب من حرير تفوح منه رائحة العطر تحت وسادة "كلودة"، وفور أن انسل بقامته بين الأشجار، وبينما يستعد "كلودة" للرحيل، ظهرت "مرام" وهي تركض تجاه بيته تعثرت فتدحرجت على تلة يغطيها العشب الأخضر حتى استقر جسدها أسفلها، قامت تعرج في مشيتها، وكانت ما زالت تربط عينها، مر يومان منذ جرحها "أنس" وما زالت تؤملها، فقد تسبب الدهان الذي طببتها به طبيبة القصر في التهابها ولم تتحسن حالتها.
وصلت أخيرا ووقفت أمام "كلودة" الذي عرفها من ملابسها ومن رباط عينها فقد كان يراها بصحبة الأميرة "أونتي"، قال مرتابا في أمرها:
- أنت " َمرام" ؟
- أوتعرف اسمي؟
- نعم.. أخبرتني " ُأونتي"، ما الذي أتى بك إلى هنا؟
- الأميرة " ُأونتي" طلبت مني أن أحذرك.
- مم؟
- لابد أن تتخلص من هديتها لك في الحال.
- لماذا؟
- لا أعرف، كما أنها تطلب منك ألا تذهب للقائها مرة أخرى.
- عودي فأخبريها ألا تقلق، فقد انتهى أمر الهدية، وأخبريها أيضا أنني لا ....أريد
- لن أعود!
- كيف؟
- لقد منحتني الأميرة حريتي، وأخبرتني أنك ستدلني على القرية، أرجوك ساعدني ، لو رآني الحراس سيعيدونني إلى هناك.
جلست " َمرام" أمام الدار ترتجف، عاد "كلودة" إلى غرفته وسحب الهدية وهي ملفوفة بالثوب الحريري وقام بدفن الكتاب تحت شجرة خلف بيته في صندوق مع العديد من الكتب القيمة التي كان يحتفظ بها، وغطاه بالتراب ُثم بأغصان الأشجار، وعاد فألقى بالثوب في النار التي كان يستخدمها بعد أن بلله بزيت ما فالتهمه اللهب في الحال، كان يمسك في يده تلك الضفيرة التي قصتها "أونتي" من شعرها ووضعتها له بين دفتي الكتاب، ألقاها في النار ووقف يراقبها وهي تحترق، في تلك اللحظة كانت رائحة الحريق أحب إليه من عطرها!
قرر أن يصحب " َمرام" للقرية ويتركها سريعا، فلو التقت بـ ً"أشريا" وأخبرتها بأمر الأميرة "أونتي" ستفسد عليه حياّته، سار "كلودة" غاضبا، ماذا سيقول لـ"أشريا" لو رأته عائدا ومعه فتاة! لا بد أنها ستغضب.
كانت " َمرام" تسير خلفه في صمت وقد تعرفت ُ الآن عليه، فملامحه لم تكن ظاهرة لها عندما كانت تقف بعيدا عنه وعن "أونتي"، الآن اتضحت لها عندما اقتربت منه، إنه ذاك الشاب الذي رأته في السوق يركض مع فتاة وينادي على "أنس"، لم يترك لها الفرصة لتتحدث إليه، كان يسير غاضبا بسرعة بينما كانت هي منهكة من طول ركضها بين السهول هاربة من القصر، طالت المسافة بينهما وكانت تسير خلفه وتراه من بعيد وهو يلتفت من آن لآخر ليتأكد أنها تتبعه، كانت تناديه وهو يتجاهلها، أرادت أن تسأله عن "أنس"، وأراد هو أن يتخلص من صحبتها سريعا حتى لا ينكشف أمره.
❐❐❐
كان الجو يزداد برودة كلما تقدم "أنس" في طريقه إلى المكتبة، حيث أخبره "كلودة" أنها تقع خارج حدود القرية في منطقة نائية وحدها، تفصلها عن القرى عدة بساتين، فضل أن يركض بين كل بستان وآخر مستمتعا بمرور الهواء البارد على وجهه، مجرد شعوره بالبرد أو الألم يجعله على يقين أنه ما زال على قيد الحياة!
كانت تنتابه اللهفة إلى مغازلة الخطر، بدأ حس المغامرة يموج في صدره. قرر أن يتوغل ويغامر بشكل أكبر، لا بد أن يحتك بالناس بشكل أعمق وربما يستفزهم قليلا، كانت تلك إحدى طرقه التي قرر أن يسلكها لكي يحس معها بأنه على قيد الحياة وأن ذاك ليس حلما يعيش في أوهامه. كان شوقه لبيته وأبيه وأمه، وأخته، وجده قد بلغ أقصاه . ساعده سيره على صفاء ذهنه، وما أحوجه الآن لصفاء الذهن. مر وقت طويل وهو يتمشى في عدة بساتين، ولم تظهر المكتبة بعد!
كاد ييأس ويعود من حيّث جاء، لكنه قرر أن يجلس قليلا ويفكر بهدوء. أخرج ما بحقيبته من تمر أمده به "كلودة" قبل أن يترك بيته، وبدأ يأكل التمر وكان يحتفظ بالنُوَيَّات في كفه، برز أمامه من حقيبته الخنجر الذي أعطاه له جده، أمسكه وتفحصه بإمعان، ثم وثب واقفا يحركه ويولجه في طبقات الهواء هنا وهناكً وكأنه يقاتل شيئا ما، لا بأس ببعض اللعب أحيانا، ظل يحركه يمينا ويسارا وفي خطين متقاطعين، ثم قال بصوت مسموع وهو يحركه وهو يتذكر مواجهته للصوص وللمجاهيم:
- ليتني أعود إلى الغابة الآن بخنجري هذا!
وفجأة انبثق أمامه من حيث كان خنجره يمر في الهواء راسما خطين متقاطعين شيء يشبه الإنفجار الصغير، ثم ظهرت فجوة تدور فيها ألوان ممزوجة تموج في بعضها البعض، انثنت والتوت حروفها كما تلتوي أحرف الأوراق وصدر دوي غريب، وتبعه صوت رياح ساحبة، وكأن تلك الفجوة بئر معلقة في الهواء، كان "أنس" متخشبا في مكانه يحبس أنفاسه عندما حدث هذا أمامه، تذكر ما قاله جده عن الخنجر، وأنه سيقطع به مسافات طويلة! انحنى والتقط النويات التي كان قد جمعها بعد أن تناول التمر وألقاها واحدة تلو الأخرى داخل الفجوة وكانت تلتقمها بسرعة خاطفة، حمل حقيبته وتراجع للخلف فسارت الفجوة معه واقتربت منه، شعر بها تسحبه إلى داخلها، وابتلعته في لحظة فاختفى.
❐❐❐
سقط "أنس" على الأرض حيث التقى بالمجاهيم من قبل، تذكر ما قاله قبل أن تظهر الفجوة، أدرك أن الخنجر يفتح له فجوات لينتقل من مكان إلى مكان آخر، الآن عاد إلى الغابة، وثب قائما وركض بأقصى سرعة تجاه أشجار الياسمين التي مر بها بعد أن غادر بيت العجوز "ناردين"، وجدها أمامه فأسرع تجاهها وخر على ركبتيه أمامها يلتقط أنفاسه، بينما صاحت في وجهه:
- "أنس!" ما الذي جاء بك إلى هنا؟
- فقدت كتابي.
اقتربت منه وأمسكتَه من ذراعه، فقام معها وسارا نحو كوخها، وجلسا حيث كانت تجلس مع "مرام" من قبل، وبدأ يحكي لها ما مر ُبه بعد أن تركها ، عندما التقى بالمجاهيم ثم "كلودة" الذي عاد به للغابة ، ثم اللصوص ثم "ّأشريا" والطفلة الصغيرة، بشكل فجائي صفقت العجوز عندما سمعت منه أنه أخرج أشريا والطفلة من الغابة، بدا جليا أنها سعيدة جدا لنجاتهما، بعد أن أخبرها أنه كان في طريقه للمكتبة قالت بحزم:
- طالما فقدت كتابك، ولم تلتق بـ" َمرام"، فالأفضل أن تستخدم خنجرك وتنتقل إلى قصر "الحوراء"، لابد أن تلتقي بها.
أسرع "أنس" يسألها بفضول:
- ومن هي "مرام"؟
- محاربة كادت ترحل بعد انتهاء مهمتها لكنها دخلت الغابة خصيصا من أجلك لتحذرك، فقد بدأت رحلتك قبل أن تلتقي بـ"الحوراء" و "المغاتير".
- وأين ذهبت "مرام" الآن؟
- لا أدري... المهم، لابد أن تذهب إلى قصر "الحوراء"، هيا، قم يا فتى، الوقت يمر.
قامت تدفعه أمامها وتتعجله، ووقفت تراقبه وهو يحرك خنجره في الهواء ويقول كما قال من قبل:
- "قصر "الحوراء"
تحرك الهواء أمامه، وكأن هناك بقعة شفافة تشبه الماء تغلي وتبقبق ثم انفرجت كاشفة عن فجوة عملاقة دلفها "أنس" هذه المرة بنفسه دون أن يتراجع، كان أكثر ثقة من ذي قبل، وكان وصوله لقصر الحوراء أسرع.
❐❐❐
بثيابها المحتشمة، وحيث تجللها المهابة والسكينة، وعلى كتفيها ينسدل الوشاح الأبيض كانت "الحوراء" في ديوانها تجلس بوقار، وتنتظر ظهور "أنس"، فقد حملت لها الرياح صوته وكانت تعلم أ ّنه على وشك الوصول، انشق الهواء وأطلت الفجوة وخرج "أنس" منها وكأنه ولد من رحمها للتو، التفت ورأى الملكة أمامه، شعر بسكينة عندما رآها، وقف بثبات وجال بعينيه في المكان يتأمل سقف الغرفة الواسعة. قالت "الحوراء" بصوت حنون صاحبته ارتعاشة مميزة:
- حمدا لله على سلامتك يا "أنس"، كان من المفترض أن نلتقي بك أوًلا..لكنها أقدار هللا... أخبرني كيف هو جدك؟
- بخير يا سيدتي.
تم عنت في عينيه ثم قالت:
- لا بد أنك قلق يا بني؟
- لا تلوميني...أشعر وكأنني في حلم! لا أصدق ما يحدث!
ابتسمت بعذوبة ثم قالت بهدوء:
ُ- بعض الحقائق من فرط صدقها تبدو كحلم جميل، وبعضها من فرط قسوتها تبدو ككابوس مزعج.
ًأردف "أنس" مكملا كلامها:
- وأحيانا نحن نخلق الوهم في عقولنا ونعيشه، لا بد أن ما أعيشه الآن وهم وخيال في عقلي.
- الوهم يختلف عن الحقائق، كل ما حولك هنا ليس وهما يا بني!
- رّبما أنا أحلم، أين نحن الآن!! وما الذي يحدث؟ ما فائدة قصص قديمة كتبها أحد ما! لماذا ننبش الماضي بلا هدف. رفعت حاجبيها وقالت:
- قد نفتش عن الماضي لبشاعة حاضرنا.. وما أبشع ما نعيشه الآن!
أومأ برأسه بأدب موافقا لكلامها، ُثم سألها:
- أريد أن أعرف ما دوري هنا بالتحديد؟ ومتى سأعود؟ فمنذ وصولي وأنا ألتقي بأشخاص ولا جديد حتى الآن!
قالت بعد صمت قصير:
- في الحقيقة؛ أنت من عائلة أصيلة أبا عن جد، حتى الإناث في عائلتك سيكون لهن شأن عظيم إن شاء الله ، شقيقتك "حبيبة" مثال! مميزة جدا.
تعجب "أنس" من ذكرها لشقيقته، كاد يسألها كيف هي مميزة! لولا أنها أردفت قائلة:
( لست وحدك هنا، غيرك الكثيرون، الصقور تنقلكم إلى هنا كل عام، هناك من ينجح، وهناك من يفشل، وهناك من يتحالف مع..." ِكمشاق."
- الملك؟
انتفضت بغضب وقالت بحدة:
- ملك على نفسه، "كمشاق" ملك مملكة الجنوب فقط.
ثم سريعا ما تمالكت نفسها وأردفت بهدوء:
- هنا يا بني ستجد جانبا مظلما في مملكة الجنوب، وجانبنا الذي نرجو أن يكون هو المضيء في الشمال حيث نقف جميعا الآن، وجانبا غامضا ما زلنا نكتشف أسراره خلف أستار الغابة هنا وهناك، وجانبا لم تطأه قدم قط وذاك ربما ستكتشفه بنفسك. " ِكمشاق" ومن حوله يحاولون السيطرة على المملكة كلها. ما زالوا يحاولون إغواء كل محارب يأتي، يطاردونه، يقطعون عليه الطريق، ُيفشلون خططه لإظهار الحق ويدلسون لخدمة أفكارهم السوداء.
- ولكن! ليس كل من بمملكة الجنوب سيئين، هناك الخير يكمن هنا وهناك، أهل القرية طيبون، وربما هنا بالمملكة بعض الشر أيضا، لكنكم لا تعلمون عنه.
- حسنا، طالما أ ّنك تدرك هذا جيدا فأنت تعرف دورك، أنت ستخبرنا أين الخير وتدلنا عليه.
- وهل سأستطيع؟
- نعم، أنت الوحيد القادر على هذا بإذن الله.
- لماذا؟... ألا تقدرون أنتم؟
- ليتنا نستطيع! حاولنا من قبل ولم نتمكن، جربنا ولم ننجح.
هز "أنس" رأسه بحيرة وقال:
- لماذا المملكة هنا مختلفة! وأين موقعنا الآن.
- ستتعب يا "أنس"
- من ماذا؟
- من تكرار هذا السؤال، فأنا أيضا حيرتني تلك القصص التي كان جدك يخبرني عنها عن عالمكم، وددت أن أكون هناك، أن أرى ما يصفه عن عالمكم، بيوتكم، هواتفكم، الطائرات، السيارات، لكنني ..
- لكنك ماذا؟
أشاحت بنظراتها بعيدا ثم أردفت قائلة:
- أتعلم يا "أنس"؛ حاولنا كثيرا إرسال بعض المغاتير لعالمكم، حملتهم الصقور لكن كل محاولاتنا باءت بالفشل، إنهم يرفضون أن نتولى نحن المهمة.
- ومن هم؟
- الكتب.
- أنت أيضا تزعمين مثل جدي أن تلك األوراق تدب فيها الحياة!
هزت رأسها موافقة فقال بانفعال:
- ما زلت لا أصدق أن الكتب حية ولها إرادة!
- ألم تطر الكتب في الهواء وتلف حولك؟!
- وكيف عرفت؟
- هكذا تتعرف الكتب على المحاربين، هكذا اختارت جدك من سنين طويلة، وهكذا التقيت به لأول مرة هنا.
هز "أنس" رأسه بحيرة وقال:
- لماذا أنا؟!
- لأ ّن الكتب أدركت وهي تدور حولك أ ّنك تؤمن بشيء ما يتحدث عنه كتاب إيكادولي.
- ربما ..
قاطعته "الحوراء" وأردفت قائلة:
- اختارك الكتاب لأن صفحاته أحست بقلبك، شمت الرائحة في دمائك، هي تعرفك لأنك صدقت في نفسك شيئا احتضنته تلك الصفحات بين سطورها وأدركت أنت قيمة ذاك الشيء ومعناه.
- وما هوهذا الشيء؟
- أنت هنا لهذا السبب يا "أنس"، مهمتك أن تكتشف القيمة التي يتحدث عنها الكتاب وتدلنا عليها لنعلمها لأنفسنا وأبنائنا ونتمسك بها، الأمر ليس ظاهرا جليا بالنسبة لنا للأسف.
تذكر "أنس" كيف كانت الكتب تدور حوله في غرفة المكتبة، وكيف كانت صفحاتها تقلب بسرعة شديدة، وكيف كان شعوره عندما رأى صورته ترسم في أول صفحة. قال وهو يرجو إجابة تريحه:
- فقدت كتابي، سرقه اللصوص، فهل من طريقة لاسترده؟
على حين غفلة منهما دلف الحكيم "سامي كول" إلى ديوان ابنته، حيته بإجلال ثم التفتت تجاه "أنس" وتأملته بإمعان، وكان "أنس" شابا وسيما مليحا فاتنا تقر بالنظر إليه العيون، قالت بعد أن استقرت عيناها على القلادة التي كان يرتديها:
- ها هو "أنس" يا أبي، نفس العينين، نفس النظرة الواثقة، يشبه أباه وجده كثيرا.
قال سامي كول بعد أن أغمض عينيه:
- هذا الشبل من ذاك األسد!
تنحنح"أنس" في ارتباك وقال بتحفز:
- التماثل في الشكل لا يعنى التشابه في المستقبل والنهايات.. أخشى أنكم تظنون بي ما لست أنا بأهل له، لم أكن يوما محاربا.
أدرك "سامي كول" أن "أنس" غير مرحب بما يعيشه الآن، وأنه قلق مما يتعرض له، قال وهو يهز رأسه موافقا:
- صدقت، وربما أنت مختلف عنهما!
ُثم أردف باهتمام:
- كنت تسأل عن طريقة تسترد بها كتابك، أليس كذلك؟
- بلى
- رّبما يساعدك حراس المكتبة العظمى، عليك أن تنتقل إلى هناك، وطالما عرفت كيف تصل إلينا، لا تتردد في القدوم هنا في أي وقت، أو عندما تتعرض للخطر.
اقتربت "الحوراء" وأضافت على كلام أبيها قائلة:
- ولا تنس أن تبحث عن " َمرام"، فقد خرجت في إثرك، وقد تعرضت للخطر حيث اختطفها اللصوص في الغابة، عليك إنقاذها يا "أنس"
- ماذا! ولكن كيف وأنا لا أعرفها! ولا أعرف شكلها!
- وهي لم تكن تعلم كيف هي ملامحك عندما دخلت لتبحث عنك، وكان من المفترض أن ترحل وتعود لديارها.
- وما الذي أجبرها على الدخول!
- كان اسمك يظهر لها في كتابها من آن لآخر، فحذرها أبي من أن ترحل طالما أنك وصلت لأرض المملكة قبل رحيلها.
- ومن أي شيء حذرها؟
كان "سامي كول" ينصت إليهما بهدوء، وكان دوره أن يوضح الأمر لأنس، لكنه بدلا من هذا أخرج من أكمامه الواسعة ورقة ملفوفة ومدها نحو "أنس"، فتح "أنس" الورقة وكانت خريطة فبدأ يتفحصها بتمعن في ما رسم فيها وهو حائر، اقتربت الملكة وأشارت له على الخطوط فيها وتتبعت خطا أحمر وقالت:
- كان من المفترض أن تبدأ رحلتك من هنا، القصر أوًلا لنشرف بلقائك وتأخذ هذه الخريطة، ثم تسير في الغابة من هنا.
وتتبعت خطا أخضر موازًيا للنهر الأخضر، وقالت وهي تنقر على الجهة الأخرى:
- هنا اللصوص والمجاهيم، ويبدو أنك مررت من تلك الجهة الخاطئة.
رفع "أنس" حاجبيه وقال:
ء يبدو أنني أجبرت نفسي على الإنخراط في اللعبة بطريقة خاطئة.
غضنت "الحوراء" جبينها وقالت وهي توقع كلماتها:
- هي ليست لعبة!
ُثم أضافت:
- كان الأصح أن تسير من الجهة الشرقية حتى تصل إلى القرية، حيث تظهر أول جملة في كتابك وسط السوق، عندما تلتقي بأبطال القصة التي يحكي عنها "إيكادولي" ، ولكنك أضعت الكتاب، ونحن الآن لا نعرف من هم أبطال القصة تحديدا لأننا لا نعرف متى ستظهر أول كلماته، ولهذا عندما تسترد الكتاب عد وابدأ رحلتك من البداية واستخدم الخريطة حتى تبدأ الكلمات تنقش في الكتاب، وأما إن عثرت عليه وقد ظهرت بالفعل الكلمات ...
- ماذا؟
- ستكون مهمتك أصعب لأنك بالفعل قد التقيت بأكثر من شخصية قبل أن نراك هنا.
- أظن أن مهمتي صعبة بالفعل منذ بدايتها.
لاحظ "أنس" وجود أرقام مختلفة وعشوائية مكتوبة بلا ترتيب على عدة أماكن في الخريطة، سأل "الحوراء" وهو يشير إليها:
- ولكن ما هذه الأرقام المدونة هنا وهناك ؟
غضنت حاجبيها وقالت:
- هي شفرة خاصة بين الكتاب والمحارب المسؤول عنه، لن يفهمها غيره لا أنا ولا أبي ولا حتى حراس المكتبة... أتظن أنك تدرك معناها؟
قال وهو ينقل عينيه بينها:
- الشيء الذي ليس له معنى الآن قد يكون له معنى لاحقا!
صمتت "الحوراء" هنيهة وقالت:
- والآن، هيا إلى المكتبة، فأنت تحتاج الوقت.
حمل "أنس" خنجره وعاد يحركه في الهواء في خطوط متقاطعة، انبثقت الفجوة من جديد، وألقى بنفسه فيها بعد أن أخفى الخريطة في حقيبته.
❐❐❐
خرج "أنس" من الفجوة والخنجر لا يزال في يده، فوجد نفسه أمام بناء عظيم مهيب تحوطه الأشجار من كل الجهات، وحول تلك الأشجار وعّلى امتداد البصر كانت اًلصحراء تبسط رمالها الذهبية إلى ما لا نهاية. تقدم خطوة واًحدة وكان واثقا من خطاه يظن أن أبواب المكتبة ستفتح له وسيكون الأمر سهلا كما دلف إلى الغابة من قبل، وإلى قص ّر "الحوراء" منذ دقا ّئق ماضية، لكن الأمر لم يكن كما يخاله، فقد ّاشتدت الرياح فجأّة وكأنها تمنعه، وبدأت الرمال تتحرك وتبتلع جسد ّه وكأنها تعوقه لكي لا يتقدم، حتى اختفى نصفه الأسفل تحتها، رفع ذراعه وحرك الخنجر في الهواء وصرخ قائلا:
- بيت "كلودة"
انبثقت الفجوة والرياح تخفق بأطرافها المنثنية أمامه، ودوي الرياح يصدر صفيرا مزعجا، لم يتمكن "أنس" من القفز في داخلها فساقيه تحت الرمال، فاقتربت الفجوة منه وارتفعت كسحابة فوق رأسه وسحبته إلى داخلها بقوة فانتقل إلى بيت "كلودة" وكانت الرمال تتساقط من ملابسه على الأرض! جلس وقتا طويلا يستجمع قواه، فقد هزه الأمر وشعر أنه هالك لا محالة، أراد أن يقوم ليبحث عن شربة ماء فقد جف حلقه وفتح باب البيت حيث كان هناك شاب طويل يقف متحفزا وفي يده عصاة غليظة، فور أن رأى "أنس" ضربه على رأسه ففقد "أنس" وعيه في الحال.
❐❐❐
أفاق "أنس" فوجد نفسه ممددا على الأرض، مقّيد الساقين واليدين مّرة أخرى! وقف أمامه الشاب واضعا راحتي كفيه على خصره، كانت له عينان نابهتان وشعر مجعد، خصلاته داكنة، كّان بريق نظراته يشي بذكاء متقد ومتحفز، بدا بهيئته وإيماأته ونظراته وكأن الحياة عركته سلفا، قال ساخرا:
( كيف تجرؤ على اقتحام بيت "كلودة" في غيابه؟
( "كلودة" صديقي... سله بنفسك!
( سننتظر إذن حتى يعود.
( ولم لا نذهب إليه في دكان عطارته؟
( أوتعرف مكان الدكان؟
( أجل أعرفه.
( كاذب لأنني أعمل هناك فأنا شريكه، ولو كنت صديقه لرأيتك معه، أنت لص.
- أخبرني بالله عليك وأي شيء سأسرقه من بيت "كلودة!"
تفّرس الشاب في ملامحه وصمت هنيهة يفكر بتدبر ُثم قال له:
- ما اسمك؟ ومن أي بلاد أنت؟
- "أنس"، وأنا... محارب!
انتبه الشاب وتحرك في الغرفة بانفعال، اقترب من النافذة ومّر على السماء بعينيه النابهتين، ثم عاد ينظر لأنس وقال له:
- إن كنت محارًبا، فأين كتابك؟
- سرقه اللصوص عندما كنت مع "كلودة" في الغابة
- ألم أخبرك بأنك كاذب! من المستحيل أن يدخل "كلودة" للغابة!
- بل حدث عندما أنقذتنا ابنة عّمه "أشريا" وفكت قيودنا.
- كاذب، كاذب، كاذب.. من يدخل الغابة لا يعود، ولقد التقيت بـ"كلودة" منذ قليل وهو في طريقه للدكان.
- ولماذا لم تذهب معه؟
- لا تتذاك علي، أتيت لأجلب بعضا من الأصباغ التي أعدها لأّنه لا يستطيع العودة بتلك الفتاة التي كانت تتبعه إلى البيت هنا، فهناك من يهددها، وأظنه أنت!
- أقسم لك أنه صديقي وأننا دخلنا الغابة و"أشريا" هي التي أنقذتنا عندما فكت قيد "كلودة" بذاك المسحوق الذي أذاب الحبال.
قالها "أنس" بضيق وهو يتأفف، فقد طفح الكيل، كلما شعر أ ّنه يتقدم خطوة للأمام يتعثر في شيء ما، حك الشاب ذقنه نصف النامية وقال وهو يتفحص ملامح "أنس" بتمعن:
- حسنا، سأفك قيد قدميك وستسير معي لدكان "كلودة" ولنر ما سيقوله، وإن كنت كاذبا فستنال مني ما لم تنله في حياتك.
سحب الشاب خنجر "أنس" والذي كان قد استولى عليه وقطع الحبال التي كان يربط بها ساقي أنس، ودسه في حزام بنطاله، وسحب "أنس" وسار معه نحو دكان "كلودة" . سار الشاب يدفع أمامه "أنس" بقسوة،
إذا كان لديك قصه و تريد مني نشرها قم مراسلتي على تطبيق واتساب اضغط هنـــا
تعليقات
إرسال تعليق
إذا كان لدي أي تعليق اكتبه في الاسفل