رواية ايكادولي 6 - د حنان لاشين



- تعالي، هيا أيتها الكسولة.
- ماذا تريدين؟
- طلبتك الأميرة " ُأونتي" لتكوني خادمتها الشخصية، أنت محظوظة يا فتاة ! لولا عينك المتورمة تلك لكنت الآن بين يدي الملك " ِكمشاق"، لقد أنقذتك الأميرة.

وّقعت كلماتها بضحكة خبيثة، كانت " َمرام" تضغط على ذراعها حيث قرصتها ُالمسؤولة وهي تجذبها من ذراعها، سارت وراءها بهدوء تجاه جناح الأميرة "أونتي" وهي تحبس دموعها، أصابها الكثير من الضرب والقرص منذ خرجت من بيت العجوز "ناردين" في الغابة، لم تعتد على ًتلك العدوانية ولم تتعّرض لها خلال رحلتها مع كتابها "هيال"، كان الأمر هادئا رغم مرور أبطال قصتها ببعض المصاعب. منذ ظهور أنس هذا انقلبت الأمور كلها شقاء، أطرقت في حزن لكنها حين تذكرت أن ورم عينها أنقذها من أشنع البلاء. اطمأنت وعلمت أن لطف الله الخفي لا تجزع معه القلوب.

وصلت أخيرا حيث كانت الأميرة تقف في شرفتها وتتأمل القمر في السماء، التفتت حين دخلا عليها وابتسمت بلطف، وفور أن انصرفت المسؤولة أسرعت تجاه "مرام" ووضعت يدها بحنان على كتفها وقالت:

- هل أنت بخير؟
- بخير يا مولاتي
التفتت إليها " ُأونتي" وقالت بإشفاق:

- افتحي هذا الصندوق وتخيري ما ترينه مناسًبا لك من الملابس التي فيه.

أسرعت " َمرام" التي كانت لا تزال َتتلحف بوشاح "حليم" الذي لفها به عندما اشتراها في السوق، تعجبت "مرام" فالثياب في الصندوق لا تناسب الأميرة ولا تشبه الرداء الذي ترتديه، آثرت الصمت وسحبت رداء طويل الأكمام وسروالا واسعا وارتدتهما في الحال وخلعت الملابس الخليعة التي كانت عليها، تذكرت نظرة "أنس" لها في السوق فأصابها الحزن، ذاك الشاب ظنها فتاة سيئة، أمسكت بطرف الوشاح الذي كان عليها وبدأت تمسح الأصباغ على وجهها فالتفتت الأميرة "أونتي" وضحكت وهي تراقبها وقالت:

- أليس هذا وشاح "حليم"؟
- نعم هو، سترني به وأنا في السوق.
لاحت على وجه الأميرة ابتسامة وهي تقول: 

- كم هو شهم! لابد أ ّنه رق لحالك، عجيب أمر "حليم" هذا ! يتقلب بين حالتين وكأن النهار والليل يتعاقبان فيه!
- ماذا تعنين؟
- أحيا ًنا يكون طيبا وحنوًنا، وأحيانا يكون غليظا فظا!!، أتعلمين، لو رآك تمسحين الأصباغ به لعاقبك في الحال.
تنهدت " َمرام" وقالت:

- ما أنا فيه هو عقاب بالفعل، ليتني لم أكن يوما أنثى!
- لم تقولين هذا؟
- أجبروني على ما لا طاقة لي به، خلعوا حجابي، مزقوا حيائي، هتكوا ستري... ليتني كنت رجلا.

وانخرطت تبكي ّ بنشيج مسموع فرقت "أونتيَ" لحالها وجلست بجوارها تهدئ من روعها، ثم سألتها عن قصتها فصمتت "مرام" هنيهة وفكرت هل من الصواب أن تعرف اّلأميرة بقصتها أم لا، فضلت أّن تكتم أمر كونها محاربة، واستأنفت البكاء وكأنها لا تقدر ُعلى الكلام حتى مّلت الأميرة وعادت لشرفتها تتأمل القمر في السماء، كانت "أونتي" ساهمة تفكر في حبيبها،َ تطرق طويلا وتغرق في أحلام يقظتها حتى أنها لّا تشعر ّبمن حولها، أدركت "مرام" أن وراء تلك الأميرة سرا ما، قررت أن تتجلد وتتصبر لعلها تعينها على الهروب من ذاك القصر، كانت عينها تؤملها بشدة، بدأ جفنها يزرق وبرز قليلا، تذ ّكرت كيف كان "أنس" ينظر إليها وهو يصوب الحجر تجاهها فاعتصر الحزن قلبها وغضبت منه، همست لنفسها وهي تعدل وسادتها لتنام:

أيظنني بغًّيا تناديه! يوما ما سأنتقم من هذا المحارب الأحمق... والمغرور!

❐❐❐


- " َمرام..."استيقظي.
همست الأميرة " ُأونتي" في أذنها فانتصبت جالسة وبدأت تفرك عينيها، اعتادت على الاستيقاظ في مكان يختلف عن بيتها اّلذي ولدت فيه، اشتاقت لُغرفتها وأمها، كادت تنسًى سريرها وأشياءها الخاصة، التفتت فرأت الأميرة "أونتي" وقد ارتدت ملابسا بسيطة لا تليق بها كأميرة، سحبتها من يدها وهمست قبل أن يخرجا من جناح الأميرة الخاص بها:

- " َمرام"..اخترتك لأني أدركت من اللحظة الأولى أنك لست من ذاك النوع من الفتيات الذي يبحث عنه أخي " ِكمشاق" وغيره، وأشعر أنك لست من هذا المكان.

ُثّم صمتت برهة وعبرت على ملامح " َمرام" سريًعا، كانت طريقة " َمرام" في الكلام عندما رأتها أول مرة، وهلعها عندما ذكرت المسؤولة أمر الجواري وما يفعلنه لإرضاء الملك، ودموعها التي كانت تنساب على وجنتيها، توحي بأنها على استعداد أن تفعل أي شيء مقابل أن ينقذها أحدهم من هذا المأزق، رمقتها بثقة وقالت:

- بقاؤك هنا في جناحي مرهون بإخلاصك لي، فأنا أحتاج ملن تكتم سّري وتع ّينني، فقد سلبوني أفضل الجواري ع ّندي ومن كانت تكتم سري، وطالما أثبت ولاءك لي يا "مرام" سأحميك من كل رجال القصر.
سألتها " َمرام" بتعجب:

- ولماذا سلبوِك جاريتك المخلصة؟
- سأخبرك لاحًقا، أّما الآن فغطي وجهك وسيري خلفي.
- إلى أين؟
ُ
انطلقت "أونتي" وخلفها "مرام" تتساءل في نفسها كيف ستستطيع تلك التي ُسلبت أقرب جواريها أن تحميها! بدأ القلق يستبد بها وأكملت سيرها والوساوس تنهشها. كانت السماء ما زالت شاحبة، لا يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، انسابت بين أشجار البستان وخلفها "مرام" التي لا تدري أين تذهب بها الأميرة، بعد حين من الوقت وحيث غمر النور المكان بالتّدريج وقفتا تحت شجرة تنُتظران، وسريعا ما ظهر شاب طويل القامة وقوّي البنية، أسرعت تجاهه "أونتي" ، كانت متلهفة لرؤيته للغاية، بدأت تتحدث معه وتتبعه هنا وهناك، بدا لـ"مرام" أن الأميرة تحاول جاهدة أن تغريه وتراوده عن نفسه.
فاستدارت " َمرام" بانزعاج وكانت في حالة يرثى لها، أي سر هذا وما تلك المصيبة التي أشركتها فيها تلك الأميرة، وقفت تعتصر يديها بقلق، جاست بعينيها في السماء تسأل الله ألا يؤاخذها بما يحدث خلف ظهرها.

❐❐❐ استيقظ "أنس" وكبح تثاؤبا وهو يبحث عن "كلودة" في الغرفة، يبدو أ ّنه خرج من البيت! لم يدم انتظاره له فقد عاد سريعا، كان في حالة من النشاط وكأنه لم يكن بنفس الروح التي كانت تبكي بالسوق أمس وهي منكسرة! وكأنه قد غسل وجهه من الحزن وعاد بسحنة جديدة!
مرت ساعة الإفطار سريعا وغادرا البيت حيث ّانصرف "كلودة" إلى دكانه بينما فارقه "أنس"، فقد قرر العودة إلى الغابة ربما يلتقي بالرمادي هناك و يسأله ما مصير كتابه! أو ربما يعثر على "شهاب".

كان "أنس" يًسير وعيناه على قمة الجبل يراقب الحلقة الحمراء التي تحيطه، كان الجو باردا والرّياح قوية، من آن آلخر كان يقف ويتنصت ويراقب الطريق بحذر، بدأ يقلب كل ما مر به في رأسه، لا يدري بالتحديد كيف ستكون خطوته القادمة، فالعجوز "ناردين" أخبرته أن يحرص على كتابه ويراقبه من آن لآخر، ولكن أين الكتاب الآن!!
سكنت الرياح، وغمرته موجة من الدفء وهو يسير، لـــــــم يتخيل يوًما أنـــــــه سيبتعد عن أسرته بتلك الطريقة، ولم يخطر بباله أنه سيكون يوًما وحيًدا في عالم لا يعرف عنه أي شيء.

ظهر "شهاب" أمامه فجأة كما لو كان شبًحا، حياه بحبور ودعاه لبيته، لم يتوقف "أنس" عن الأسئلة منذ أن رأته عيناه، أخبره أن الكتاُب ّقد ُسرق منه، أخبره بأمر "كلودة" و "أشريا" والصغيرة، أنصت إليه "شهاب" ثم طمأنه، وأخبره أن الكتاب سيجده كما وجده في المرة الأولى، سارا معا على طريق معشوشبة طويلة، أطل بيت "شهاب" في نهايته فتهلل وجه "أنس"، فالبيت يبدو مختلفا عن كل ما شاهده منذ وصوله، فهو أقرب لعالمه الذي نشأ فيه، وأبعد عن تلك الأعاجيب التي يراها ويعيشها الآن. بدا "شهاب"ٌ سعيدا ومرحا مع بناته الثلاثة، حتى زوجته بدت ّ في حالة رائعة، وجه مشرق عليه مسحة طيبٍة وقسمات تنم عن نفس مطمئنة، كانت البنات ملتصقات بأبيهن، واحدة تحتضن ساقه اليسرى وكانت أقصرهن قامة، والأخرى تحتضن جذعه وكانت تبدو كأنها تكبر شقيقتها بعامين، والثالثة كانت تمسك بيده وتلك أكبرهن وأطولهن قامة، نفس الملامح، والشعر البني الحريري المجدول في ضفيرتين، حتى ألوان ثيابهن كانت متطابقة، وكأنهن نسخة تكررت وولدت ثلاث مرات في ثلاث أعوام متفرقة، قال "شهاب" بترحاب شديد:

- هيا يا "أنس"، أعدت زوجتي طعاًما شهيا، انضم إلينا.
فتح "شهاب" باب البيت واجتاز البهو ومن خلفه بناته يقفزن حوله ووراءهن "أنس"، كانت النوافذ كلها مفتوحة، والغرفة تسبح في نور لطيف، وتفوح برائحة الطعام. اقتربت زوجة "شهاب" لتضيف "أنس" وكانت قد أعدت حساء الخضراوات اللذيذ والكثير من الفطائر الشهية، جلس "أنس" بين بنات "شهاب" الثلاثة وقد أصابته عدوى السعادة، كانت لديهن كفوف صغيرة وأنامل دقيقة، ووجوه جميلة. أصواتهن الرقيقة وضحكاتهن الجزلة جعلت الابتسامة لا تفارق وجهه، التفتت إليه أكبرهن وسألته:

- ما اسمك؟
- "أنس" وأنت؟
- "جمانة"
- اسمك جميل.
ُثم التفتت لشقيقتيها وقالت بحماس شديد وهي تشير إليهما بسبابتها:

- هذه أختي "جميلة" وتلك أختي "جويرية"، نحن الشقيقات الثلاثة "ج " ... هل أنت صديق لأبي؟
ضحك "أنس" وقد أعجبته طريقتها في تقديم نفسها وشقيقتيها له وقال:

- أظن ذلك.
ابتسم "شهاب" وقال بوّد:

- هو صديقي طبعا يا "جمانة."
جذبته ابنته الصغرى من قميصه وقالت بكسل:

- ُأبي، لا تغب عن البيت كما فعلت هذه المرة، طال غيابك كثيرا.... أنا أحبك يا أبي.

ُضّم "شها ًب" ابنته إليه وغمره شعور لا نهائي بالعرفان، طالعته بعذوبة، ثم كبحت تثاؤبا ووضعت رأسها على كتفه واستسلمت للنعاس. بدأ "أنس" يتناول طعامه والسؤال يدور في رأسه، لماذا كان "شهاب" غائبا عن بيته في الفترة الماضية؟، توقع "شهاب" ما يدور في رأسه فقال باهتمام:

- خلال الفترة الماضية ُكنت أراقب "محاربة" لحمايتها.
- ولماذا كنت تحميها؟
- لأن هناك كتابا جديدا كان يولد على يديها، خشيت أن تتعرض للخطر، كنت أتدخل بطريقتي الخاصة..
تبادل "شهاب" وزوجته النظرات عندما سألهما "أنس" بهدوء:

- لماذا لا تشبهون أهل النوبة؟ أنت وزوجتك وبناتك تختلفون في الملامح ولون البشرة!

لاح شبح ابتسامة على شفتي "شهاب" وهو يقول:

- وماذا لاحظت أيضا؟
- الملابس... تختلفون عن بعضكم الّبعض، رغم ً أّنكم في مملكة واحدة ويبدو لي التناغم بينكم جليا إلا أن هناك تباينا من نوع ما، كل قرية تختلف عن الأخرى!

تبادل "شهاب" وزوجته نظرات أخرى تشي بالكثير، ولم يعلقا عّلى ملاحظات "أنس" الذي أنهى تناول الحساء وشعر بالنعاس يداهمه، تخّدر جسده وكأنه قد تناول للتو منو ما، طلب من "شهاب" أن يسمح له بالنوم لأنه يشعر بالارهاق الشديد فقاده فورا إلى غرفة أخرى، فقيلولة بسيطة قد تفيده الآن.
هز "أنس" رأسه ُثّم استلقى على الفراش متعبا وظل يحملق في سقف الغرفة ويدهً على الًحقيبّة بجواره، وكأنه يخشى أن يفقدها، ّ ومضت ساعات نام فيها نوما عميقا، ثم استيقظ ليجد نفسه تحت ظل شجرة وضوء الشمس الضعيف يتلاعب أمامه، وثب مذعورا، أين "شهاب" وزوجته وبناته! وأين البيت!!
هّز رأسه ووقف حائًرا، هل يكمل الطريق إلى الجبل أم يعود للقرية!
كانت تلك اللحظات التي قضاها وحيدا تحت الشجرة من أصعب اللحظات التي قضاها منذ وصوله، كان يشعر أن رأسه يضج بالتساؤلات، وكان أكثر الأسئلة ترددا في رأسه، كيف سيسترد كتابه؟
قرر أنس" أن يعود إلى القرية ومر على "كلودة" فيّ دكانه والذي أخبره أن زوجة عمه أرسلت إليهما ابنتها "أشريا" لتوصيهما أن يمرا عليهم في الدار لتناول طعام الغداء.

❐❐❐

خلف النافذة وحيث كان البيت يعبق برائحة الطعام الشهي كانت "أشريا" تراّقب الطريق وتتساءل، لماذا تأخر "كلودة"! كانتّ تنتظر وصوله بشغف هذه المرة، أشفقت عليه عندما تذكرت كيف كان مقيدا بلا قميص في هذا البرد، كانت تعلم أنه يحبها، في كل مرة كان يطلبها للزواج كانت ترفضه، تتمنع حتى ُيصلح من حالهّ وتبقى على أمل أن يعوّد مرة أخرى، حيرت أباها من قبل والآن ازدادت حيرة أمها التي نادتها وهي تتأمل تمايلها خلف النافذة يمينا ويسارا وتتأرجح وتشب على قدميها:


- لماذا ترفضين الزواج منه وهذا حالك!

- أمي.. كفي أرجوِك عن ترديد هذا السؤال..

- ما بال هذا الشاب الذي أحضره معه؟

- ما باله؟

- هل سيقيم ببيت "كلودة"؟

- يبدوهذا يا أمي.

ّلمحتهما "أشريا" من بعيد يقتربان، وبينما كان "كلودة" يمسح على صدره وكأنه يسكت قلبه الذي يكاد يقفز من بين ضلوعه، فهو سيكون ّبالقرب منها الآن، يتنفس نفس الهواء الذي تتنفسه، همس وعلى وجهه أطلت علامات القلق:

- سبحانك سبحانك، يا عالم السّر والنجوى!

دلفا على استحياء وجلسا بعد التح ّية بجوار أم "أشريا" ، بينمّا كانت "أشريا" تجلس بجوارها منكفئة وكأنها غير موجودة، حيث كان كل منهما يتوارى خجلا من الآخر بينما كان "أنس" يتبادل الحوار مع أم "أشريا" التي سألته:



- أنت محارب إذن يا "أنس"

- يقولون هذا يا خالة، فما رأيك؟

قالت بفٍم ممتلئ بالطعام:

- لو كنت محارًبا ما قّيدك اللصوص بالحبال!

هز رأسه موافقا وعلى وجهه ابتسامة وقال لها:

- صدقت والله!

قالت "أشريا" التي كانت تلوك الطعام ببطء:

- أتساءل حتى متى سيظل المحاربون يفدون إلى قريتنا؟

أجابتها أمها وهي تنّقل نظراتها بين وجوههم:

- لن ينقطع المحاربون عّنا طالما الدنيا تهمس بالحكايا في الغابات، وتصب الرياح همسها في آذان البشر، وطالما هناك حيوات تدون بين دفتي كتاب!

التفتوا جميعا إليها في سكون، كان لكلامها سحر غريب، انتهوا من تناول طعامهم واستأذن "كلودة" وخرج من البيت ومعه "أنس"، همس "كلودة" وهو يغلق الباب خلفه برفق وشرود:

- سبحانك سبحانك، اجبر فؤا ًدا متعبا ليس له إلا بابك.

باغته "أنس" يسأله:

- أخبرتني أنك تريد الزواج من "أشريا"، لماذا لم تتزوجها؟

عقد "كلودة" يديه خلف ظهره وقال وهو يحدق في الطريق أمامه:

- كلما طلبتها للزواج امتنعت، وكأن هناك ما يحجبها عني ويحجبني عنها.


- رّبما لهوانك هذا عندما تراها!

- أي هوان؟

- أراك منكسًرا في حضورها، إن حّدثتك ترتج كالجرس، العرق يغطي جبهتك وتتعثر في الكلمات.

- أو حقا هذا! أتعلم أنني لم أكن كذلك! كانوا يصفونني بالجريء و…

- معقول..! أنت!

أطرق "كلودة" وسار صامتا لدقيقتين ثم قال:

- أتدري يا "أنس"، وكأنك بقولك هذا رفعت النقاب عن الكثير من الكلام الذي كانت زوجة عمي تحدثني به، الكثير من الهمزات واللمزات والإشارات، لم أفطن إليها إلا الآن وكأن عقلي كان محجوبا بحجاب!

- غير من طريقتك إذن .. تجّمل يا فتى.

- كيف؟

- كف عن اللجلجة والتلعثم وأنت تتحدث إليها.

- أنا أتلعثم!!

- نعم أنت تتلعثم! تنفس بعمق وادخل مرفوع الرّأس ولا تحِنها كما تفعل، افتح صدرك واجلس معتدلا، قلل كلامك وتحدث على مهل، ليس منالضروري أن تذب كل يوّم، وحتى إن أردت السؤال عنهم فخفف وانصرف وكن عزيزا ولا تأكل إلا لو دعوك للطعام بأنفسهم، ولا تحط من نفسك عندما تحكي عن مشاكلك في الدكان، والأفضل ألا تحكيها، ولا تذهب بملابس العمل، وتطيب فالطيب رسول يقدم لك ويعطر حضورك.


- الله ! الله ! أراك حكيًما يا "أنس"، من أين لك بهذا؟!

- من جّدي الحبيب، كم أشتاق إليه!

ُثم التفت "أنس" وسأله:

- والآن..ماذا سأفعل يا "كلودة"؟ دبرني يا صديقي، كيف سأصل لكتابي؟

رفع "كلودة" يده وأشار إليه ليستدير معه وقال بحماس:

- سنرتاح الليلة ُثم نفكر غًدا.

بخطى سريعة مضى كلاهما تجاه بيت "كلودة"، كانت المسافة كبيرة بين بيت "أشريا" وبيت "كلودة"، مرا خلال الطريق على سهول واسعة تتدرج في الارتفاع وكأنها درج يرتقي نحو السماء، يعلوهّا من بعيد قصر الملك " ِكمشاق" كان القصر يبدو كالجبل تحلق فوق قمته الغربان، بينما تحيطه البساتين الخضراء الزاهية من كل الجهات.

"سبحانك سبحانك يا بديع الأكوان"

همس بها "كلودة" وهو يتأمل السهول وألوانها الرائعة، تمشى "أنس" بعينيه في السماء وسأله بفضول:

- لماذا يبدو الطقس هنا دوما وكأّنها على وشك أن تمطر؟

وكأننا دوما في نهار الشتاء، الشمس باهتة، لست واثقا أنها أشرقت، ولا تستطيع أن تنفي أنها هناك!

لم يجبه "كلودة"، فهو لا يعلم!

من بعيد لاح بيت صغير يتوسط أرضا واسعة وكأن الناس قد هجروا تلك المنطقة النائية، دلفوا حيث بدأت الهررة الصغيرة تحلق حولهما وكان "كلودة" يداعبهم بود صادق، انصرفت القطط وجلس "كلودة" مع "أنس"، وقال فور أن استقر على المقعد أمامه:

- حّراس المكتبة، رّبما يعلمون شيئا عن كتابك.

- سمعت عنهم من جدي، هل التقيت بهم من قبل يا "كلودة"؟

- نحن لا نجرؤ على الاقتراب منهم، لكنهم يرسلون إلي من آن لآخر يطلبون الحبر بألوانه، وغدا صباحا سيمر علّي رسولهم، فإن شئت أن تسأله عن الطريقة الصحيحة لاسترداد الكتاب فلك هذا.

❐❐❐وضعت " َنبرة" ا ّلكأس على الطاولة وتناولًت منً أخيّها الملك " ِكمشاق" كتاب "إيكادولي" ومرت بأناملها على الكلمة حرفا حرفا، تنهدت عندما تذكرت صورة "أنس"، أزعجها صوت أخيها عندما قال موجها كلامه لـ "حليم" بلهجة لا تقبل النقاش:

- فور أن يأتوني بالمحارب سنستدعي الكهنة وننهي الأمر في الحال.

قالت بتلعثم جعلهما يلتفتان إليها فليس من عادتها التلعثم:

- فلنسمع منه أولا، لا داعي لقتله بتلك الطريقة التي اعتاد الكهنة فعلها بالمحاربين.

كانت "نبرة" تتلذذ بمراقبتهم وهم يثقبون قلب المحارب ويكتبون بدمه المراق ما يوافق أفكارهم حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولأن "حليم" يعرف عنها هذا تعجب في نفسه وسألها بفضول شديد :

- ولماذا؟

قالت وهي تعبث بخصلات شعرها الأبنوسي وتؤرجح ساًقا فوق الأخرى:

- يبدو الشاب مسالمًا حتى الآن.

- هل رأيِته مّرة أخرى؟

- نعم، هو الآن بصحبة شاب آخر من إحدى القرى حولنا، لكنني لا أعرف المكان، لم أر علامة مميزة تكشف لي عن موقع البيت.... كما أن عنوان الكتاب مختلف، وأعجبني.

:ُثم قالت وهي تطالعه بعينيها الكحيلتين

- "إيكادولي"

ارتبك"حليم"، ظل ينظر لها راجيا لكنها لم تعد النظر إليه، ظنّها لانت له ، لكنها نهضت فجأة وهي تحتضن الكتاب، وأخبرت شقيقها الملك أنها ستحتفظ به في غرفتها حتى يأتيه اللصوص بالمحارب، كان هناك شموع تبعث الظلال على الجدران، مرت "نبرة" على عجل فتكسرت الظلال للحظة وانكســـــــــــر معهــــــــــا قلب "حليم"، لكّنه استعاد سريعا رباطة جأشه.


❐❐❐


واصل الرمادي التحليق فوق قصر "الحوراء"، كان قلًقا على زوجته "قطرة الدمع"، منذ عودتها بعد أن انقضت على اللص وهو يحاول اختطاف "مرام" في الغابة وهي في قصر الملكة "الحوراء" يطببون جرحها فقد طعنها اللص بخنجر وكاد يكسر جناحها، على الشرفة وقف "الزاجل الازرق" يراقبها وهي تستعد للتحليق مع زوجها، رفرفت بجناحيها ثم انطلقت تتحامل على آلامها حتى تنضم لشريك حياتها الحبيب، كانت "الحوراء" ترقبهما من خلف كتف "الزاجل الازرق" الذي التفت بعد أن ابتعدا وقال بإجلال:

- مولاتي، ماذا سنفعل الآن؟ " َمرام" في خطر، ولا ندري أين "أنس" الآن، كيف سنساعدهما ونحن لا نستطيع دخول الغابة، كما أن الصقور لن

تستطيع الوصول إلى قرى الجنوب إن كانا قد وصلا إليها.

صمتت "الحوراء" هنيهة ُثم قالت:

- لابّد أن تذهب ومعك "المغاتير" إلى المكتبة.

- ماذا! وكيف هذا! ومن يجرؤ؟

- لن تدخلوها ولكّنكم ستنتظرون هناك.

- ننتظر ماذا؟

- وصول "أنس!"

- وما أدراك يا مولاتي أنه سيذهب إلى هناك؟

- رّبما يذهب

- هل سمعت بالخبر؟

هزت الملكة رأسها موافقة، فقد كان هذا سرها الذي لا يعلمه إلا الحكيم "سامي كول" و "الزاجل الازرق"، فالرياح تحمل أخبار المحاربين إلى الحوراء وتهمس بها في أذنيها طوال الوقت، كانت تسمع أصواتهم، تختلط أحيانا بصوت امرأة عجوز تدعى "ناردين" لم تلتقها أو ترها من قبل، لكنها تسمعها وهي تهمس وسط الغابة، ودت لو رأتها يوما ما، لكن دخولها الغابة مستحيل! ليت الرياح تنقل كلامها إليهم، وإلى المحاربين، لكنها كانت تحمل إليها أصواتهم هم فقط دون أن تحمل صوتها هي إليهم، كانت "الحوراء" تعاني من ذاك الأمر فهي تعيش صراعات طوال الوقت، لكن الرياح تراها أهلا لحمل تلك الأمانة،غضنت "الحوراء" حاجبيها وقالت بقلق:


- توقفت الرياح عن حمل أخبار "مرام" لي، أظنها فقدت بعض امتيازاتها كمحاربة، لا أدري لماذا وكيف! ولكنها المرة الأولى التي يظل فيها محارب هنا بعد انتهاء مهمته في استرداد كتابه وقد استعادت كتابها بالفعل، أو ربما لأنهما محاربان على أرضنا في آن واحد!

- إذن هي الآن أضعف؟

- نعم، وأصبحت أخبارها بعيدة عني، لم يبق لها سوى أن تحملها "قطرة الدمع" إلى موطنها.

- وهل فقدت جميع مميزاتها؟ كلها!!

- الله أعلم ! رّبما هناك شيء ما ما زالت تحتفظ به!

- يا إلهي! كيف سنساعدها؟

- لا أدري، المهم الآن أن تنتظروا "أنس" خارج أسوار المكتبة، اسلكوا الطريق الطويل ودوروا حول الغابة من الجهة الشرقية، أعلم أنها مشقة عليكم، ولكن لا بد من الوصول إليه ليعلم أن "مرام" دخلت الغابة من أجله فتعرضت للخطر، لا بد أن يساعدها بينما يسترد كتابه.

- ماذا!! هل فقد الكتاب؟

- نعم، سرقه اللصوص منه، وهو اآلن مع شاب يدعى" كلودة"

❐❐❐


كانت " َمرام" تقف خلف الأميرة " ُأونتي" والتي جلست مسترخية وأغمضت عينيها وغرقت في أحلام يقظتها بينما كانت "مرام" تمشط لها شعرها بلطف وهدوء، ما زالت عينها تؤلمها، ربطتها بقماشة بعد أن دهنتها بدهان أمدتها به طبيبة القصر، كان الضوء يؤذيها في عينها ففضلت أن تغطيها حتى تبرأ وتختفي الظلال الزرقاء التي أحاطت بها، ترددت قبل أن تسأل الأميرة :

- لماذا لا تتزوجيه؟

انتفضت الأميرة وفتحت عينيها ثم التفتت إليها وقالت بحزم:

- اخفضي صوتك يا " َمرام"، سيقتلنا أخي لو علم بأمرنا، كما أنه لن يوافق على زواجي منه. ُث ّم عادت لحالتها وسلمتها رأسها بينما س ّلمت ما بداخل رأسها لعالم الخيال

وقالت بتهدج:

- المهم أنه يحبني وأنا أحبه.

- ولكن هذا لا يليق بأميرة، كما أنه...

- كل شيء مباح بأمر الحب

- حتى الخطيئة!

تم ّعضت " ُأونتي" وقالت بضيق تنهرها:

- لا شأن لك بهذا..لا تحشري أنفك فيما لا يعنيك!ّ

ران عليهما صمت ثقيل، كانت "أونتي" تترقب رد فعل "مرام" على زجرها لها، سريعا ما رقت لها فهي رغم أخطائها طيبة القلب تحن للبسطاء، وكانت تشفق على "مرام"، قالت بعذوبة وكأنها لم تنهرها منذ لحظات:

- الحب ليس خطيئة، الحب شيء جميل عذب قوّي كالسحر يا " َمرام"

- وهل هذا حب!

استدارت " ُأونتي" وأمسكت بذراع "َمرام" لتجلسها أمامها وسألتها باهتمام:

- وماذا تعرفين عن الحب؟ هل أحببت من قبل؟

- لا..لا

- لا يعرف الحب إلا من يعانيه، لا تتحدثي عن شيء لا تعرفي كنهه.

أشاحت " َمرام" بنظراتها عن وجه " ُأونتي" وقالت:

- تلك شهوة! لو أحّبك حقا ما استباحك إلا بالحلال!

على نحو سريع انزوت نظرة ساخطة في عيني " ُأونتي" وقالت بحزن:

- من المستحيل أن يقبل أخي أن يزوجني له، فهو شاب بسيط يكاد لا يملك قوت يومه

.- وكيف التقيتما؟

- كنت أهرب مع جاريتي وأرتدي ملابسها وأتنزه في البساتين حول القصر، فأخي كان يمنعني من الخروج، ورأيته مرات وم ّرات، وكان لأعيننا حديث ولنظراتنا اشتباكات، أعجبتني ملامحه و ّفتن روحي، كان يخشى أن يحدثني فذهبت إليه...وآه يا "مرام" من حديثه، إنه بليغ يجيد الكلام.

- طالما يحدث بينكما ما يحدث فالأولى أن تتزوجيه!

ردت " ُأونتي" بمرارة:

- مستحيل! هو يعلم أنني أميرة فقد أخبرته، والآن ليس أمامنا إلا هذا!

ثم أردفت ساهمة وهي تقول:

- أنا أعشقه، عينيه ونظراته إلي، وَنبرة صوته وهو يخبرني أنه يحبني، همساته لي باألشعار...

رفعت " َمرام" كفها وغطت أذنيها وقالت بصوت خفيض:

- لا ُتكملي أرجوِك، ذاك ليس حًبا...ما تصفيه مجرد شهوّة!! ليس من الضروري أن تدنسا الحب بأفعالكما، من الممكن أن يحبك دون أن يطفيء شمسك، دون أن يجرك في الوحل.

هّزت " ُأونتي" كتفيها وقالت:

- تلك فطرة خلقها الله فينا، لا تزعمي أّنك لا تشتهين الحب بتلك الطريقة، لن أصدقك أبدا.. كاذبة أنت لو قلت غير هذا!!

ثم رشقتها بنظرة ماكرة وقالت:

- أتعلمين، يوما ما ستقعين في الحب، وستغرمين حّد الصبابة، وسأسمع منك وقتها.. اصبري يا فتاة حتى يصيب سهم الحب شغاف قلبك.

ُثّم رفعت " ُأونتي" حاجبيها وهي تطالع عينيها، تنتظر أثر كلماتها عليها، صمتت "مرام" هنيهة ثم قالت:

- الفضيلة تتطلب إرادة قوّية، فإن وقعت في الحب يوما سأتحصن وأستعفف حتى يأذن الله، ولن أخطئ ولو كان السيف على رقبتي.

أعرضت عنها "أونتي" وهزت كتفيها وهي تبًتعد عنها، كانت "مرام" مرتبكةّ، أخًافتها الكلمات، داهمتها وساوس نفسها، أحقا ستضعف لو وقعت في الحب يوم ُما؟ هل سيجرها الحب لما لا يرضي الله رغم أنفها؟
تركتها "أونتي" وألقت برأسها على وسادتها وظلت تحملق في سقف الغرفة، وكأنها في عالم آخر بعيدا عن "مرام" التي كان ألم عينها يزداد حتى أنها بدأت تشعر بصداع شديد.
بعد نحو ساعة وبينما تفتش "أونتي" بين حليها فوجئت باختفاء عقد ثمين وعزيز عليها، خرجت من غرفتها كقنبلة على وشك الانفجار، واتجهت نحو جناح أختها "نبرة" في الجهة الأخرى من القصر...

- أين عقد أمي؟

صاحت " ُأونتي" بغضب وهي تدفع باُب جناح شقيقتها " َنبرة" والتي كانت دوما قاسية عليها، كلما رأت المسكينة "أونتي" تستمتع بشيء ما كانت تسلبها إياه، حتّى الحلوى و ه ّما صغيرتان كانت تجذبها من كفها الصغير، عندّما ماتت أمهما ظن الجميع أن "نبرة" ستحنو على شقيقتها التي تصغرها، لكنها باتت تتحكم فيها وكأنها دمية صغيرة ورثتها، ظلت "أونتي" خاضعة لها حتى بدأت تكبر، وعندما بلغت السابعة عشرة من عمرها تمردت عليها وانفصلت عنها وأصبح شجارهّما مستمًرا لولا تدخل شقيقهما ُ "ِكمشاق" الذي فصل بينهما في جناحين مستقلين حتى يهدأ القصر، تركت "أونتي" كل شيء لأختها، كانت لا تظهر في تلك الحفلات الصاخبة، تقوقعت على نفسها وملأت الفراغات بعلاقاتها مع البسطاء، كانت لها جارية تحبها وتطمئن إليها، سلبتها "نبرة" تلك الجارية منذ أيام، وها هي قد أرسلتها اليوم لتحضر لها عقد أمهما من خزانة "أونتي"، كان ذلك هو الشيء الوحيد الذي تعتز به"أونتي" فقد ألبستها أمها ذلك العقد وطلبت منها أن تحتفظ به لتتذكرها، قالت "نبرة" ساخرة منها:

- يقولون أن لديك جارية جديدة حمقاء تربط عينها بخرقة بالية، أصحيح ذلك الخبر؟ أريد أن أراها!

- أين عقد أمي؟

ر ّدت " َنبرة" وهي تتحسس العقد على رقبتها:

- ها هو... عقدك يا " ُأونتي"
استشاطت " ُأونتي" غضًبا وهرولت تجاهها وحاولت أن تنتزعه منها، لكن "نبرة" غرزت أظافرها في ذراعها وأبعدتها بعنف قائلة لها:

- العقد لا يليق بك، اتركيه.

التفتت " ُأونتي" تجاه جاريتها التي طالما وثقت فيها وأحّبتها، ورمتها بنظرة تقطر لوما وعتابا، وخرجت من الغرفة والدموع تترجح في مقلتيها.
بعد ساعات من تلك العاصفة بينهما وحيث كانت "أونتي" غارقة في أحلام يقظتها أمام شرفتها كعادتها، دلفت الجارية على عجل وهمست معتذرة إلى أميرتها، كان الندم باديا عليها وهي تعتذر منها، احتضنتها طويلا وكانت "مرام" تراقبهما في صمت. وقفت "أونتي" وهي تسترجع ما فعلته به أختها "نبرة"، خرجت غاضبة لتسترد العقد من جناح أختها، دلفت فإذا الغرفة خالية فقد ذهب الجميع إلى ساحة القصر حيث كان الضجيج مرتفعا فهناك حفل كبير سيمتد حتى تظهر الخيوط الأولى لأشعة شمس الصباح، فتشت عن العقد فلم تجده فأدركت أن أختها ما زالت ترتديه. كادت تنصّرف لولا أن عينيها علقتا بغلاف ّ كتاب يستقر على أحد رفوف خزانة أختها، مدت يدها وأم ّسكته وتسارعت دقات قلبها عندما قرأت عنوانه، "إيكادولي" ...أحبك، تصفحته فوجدت صفحاته خالية، تعجبت لخلوه من الكلام، لكنها ظنته شيئا خاصا بأختها، وطالما أخفته في خزاتها فهو عزيز عليها، وتلك فرصة لكي تقهرها، أعجبها أن يكون هدية منها لحبيبها، هو بارع في الكتابة ويستطيع أن يكتب قصًة حبهما هنا، ّأخفته تحت ثيابها وعادت لغرفتها وشرع ّت تصنع منه شيئا مميزا وخاصا، قُصت أطراف ضفيرتها ووضعتها في داخله ثم أغلقته ووضعته تحت وسادتها، ثم ذهبت لتهمس في أذن "مرام" التي كانت متكورة على الأرض في ركن الغرفة ًووجهها موجها للحائط حيُث كانت تنام بجوار فراش الأميرة وتحت قدميها تماما كالليلة الماضية، أخبرتها "أونتي" أن تستعد فهي ستوقظها بعد طلوع الفجر لتصحبها للمرة الثانية للقاء حبيبها، ثم سلمت رأسها للوسادة حيث بدأ التحديق مرة أخرى في سقف الغرفة، وغرقت سريعا في أحلام يقظتها، بينما كانت "مرام" تبكي وتخفي عبراتها وتدفنها في وسادتها، لولا عبرات خفية لانقطعت الأنفاس.

في مكان آخر وفي طرقات القرية، كان "أنس" يسير بجوار "كلودة" حيث مّرا أّمام بيت "أشريا"، هدأ "كلودة" من خطواته، والتفت ّتجاه"أنس"، كاد يخبره أنهما سيمران على بيت عمه ليطمئن على "أشريا"، ود أن يكون ولو للحظة بالقرب من ابنة عمهّ الغالية والتي ملكت فؤاده، لم يكن جائعا كما تظن زوجة عمه أحيانا! تذكر ما أخبره به "أنس" من نصائح جده لكي يكون مرغوبا من الناس، قرر أن يخفف من زياراته، وأن يكون عزيزا، أسرع بخطواته ورفع رأسه وفتح صدره، ابتسم "أنس" وهو يتابع مشيته، همس "كلودة" بعد أن ابتعدا عن البيت وقد عاد يسير متكورا على نفسه بانكساٍر:
- سبحانك سبحانك، يا من وسع ملكه ارحم من ضاق صدره!
كانت "أشريا" تقف خلف النافذة حيث كانت تراقب الطريق وتشب على قدميها لتتابعهما، تأرجحت بقامتها القصيرة على نحو خفيف، لم يمّر "كلودة" كعادته! ما الذي تغّير فغّيره عليها!



✍حقوق الطبع و النشر خاص بمدونة الأقلام الذهبية©


إذا كان لديك قصه و تريد مني نشرها قم مراسلتي على تطبيق واتساب اضغط هنـــا

تعليقات