رواية ايكادولي 5 - د حنان لاشين



هدأ اَلهواء وجمع ضحاياه من الأغصان المتناثرة في أكوام ّتحت الأشجار، انتزعت "مرام" نفسها من أفكارها وبدأت تسّير في الغابة، لابد أن تسرع حتى تتمكن من الوصول لـ"أنس" قبل أن يحل الظلام، وتعود به إلى قصر "الحوراء"، كانت رائحة زهور الياسمين تفوح باردة وتفرش مخمل عبيرها لأقدام "مرام" وهي تسير بلطف فوق الحشائش، لم تكن تلك المرة الأولى التي تسير فيها بتّلك الغابة، باُتت تعرف الطريق إلى بيت "ناردين" ً فقد التقت بها من قبل، لكنها بالطبع لم تحط بكل أسرار الغابة. حذروها دوما من اللصوص في الجهة الغربية من النهر، لكنها لم تسلكها يوما ولم تعبر النهر، كانت تعقد ذراعيها أمام صدرها وتضع كفها الأيمن تحت إبًطها الأيسر والعكس بالعكس، فالبرد شديد وحاد هذا اليوم، وصلت سريعا لذاك الكوخ الذي تسكنه "ناردين" مًنذ سنوات، كم تشفق على تلك العجوز فهي تذكرها بجدتها، كان الكوخ هادئا هدوءً المقابر ًعندما وقفت أمامه وأخرجت يدها من تحت إبطها لتخفق الباب خفقا ضعيفا، فتحت "ناردين" باب الكوخ ونظرت محدقة في عينيها بذهول قبل أن تقول:


- " َمرام"!! أما زلت هنا؟! 
- كيف حالك يا جّدة
- تعالي يا حبيبتي فالرياح باردة.

دلفت "َمرام" وهي ترتجف، دثرتها العجوز بثوب مرّقع من الصوف كانت تتخذه شالا تدفئ به كتفيها. كان من المناسب لـ"مرام" الآن أن تجد شخصا متعاطفا تبثه أساها، وكانت تعلم أن العجوز ستحن عليها كعادتها وستسمع لها وتحتويها كما فعلت من قبل، قالت بعد أن رشفت من القدح الذي سكبت لها العجوز فيه بعضا من الحساء الساخن:

- أحتاجه بشده فالبرد ينخر عظامي.

وضعت العجوز يدها على كتف "َمرام" وسألتها بصوت خفيض:

ء لماذا لم تعودي للديار يا "ًمرام" ّ؟ من الخطر أن تبقي هنا ً، فقد انتهت مهمتك وصرت الآن أكثر ضعفا عما قبل، ستكونين صيدا سهلا يا ابنتي!
- ليس بيدي...إّنها مهّمة أخرى كلفتني بها "الحوراء."
- مهمة أخرى...! وما هي؟
- شاب جديد وصل اليوم ودلف إلى الغابة قبل أن يلتقي بالمغاتير وكما تعلمين لا يستطيع أحد من أهل مملكة الشمال الدخول إلى هنا، طلبت مني الملكة اللحاق به لأنبهه.
- أتقصدين "أنس"؟
- بلى ... هل مّر بك اليوم؟
- رحل منذ ساعة، لقد كان مشغوًلا بأمر "شهاب"، كان يركض خلفه.
- لماذا لم تنبهيه أنه لا بّد أن يلتقي بالملكة والمغاتير أولًا؟
أشاحت العجوز بنظرها بعيًدا عن وجه " َمرام" وتنّهدت بعمق ُثّم أغمضت عينيها وقالت بهدوء شديد:

- لقد ركض خلف حدسه، هو ليس من ذاك النوع الذي ينتظر أن يملي عليه أحدهم ما يفعله، لن يستطيع التراجع وليس له أن يخطو خطوة واحدة إلى الخلف!
ُثم صمتت قليلا وكأنها تقتنص فكرة وأضافت:

- لا تقلقي فقد أخبرته بالقليل عما سيفعله، وسيكفيه ليؤدي مهمته.
زفرت " َمرام" بأسى وقالت:

- وددت أن أعود للديار، أخشى مما أخبرني به الحكيم "سامي كول"
- وبماذا أخبرك الحكيم؟
- سأحكي لك كل شيء…

بدأت " َمرام" تصف للعجوز "ناردين" كيف كان يتكرر ظهور اسم "أنس" في كتاب "هيال" من آن لآخر، طقطقت النار تحت القدر وتصاعد الدخان مًن تلك الفتحة التي تعلوه فانبثقت من سقف الكوخ سحب الدخان مشكلة جبلا مقلوبَا من تموجات في السماء، مالت األشجًار تنصت للحكاية، وكأنها تهتم لأمر "مرام" وذاك المحارب ًالذي بدأ رحلته منقادا وراء حدسه ومتبعا لشخص لا يعرفه، مر الوقت سريعا وكان لا بد من المضي في الطريق حتى لا يداهمها الليل وهي وحيدة في الغابة، ودعت العجوز في تلك اللحظة التي اقتربت منها "قطرة الدمع" وبدأت تحلق قريبا منها لتؤنسها، كانت تلك هي أنثى الصقر التي حملتها إلى ذاك العالم الغريب هنا.

قاومت " َمرام" شعورها بالحنين لبيتها واحتياجها الشديد لأّمها وانطلقت تتحًسس جذوع الأشجار وهي تسير وكأنها تسلم عليها واحدة تلو الأخرى، عبرت جسرا صغيرا وهي شاردة ولم تنتبه لدخولها للجهة الغربية من الغابة، لما أدركت عادت سريعا لتعدل مسارها، تناهى إلى سمعها صوت صهيل فاستدارت تجاه الصوت، على حين غفلة منها وثب رجل ضخم الجثة له وجه مثقوب بعينين ضيقتين تحتهما أنف عريض مفلطح وفم متكور كفوهة بركان ينفث غضبا، كمم فمها ب ّكفه الغليظ وأحاط جذعها بذراعه الأيسر وحملها وهي تقاوم وتصارع، انضت" قطرة الدمع" على الرجل وبدأت تنبش رأسه بمخلبيها بينما تفلتت "مرام" من بين ذراعيه وهربت، ا ّنزلقت وهي تركض فأسرها رجل آخر وعاملها بصلف وقسوة، لطمها أولا ثم ضربها على رأسها ففقدت الوعي، كان مقيتا له سحنة شخص خارج مُن قبره للتو، عاد الرجل الضخم ورأسه تقطر دما وركلها بقدمه في غيظ ثم حملها على َحصانه وانطلق الاثنان خارجين من الغابة ومتجهين نحو القرية، لقد وقعت "مرام" في أسر تاجر للرقيق، عادت "قطرة الدمع" لتخبر الملكة بما حدث، وبقيت "مرام" ملقاة على أرض في غرفة مكتظة بالفتيات. أفاقت بصعوبة وأمسكت برأسها، همهمت ببضع كلمات غير مفهومة وسرحت نظراتها للحظات وهي تحس بانقباض لا تدري مصدره، وأخيًرا استوعبت ما حدث لها فندت منها صرخة قصيرة جعلت كل من بالغرفة ينظر إليها.

❐❐❐


الكثير من القدور الكبيرة الممتلئة بالماء الساخن، بعض المناشف ملقاة هنا وهناك، المكان يعبق برائحة عطور مختلطة، و امرأة شقراء تجلس في ركن تزين وجه فتاة بالأصباغ. هنا يعدون الفتيات قبل أن يعرضوهن في السوق للبيع، أحيانا في بعض القرى ينتهي الأمر بموت من يسرقونهم من العبيد على حدود قريتهم وبالتحديد عند الحاجز الحجري المحيط بها، وهم لا يعرفون السبب! هذا ما يتناقلونه من قديم الزمان، ولهذا كان اللصوص يسرقون الفتيات من الغابة والبساتين حول القرى، لأنهن خرجن بأنفسهن وتخطين ذاك الحاجز الحجري بأمان للتسكع أو للقاء حبيب ربما وسيعدن في وقت لاحق، وكانت "مرام" صيدا سهال في الغابة.
بوجه ممتلئ مستدير، وبعينين مكحولتين بإتقان، وشفتين أغرقهما الصبغ الأحمر وكأنها التهمت فريستها للتو وقفت امرأة ممتلئة القوام تتأرجح في مشيتها أمام "مرام" تتفحصها وكأنها تتفحص طيرا قبل أن تشتريه من السوق، لكزتها بقسوة ثم جذبتها من ذراعها وقالت بغيظ:

- هيا أيتها الحمقاء اخلعي ملابسك.

حدقت " َمرام" فيها بعدم استيعاب وقالت بخوف:

- لن أخلع ملابسي... اتركيني.

جذبتها المرأة من شعر رأسها وقالت وهي تزمجر:

- كفي عن الكلام واخلعي ملابسك لتستحمي وإّلا مزقتها أمام الجميع، يبدو أنك من قرية "الرباب" فأنت تشبهينهم.

صاحت إحداهن بصوت رقيع:

_ لاشك أنك كنت تلتقين بعشيقك في الغابة، أيتها الخبيثة !

رواية ايكادولي - د حنان لاشين
تلفتت "َمرام" حولها وهي تضع كفيها فوق بعضهما على صدرها، كانت ترتجف، في حركة عصبية سريعة أمسكت مرام بإبريق نحاسي قريب منها وسكبت الماء على رأسها وبدأت تستحم بملابسها، رفعت المرأة حاجبيها وقالت في تهكم تشوبه مرارة وهي تكز على أسنانها:

- يبدو أنك حمقاء... حمقاء

مطت المرأة كلماتها وهي تسّبها ورفعت صوتها بينما استمرت " َمرام" في سكب الماء على رأسها بيد مرتعشة، كانت في هلع وخوف من أن يلقوا بها في أحضان رجل حقير يفترسها، أطرقت للحظة تفكر أين المغاتير وأين الصقور وأين هؤلاء الذين كانوا حولها خلال الأيام الماضية، وكيف لا يعرفها أحد هنا، كادت تصرخ وتقول أنا محاربة، لكن...أي محاربة هي الآن!! علت ضحكات البعض وهم يراقبون " َمرام" وهي تتحمم بملابسها، ألقت بإلابريق عليهن، وبدأت تصرخ عليهن، تشابكت مع بعضهن بالأيدي تارة، وبساقيها كانت تركلهن تارة، لكنها كانت تنال منهن ما لا تطيقه، بعض الصفعات والركلات والقرصات، عضتها إحداهن في ذراعها، وضربتها أخرى على ظهرها بقسوة بالغة، جذبوا غطاء رأسها فانساب شعرها على كتفيها،
وقفت المرأة أمامها تغلي كالقدر، كادت تلطمها لولا تلك المرأة طويلة القامة بملابسها السافرة وشعرها الأحمر التي اقتربت منهن وهزت رأسها بثقة وهي تطالع عيني المرأة البدينة وقالت بصوت شابته رنة دلال مصطنعة:

- اتركيها لي، لن تفلح تلك الطريقة معها فلديها بعض الكبرياء، سأجهزها بنفسي.

استدارت المرأة وغادرت المكان في تبرم بعد أن نالت "مرام" حظها من نظراتها البغيضة، وقالت ولسانها يقطر حقدا:

- فلتكسري ذاك الكبرياء.

وتركتها بين يدي تلك المرأة التي أحاطتها بمنشفة كبيرة وهمست في أذنها بحنان:

- تعالي يا صغيرتي، تعالي معي.

❐❐❐                   


كانت الغرفة تسبح في هدوء غريب، الكثير من الملابسّ المزركشة معلقة هنا وهناك وكأنه معرض كبير، بخطوات واثقة تحركت المرأة بقامتها الطويلة وسحبت رداء شفافا واقتربت من "مرام" وقالت بصوت متهدج:

- خذي هذا الثوب وارتديه سيزيد جمالك، فلونه يناسب لون بشرتك.

رفعت " َمرام" عينيها في انزعاج وقالت:

- لن أرتدي هذا الثوب المهين، سأظل بملابسي.

ضحكت المرأة بخلاعة وقالت لها وهي تربت على طرف الفراش:

- اجلسي يا فتاتي واخبريني بقصتك، من أين أنت؟
جلست مرام بتحّفظ على طرف الفراش وقالت بثقة:

- أنا محاربة! 

ران عليهما الصمت لوهلة قبل أن تنخرط المرأة في موجة ضحك هستيري بطريقة مبتذلة، ظلت "مرام" على حالها تقبض على طرف المنشفة فوق ملابسها المبتلة وتراقبها في توتر، بّعد حين خرجت المرأة وعادت بكوبين من الفخار تتصاعد منهما الأبخرة، مدت أحدهما لـ"مرام" وقالت بصوت أكثر هدوأ مما كانت تتحدث به سابقا وبدت جادة ومنضبطة وهي تقول:

- كلهن حمقاوات، لا يعلمن قدرك، تناولي هذا يا حبيبتي سيدفئك، وسأحضر لك الملابس التي تليق بك، يبدو أنك فتاة نبيلة.

كانت " َمرام" ترتجف لا تدري خوًفا أم بر ًدا، أمسكت بالكوب واحتضنته بكفيها وأغمضت عينيها لتسمح بالأبخرة المتصاعدة منه بالمرور على صفحة وجهها البريء، رشفت ببطء وقد بدأ الدفء يدب في أوصالها، شعرت بحرقة خفيفة في معدتها وشيئا فشيئا بدأت الأصوات تختلط عليها، ضحكات متواصلة وأيدي تتلقفها، تلك المرأة الطويلة تمسك بذقنها وتنظر إلى وجهها، بدت ملامحها غريبة وهي تتحدث بلؤم وترفع حاجبها الأيسر وتسألها إن كانت تحب أن تصبغ لها شعرها هي الأخرى باللون الأحمر، أرادت "مرام" أن ترد لكن صوتها كان محبوسا بطريقة ما!


رائحة غريبة لا تدري أهي لعطر أم نوع من البخور بدأت تتسرب إلى خيشومها، ّ طعم غريب لشيء لزج على شفتيها، دهان من مسحوق ناعم على كفيها، حلي تصدر صوتا تلفها إحداهن حول عنقها، كان الشراب يحتوي على مسحوق نوع من المخدر جعلها في حالة من عدم الاتزان مما سمح للنساء بتهيئتها بما رغبوا في إظهارها به، تستحق بعض النفقة والزينة فحسن عرضها سيجعلها تباع بسعر عا ٍل وسيعود عليهم هذا بالكثير. وأخيرا نقلوها في عربة مع باقي الفتيات وهي تترنح، استقرت أخيرا وسط السوق بجوار الأخريات على أبسطة مزركشة وتحتهن الوسائد الحريرية، وحولهن الحراس يصدون عنهن الأعين الحقيرة والأنفس الجائعة، إن أردتها فادفع الثمن أولا! وقف زعيم تلك العصابة ينادي لبيعهن، بدأت تستعيد وعيها تدريجيا، وتحسست جسدها المتكشف وأرادت أن تصرخ، أن تبكي لكن أثر المخدر ما زال يسري في دمها...

❐❐❐                              

هس.. هسس.. همست بها فتاة صبيحة الوجه من خلف الأشجار، كان "كلودة" يغفو فتسقط رأسه تارة يمينا، وتارة يسارا، ما زال القيد يؤمله. لم ينتبه إليها إلا عندما تحركت وسارت على أطراف أصابعها وتقوقعت خلف ظهره ثم بدأت تلكزه بيدها حتى ينتبه لوجودها، قال متفاجئا:

- "أشريا!!" ما الذي أتى بك إلى هنا! هل أنت مجنونة؟ كيف تدخلين الغابة!!

كانت الفتاة ذات نظرة متقدة كلها ذكاء، همست قائلة:

- تأّخرت يا "كلودة" ، كان من المفترض أن تكون بالبيت منذ ساعات.
- كيف وصلت إلى هنا؟
- أتيت وحدي، ُكنت أتبعك أمس وأنت في حانوت الكتب، ورأيتك مع ذاك الشاب وأنتما تدخلان الغابة، فجلست مع النساء في قافلة تجار خرجت من قريتنا حتى أطمئن أنك عدت، تابعوا سيرهم فسرت معهم حتى حدود الغابة، ودلفت أفتش عنكما، أنتما بالكاد على أطرافها، عثرت عليكما سريعا ورأيت القيد على يديك وكنت قد أتيت بذلك المسحوق لأحمي نفس ي إن هاجمتني تلك الذئاب فألقيه على أعينها.

رفعته ليشّمه فغضن حاجبيه وهمس ينهرها قائلا:

- ابعديه عن يديك، إ ّنه حارق يا "أشريا"، قد يؤذيك يا مجنونة! 

لم يلمها على إلصاق المسحوق الحارق بأنفه، فهو يخشى عليها أكثر ممــــا يخشى على نفسه، سكنت ّالفتاة للحظات خلف ظهر "كلودة" ورمقت أنس" بعينيها النابهتين، وعندما تأكدت أن الحراس غارقين في النوم فتحت كيسا من الجلد كانت تضع المسحوق فيها، كان المسحوق لنوع من الأحجار التي يجمعها "كلودة" من الكهوف التي تمأل الجبال، ويسحقها ويضعها في قارورة كبيرة ويغلقها بإحكام، طالما حذرها منها، أخبرها ألا تقرب منه الماء لأنه يفور وربما يأكل بشرتها لو لامسته بأصابعها، نثرت الفتاة بعض المسحوق على الحبال التي قيدوا "كلودة" بها، ثم أخرجت قربة ماء صغيرة كانت تحملها، سحبت بعض الماء بفمها وعادت ًفلفظته ببطء من بين شفتيها فوق المسحوق المنثور على الحبال، تراجعت قليلا وجلست بوجه ما زال رغم أنوثتها الظاهرة يحتفظ باستدارة الطفولة وتعبيراتها البريئة تراقب ذاك الفوران الذي يحدث ثم تفتت الحبال وذابت أمام عينيها، سحب "كلودة" يديه سريعا ووقف يتفحصهما، ظن أن الفتاة ستؤذيه بقلة خبرتها، لكنها كانت ذكية وأجادت تقليد ما رأته يوما يفعله، فهي تراقبه دوما وتتعلم منه، همس وهو يحدق في وجهها:

- حمدا لله أ ّنك جئت يا "أشريا."

ثم همس مسّبحا:

- سبحانك سبحانك يا من تدبر الأمر من السماء إلى الأرض!

أسرع "كلودة" يفك قيد قدميه، وساعد "أنس" على فك قيده، هرول الثلاثة مبتعدين بعد أن سحب "أنس" حقيبته وما فيها عدا الكتاب الذي سرقوه ولم يكن موجودا، كانت القلادة لا تزال حول عنقه، وكان قّد وضع المفتاح مع قطع الكريستال في الكيس الجلدي الصغير، فتحه لّيتأكد من وجودها فلا ريب أن اللصوص طمعوا فيها وأغراهم بريقها لكنه فوجيء بتحولها إلى قطع من الفحم الأسود!

ساروا لمسافة غير بعيدة عندما ّ تذ ّكر "أنس" خنجره المذهب، كيف سيكمل رحلته بدونه وقدّ أوصاه جده أن ينتبه لكل شيء أمده به لأنه سيحتاجه، للحظة تردد لكنه قرر في النهاية أن يعود لإحضاره رغم اعتراض "كلودة" و"أشريا"، على مقربة من المكان بحيث يتسنى لهم الهرب سريعا في أي لحظة وقفا يراقبانه خلف الأشجار، كان "أنس" يسير بحذر شديد وهو يكتم أنفاسه، نجح في سحب الخنجر من حزام أحدهم وتحرك ببطء حتى لا يوقظه، لكنه تعثر بساق الآخر وسقط فوقه، صرخ الأخير فزعا و كاد يمسك ب"أنس" الذي وثب واقفا وباغته بضربة على صدره ُثّم لف جذعه بذراعيه وقلبه على الأرض فصرخ فاستيقظ البقية فزعين وأمسك اثنان منهم بـ"أنس"، لكن "كلودة" قفز بخفة من بين الأشجار ونثر باقي المسحوق الذي أحضرته "أشريا" على عين أحدهما فذاب في ماء عينيه وبدأ يحرقه فترك ذراع "أنس"

وبدأ يصرخ أملا ويقفز هنا وهناك وهو يفركها بيديه، وركل "أنس" الآخر في ساقه بكل ما أوتي من قوة وانطلق الثلاثة هاربين يتبعهم اللصوص. 
ركضوا بين الأشجار ُثّم عبروا فوق جسر صغير حيث كان ماء النهر الأخضر يجري تحتهم، فور أن عبروه للجهة المقابلة وقفت "أشريا" وندت منها صرخة مكتومة! كانت هناك طفلة رضيعة ملفوفة بخرقة ومعلقة في غصن شجرة أمام أعينهم، تركل بقدميها الدقيقتين في الهواء، وتحرك كفيها كما الفراشة فتهز الغصن.
صاح "أنس:"

- معقول! أي أم تلك التي تفعل هذا!

غرقت "أشريا" في موجة بكاء عنيف واستمرت تبكي بنشيج مسموع بينما كان "أنس" يحل عقدة الخرقة ويساعده "كلودة" الذي التقط الرضيعة بعينين تهميان بالدموع وقال بصوت مزقه الحزن:

- وأي أب!

كانت رائحة العسل تفوح منها، على نحٍو سريع تلفتوا يمينا ويساًرا باحثين عن أي أثر لمخلوق حولهم، ولما لم يعثروا على أحد! انطلقوا راكضين بأقصى سرعة وكانت "أشريا" تحمل الصغيرة في حضنها، كادوا يخرجون لولا أن قبيلة "المجاهيم" ظهروا مرة أخرى، كان"أنس" يراهم يتواثبون من تحت الأرض ويصطفون بجنب بعضهم البعض حتى أحاطوهم من كل جانب، بدا وكأن "كلودة" و"أشريا" لا يرونهم! خرج "كلودة" أولا فقد كان أسرعهم ركضا، وفجأة اقترب أحد "المجاهيم" من "أشريا" ووقف أمامها ثم قبض على عنقها بيدّيه فخرتّ على ركبتيها وبًدأ وجهها يزرق وهي تمسك رقبتها وتحاول الصراخ لكنها لا تجد صوتا ولا نفسا يعينها، كادت تسقط على وجهها فوق الصغيرة، لولا "أنس" الذي خلع قلادته ووضعها حول عنقها هي والصغيرة حيث أحاطهما بحبلها المجدول ودفعهما بقّوة خارج حدود الغابة حيث كانت "أشريا" تقف بأقدامها فوق الحاج ًز الحجري فسقطت على الأرض وبدأت تسعل وشهقت بينما قفز "أنس" سريعا وتخطى الّحاجز الحجري ووقف يلتقط أنفاسه وقلبه يكاد يثب من بين أضلعه ًوظل يحدق في وجه أحد "المجاهيم" والذي كان يقف داخل حدود الغابة مشيرا إليه بتوعد فقد خدعهم وأخرج "أشريا" والصغيرة من الغابة بذكاء.

بدأت الصغيرة في البكاء فهزتها "أشريا" بحنان و أخذت تحضنها وتغطيها بخمارها، ا ّستعاد "أنس" القلادة منها وارتداها وهو يتلفت ويراقب "المجاهيم" وهم يصطفون على أطراف الغابة من الداخل. اتجه الثلاثة إلى القرية ركضا حيث التقوا ً بقافلة تجارية كبيرة، تعرف أحد التجار على "كلودة" فحياه وأعاره قميصا يرتديه، فطلب "كلودة" على استحياء قميصا آخرا لـ"أنس"، وساروا في حمايتهم حتى دلفوا القرية بأمان، وجلسوا ليلتقطوا أنفاسهم.

ران عليهم صمت خفيف قطعه ظهور وجه قبيح لرجل أشعث امتلأ وجهه بندبات جروح عميقة وله نظرة تخلع القلب، فور أن لمحه "كلودة" وثب في مكانه وركض مع "أشريا" وهي تحتضن الصغيرة، وخلفهما "أنس" تجاه سوق القرية، كان أحد اللصوص الذي ظل يطاردهم حتى أحاطتهم أمواج البشر المزدحمين حول البائعين، غابوا عن عينيه فتراجع وهو يسب ويلعن.

وصلوا أخيًرا إلى دار أم "أشريا"، فتحت "أشريا" الباب بهدوء، كانّت الصغيرة قد سكنت في حضنها، واستسلمت للنوم بينما كانت"أشريا" تشمها وتلثمها على جبينها فاستيقظت الصغيرة وبدأت تصرخ، قالت في نفسها طالما تفوح منها رائحة العسل فهي تحبه، أحضرت أشريا" العسل وغمست إصبعها فيه، وأطعمتها بعضا منه فشبعت وهدأت وابتسمت، ثم هرولت بها نحو أمها العجوز وفتحت باب غرفتها فأجفلت! كانت العجوز تبكي بنشيج مسموع وعيناها محتقنتان من كثرة البكاء، وضعت "أشريا" الصغيرة في حجرها بهدوء، وقصت عليها ما حدث، صرخت العجوز في وجهها بفزع شديد وطلبت من "كلودة" أن يخرج بالصغيرة من الدار!!

وقفت "أشريا" تتعجب من رد فعل أ ّمها التي عادت للبكاء الذي أدمى عينيها فصارت لا ترى وجه ابنتها "أشريا" وهي تقف أمامها.
خرج" كلودة" مهموما وسار في الطرقات يحملها، ربطها حول صدره وكــــــانت كّلما التقت عيناه بعينيها الصغيرتين تهش له وتبتسم، وقف وسط السوق وصاح:

- عثرت على تلك الصغيرة بالغابة، وأنا سأربيها وأحتاج العون


نال من الهمز واللمز ما لم ينله من قبل، واتهموه بالسوء، لكن الله ألقى الرحمة في قلوب البعض. احتضنها "كلودة" و َكّور جذعه عليها ليحميها من الحجارة التي قذفه بها البعض، كان "أنس" يدفعهم ويصيح عليهم متعجبا من فعلهم هذا!
ُثم رفع نظره إلى أهله فجأة، بكي "كلودة" وانهار وكأنه قد فقد كل السماء وقال:

- سبحانك سبحانك، يا رحيم يا ودود.
ُثم أكمل بصوت تخنقه العبرات:

- وما ذنب الصغيرة... وما ذنب الصغيرة!

خرجت امرأة ثلاثينية من بيتها وعليها ثياب ملطخة بالطحين الأبيض، وخلفها تهرول طفلتان صغيرتان، سارت بخطوات ثابتةُ وهي توزع نظرات تحمل الكثير من التحدي لمن تجمهروا حول "كلودة"، ثم نظرت للرضيعة وحملتها منه وبدأت الدموع تجري على خديها..

- سأرضعها.. لا تخف عليها.

قاًلتها بصوت واثق وهي تحتضنها، كانت تلك زوجة الخباز، وكان رجلا بسيطا قد أحسن إليه "كلودة" من قبل، وكانت تحفظ وزوجها له الجميل، أخبرته أن يتركها في دارهم طوال النهار، ويعود ليأخذها لتبيت معه ليلا.

- سبحانك سبحانك، تسخر من خلقك من تشاء لمن تشاء!

قالها وهو يتركها بين يديها، كانت َنبرة صوت "كلودة" تقطر حنانا وحبا وحزًنا في نفس الوقت، تجول "أنس" في ملامحه التي تطفح بالحزن وقال وهو يمسح على رأس الصغيرة بينما زوجة الخباز تحملها:

- جميل ما صنعتِ، أحسن الله إليكِ كما أحسنتِ إليها
رفع "كلودة" صوته وسط السوق وقال وما زالت الدموع تسيل من عينيه:

- سبحانك سبحانك، لولا العبرات النقية والّأنات الخفية لهلكت الأنفاس.

انصرفا وتركا الصغيرة مع زوجة الخباز، بدا "كلودة" حزيًنا منكسرا!
كان "أنس" يتساءل عن حال ذّاك الشاب! وهل هو ناسك عابد؟ أم مريض؟ أم عاشق ولهان يحب ابنة عمه بشغف!
سار خلفه لمسافة طويلة صامتا حتى وصلا إلى بيته، قال "أنس" وهو يمسح على جبهته:

- ليتني واجهت ذاك اللص الذي تبعنا للقرية بدلًا من الهرب منه، لابّد أن أسترد كتابي؟
التفت إليه "كلودة" وهو يفتح باب داره البسيطة:

- رّبما من الأفضل أن تنتظر حتى تسأل شهاب.
- لا... سأستعيده بنفسي.

قالها بعد أن زّم شفتيه، ود أن يلّقن القبيح والمقبح درًسا فهو لم يعتد على ترك حقه طالما هو قادر على استرداده، كان عصي ّعليه أن ي رح هذا لـ"كلودة"، لن يهدأ له بال ح ًتى يسترد الكتاب بنفسه.

حل الليل سريعا، وكانا قد أرهقا من السير، دلفا معا لبيت "كلودة" بعد أن مرت من فوقهما تلك البومة العجيبة التي تمنح أميرتها رؤى ليلية تكشف عن المحاربين، ف ّرأتهما الأميرة "نبرة" بعيني بومتها، هي تعلم الآن أن "أنس" بصحبة شاب ما، لكنها ما زالت لا تعرف مكانه، ولم تر بعد وجه هذا الشاب الذي يستضيف ه! ألقًى "أنس" رأسه على وسادة محشوة بريش الطيور، واستسلم للنوم، كان متعبا ومرهقا إلى حٍد كبير.

❐❐❐               

- ستون كشتالا وإّلا فلتنصرف فليس لك بضاعة عندنا.

وقف الشاب يتأ ّمل وجه " َمرام" والتي كانت تبدو ظاهرة عن الفتيات حولها ليس بسبب لون بشرتها املختلف، ولكن لأنها كانت تبكي وتحاول جذب أي قطعة قماش لتغطي جسدها، حتى أنها شقت وسادة حرّيرية واستخدمت كسوتها كغطاء لكتفيها لكنهم جذبوه منها ونهروها أكثر من مرة.

- سبعون كشتالا.
- بل خمسون كشتالا فقط.

مر "أنس" من أمامها، كان هو و "كلودة" يهرولان خلف "أشريا" وجميعهم يتلفت باحثا عن اللصوص هنا وهناك، ظهر وجه قبيح لأحدهم من بين الزحام ورفع رأسه يفتش بين الوجوه عن "أنس" دون أن يراه الأخير، فعلم "أنس" للتو أنه مطلوب في القصر بالفعل ، فقد أخبر الملك رجاله أن من يأتيه برأس "أنس" سينال جائزة قيمة، دلف "أنس" و"كلودة" وسط الحشود التي كانت تلتف حول الفتيات يقلبن في وجوههن وأجسادهن بإهانة ليشتروهن، كانت "مرام" تضرب كل يد ّتمتد إليها، رأت "أنس" وحول عنقه القلادة التي أعطاها له جده وكانت جدتها قد أعطتها قلّاًدة تشبهها فأدركت أنه هو، التفتت حين ناداه شاب آخر لم تر وجهه جيدا وكان "كلودة" الذي صاح باسم "أنس"وسط السوق فتأكًدت أنه هو، كان قد ابتعد فلم يسمع صوتها الضعيف، فانحّنت وحملت حجرا صغيرا من على الأرض تحت قد ًميها وقذفته به، التفت ومر عليها دون أن يتوقفّ أمام وجهها، كان مشًمئزا من ج ع الفتيات بملابسهن العارية، انحنت مرة أخرى وحملت حجرا أكبر حجماو قذفته فأصاب رأسه، التفت نحوها متأ ًّملا فالتقت عيناهما، وجد أمامه فتاة جميلة وفاتنة وترتدي ثوبا سافرا من الحرير فأجفل ثم صرف نظره عنها وابتعد، فقذفته بحجر آخر في رأسه فانحني وتناوله ونظر إليها بغضب وتصميم ورماها به فأصابها في عينها فصرخت أملا ثم حاولت أن تنادي عليه وقالت بصوت ابتعلته ضوضاء الحشد حولها:

- اشتِرني.. أرجوك.. ادفع ثمني.. لا تتركني.

لم يسمعها فحاولت أن تترك مكانها وتلحق به فصدها ذراع غليظ لأحد الحراس الذين كانوا يحيطون بهن، عادت ملكانها وكانت عينها تؤملها بشدة، اختفى "أنس" بين جموع البشر في السوق وعادت تقف كالقط الغاضب تغرز مخالبها في كل يٍد تمتد لتمسك بها، كانت معركة شرسة تدور بينها وبين زبائن التاجر، حتّى عال صوت الخيول، أفسح الناس فرجة بينهم فترجل أحدهم عن حصانه ومر بين الصفوف حتى وصل إلى التاجر الذي انحنى ليحييه بإجلال، وقف شاب قوي البنية له حضور قوي عليه ملابس تليق بالأمراء، مر على وجوه الفتيات بعينيه اليقظتين وتفحص نظراتهن بإمعان، اختار ثلاث فتيات بارًعات الجمال وجريئات لا يستحين من عرض أنفسهن، وعلى عكس المتوقع دوما حيث كان لا يختار المنكسرات مثلها ، جذبت "مرام" انتباهه حيث كانت تمزق النمارق الحريرية التي كان من المفترض أن تجلس عليها وتستند كباقي الفتيات، لكنها كانت تشقها وتغطي جسدها بقماشها ودموعها تسيل على وجنتيها، كانت ترتجف عندما اقترب منها ثم أشار عليها وعلى الفتيات الثلاثة، ثم ألقى بكيس ممتلئ بالنقود للتاجر الذي تغيرت ملامحه عندما أمسك المال وطرب لصوت خشخشته داخل الكيس، دفع الفتيات بقسوة خلف الشاب الذي التفت عندما صرخت "مرام" عندما جذبوا الخرق الحريرية الممزقة التي كانت تغطي بها جسدها وخلع وشاحا كان يرتديه فوق قميصه ولفها به فستر جسدها الضئيل كله فرفعته بحياء على رأسها، كان لديه بقايا خير وإن كانت قليلة، وأخيرا وجدت من يسترها!

سارت خلفه مع الفتيات حتى خرجوا من السوق، عاد لحصانه وأشار لأحد رجاله الذي حملهن في عربة مغطاة تجرها الخيول إلى هناك.... حيث قصر الملك " ِكمشاق" والأميرة "نبرة"، كان "حليم" يزور السوق من آن لآخر ليشتري الإماء من النساء ويهدي لـ " ِكمشاق" أجملهن حتى يرضيه ويكسب وده، ويدفع بعضهن للخدمة في مطبخ القصر حيث ينعمن بخيرات الملك والملكة إشفاقّا عليهن، كان لديه مزيج من الخير والشر يموج في نفسه المضطربة بحب "نبرة" الذي يطغى عليه ويفطر فؤاده، كان "حليم" يتفادى شراء الفتيات على شاكلة "مرام"، لكنها على ضعف بنيتها كانت جميلة الوجه، فحازت على انتباهه بما كانت تفعله فرق لحالها وتعجب لأمرها.

❐❐❐
- أريد أن أعمل بمطبخ القصر.

قالتها " َمرام" بتصميم وهي تتوجع وتضع كفها على عينها التي توّرمت بعد أن قذفها "أنس" بحجارة أصابتها فيها، كانت تقف أمام المسؤولة عن شؤون قصر الملك " ِكمشاق" الذي يتوسط أكبر قرى مملكة الجنوب، تلك القرية التي على أطرافها يعيش "كلودة" حيث يستضيف "أنّس" الَذي كان مصير كتابه مجهولا حتى تلك اللحظة، صرخت المسؤولة وعنفت "مرام" ونهرتها وأمرت بضمها لجواري الملك، سمعتها الأميرة "أونتي" التي كانت تتسلل من جناح الخدم في ثياب جارية من جواريها لتلتقي بحبيبها في البستان، كانت تقف خلف عامود عريض يتوسط الساحة وتخفي وجهها بطرف غطاء رأسها الحريري عندما تناهى إلى سمعها صوت بكاء "مرام"، انصرفت المسؤولة ومعها الجواري وتركن "مرام" وحدها تبكي، كانت تسير تجاه بوابة القصر عندما جذبتها الأميرة "أونتي" نحوها وسألتها هامسة ولم يظهر لـ"مرام" منها سوى عينيها الكحيلتين وبشرتها السمراء:

- ما اسمك؟
- " َمرام"
- لا تخافي يا " َمرام"، ستطلبك الأميرة " ُأونتي" وتضمك إلى جواريها، فكفي دموعك ولا تحزني.
ُثم انصرفت تلك الأميرة التي تختل َف في طباعها عن شقيقتها " َنبرة" وشقيقها " ِكمشاق" دون أن تكشف لـ "مرام" عن شخصيتها، وهرولت على عجل وانسلت بين أشجار البستان المحيط بالقصر، كفكفت " َمرام" دموعها وتكورت وسكنت تنتظر وتترقب وتفكر في حالها وما آلت إليه.

❐❐❐

- مولاي الملك " ِكمشاق" 
قالها أحد ّ الحراس بإجلال وهو ينحني أمام الملك باسطا ذراعه باستعراض، هز الملك رأسه وبعينيه استقرت نظرة ساخرة ملؤها الكبر والاستعلاء فقد كان يتلذذ بمراقبة حاشيته وهم يعاملونه بتلك الطريقة، قال بصوت رخيم وهو يلتقم حبات العنب في فمه من يد جاريته الحسناء:

- ما الجديد؟
- وصل أحدهم يزعم أ ّنه حصل على كتاب لأحد المحاربين، ويقول أنهم أسروه في الغابة.

اعتدل الملك في جلسته حيث استيقظت كل جوارحه، ورفع يده بإيماءة تعني أن أدخله في الحال، كان " ِكمشاق" قد فاز بعدة جولات مع هؤلاء المحاربين، ما زال يعزز عرشه ومملكته بنش بعض المعتقدات التي تخدم كيانه، كانت نصيحة الكهان له أن يقتنص كل فرصة ليمنع هؤلاء المحاربين من استرداد تلك الكتب التي يزعمون أنها لهم، لا سبيل إلا مراقبة المحاربين، فهم وحدهم يمرون من مكان لآخر، أما أهل القصرين، قصر "الحوراء" وقصر " ِكمشاق"..لا يجرؤ أي منهما على دخول الغابة ولُم يصل أحدهم إلى المكّتبة العظيمة التي تقع خلف الجبل، أمجاد عظيمة تسطر هناك، تاريخ يضم أسماء من منحوا البشرية الكثير من التجارب والعلوم والفنون والقصص، من بلاد شتى ومن جنسيات مختلفة، أما " ِكمشاق" ولأنه من أصل نوبي عريق فكان يهتم لتلك الكتب التي تحكي قصص الأمير "أواوا"، وأخيرا ستتلقى "الحوراء" ضربة تهز عرشها، يستطيع الآن أن يأمر أحد الكهان باسّتلام الكتاب لتملأ صفحاته بما يرضي نفسه ويرضيه ويعزز كيانه وسلطته ويخلد اسمه، صرف الجواري وجلس يعدل ثيابه الفاخرة، دلف كبير اللصوص ومعه رفاقه، كانت رائحة القذارة تفوح منهم، انحنوا في إذلال أمامه
وقال كبيرهم:

- مولاي الملك، جئناك بهدية. 
- إن كانت كما تزعم فلك جائزة كبيرة
ابتسم فأسقطت ابتسامته اللثام عن أسنان صفراء حفتها القذارة من أعلاها وأسفلها وقال بصوت أجش متحشرج:

- هذا كتاب لأحد المحاربين عثرنا عليه في الغابة وهو في طريقه إليكم.

تناول " ِكمشاق"ّ الكتاب منه وقّلب صفحاته الخالية، راوده شعور بالاطمئنان عندما تأكد أن الكتاب لم يطلق سراح كلمة واحدة، ما زال أمامه فرصة كبيرة، رفع رأسه ونظر لكبير اللصوص بازدراء وسأله:

- وأين هو المحارب؟
- ممم.. سنحضره يا مولاي ولكن..
- ولكن ماذا؟
- نطمع في سخائك وكرمك، ولا أظنك ستبخل علينا، أليس كذلك؟
قهقه الملك وانتفض وانتفش ورشقه بنظرة أوقعت الرعب في نفسه، ُثّم قال:

- أحضره أّوًلا ثم أرني وجهك هذا مّرة أخرى.

ُثّم أردف وهو يثقبه بنظرة أخرى وقعت حيث وقعت الأولى فتراجع كبير اللصوص مرتبكا إثرها:

- وسيبقى الكتاب هنا حتى تعودوا به.

بخطى مترددة ونفس غاضبة، ودماء تغلي، ونظرات متقدة، انصرف اللصوص عائدين إلى حيث تركوا "أنس" و"كلودة" في صحبة ثلاثة منهم، لا بد أن يعودوا بهم للملك "كمشاق"، والذي كان يتأمل غلاف الكتاب ويقرأ عنوانه في فضول:

- "إيكادولي!" لا بّد أن يكون هذا الحب لي وحدي، فليحبني الجميع.



✍حقوق الطبع و النشر خاص بمدونة الأقلام الذهبية©



إذا كان لديك قصه و تريد مني نشرها قم مراسلتي على تطبيق واتساب اضغط هنـــا

تعليقات