رواية ايكادولي 4 - د حنان لاشين



ترك "أنس" حذاءه الغريب َ كما وصفته "ناردين" وارتدى حذاء رآه هو غريبا! لكنه مجبر على ارتدائه، وبدل بنطاله السماوي وارتدى سروآل وقميصا من الكتان الأزرق ، كانت الملابس تناسبه تماما وكأنها قد خيطت خصيصا له، لم يجد أزرارا لقميصه فلف خصره بحزام عريض من القماش وأخرج خنجره ذا المقبض الذهبي ودسه في حزام بنطاله من جهة الظهر وأسدل عليه القميص حتى لا يلاحظه أحد، لم تشعر "ناردين" بالخوف منه عندما لاحظت الخنجر و مقبضه المذهب! أعطته حقيبة من القماش كانت تعلقها بكتفها وهي تجمع أوراق الأشجار و النباتات العطرية ليحمل فيها متاعه، ومنحته حفنة من الريحان وبعضا من إكليل الجبل، كان ممتنا وكأنها أعطته كنزا، ودت لو بقي "أنس" قليلا لكنه كان متعجلا. صاحت وهي تراقبه وهو ينساب بين أشجار الغابة:

- تجول في القرية وتأمل كل ركن من المملكة، وافتح كتابك من آن لآخر، إن ظهرت أول الكلمات فاعلم أنك التقيت بأبطال القصة، فالأحداث تتم هنا بمشيئة الله، وما زلنا لا نعرف النهاية!
استدار وأومأ برأسه وحياها بابتسامة عذبة ثم لوح لها مودعا، رفعت العجوز يدها وأغمضت عينيها وتنفست بعمق ثم طرقت الأرض بالغصن الذي تتكئ عليه فانتفضت الأشجار، وارتج السهل وما حوله، وصدر من الأرض دوي مكتوم أفزع الطيور فحلقت بعيدا عن الأشجار.
سار "أنس" على نحو بطيء وسط الغابة، فهو لم يعتد انتعال حذاء مصنوع بتلك الطريقة من قبل، كان يشعر أن للأشجار عيونا، وكأنها تراقبه!

كان يراقب السماء من آن لآخر يخشى أن يهبط عليه الليل وهو وحيد في تلك الغابة، قرر أن يحاول الركض لعله يصل سريعا إلى أطراف الغابة، بدأ يركض وبينما تنطوي الأرض ُ تّحت قدميه شعر وكأنها تحولت إلى بساط وبدأت تدور وتتكور تحت ساقيه ثم انشقت فجأة فتعثر وسقط على ركبتيه ليظهر أمامه زمرة من الرجال طوال القامة لا ملامح لهم! كان يتقدمهم واحد منهم وعليه برنس أسود تتدلى منه ثلاث جماجم صغيرة، تراجع "أنس" بينما كان ذاك الشبح يتقدم تجاهه، نعم.. كان يشبه الأشباح، ّهذا ما وقع في نفس "أنس" وهو يحملق في تلك الظلمة التي تحتل وجهه، وكأن الظلام ارتدى برنسا ووقف أمامه!

رفع الشبح يده إلى السماء فشعر "أنس" وكأن صدره يصعد في السماء، خرجت أنفاسه واصطبغ وجهه بالزرقة وما عاد قادرا على سحب شهيق يتشبث به في الحياة، ارتفع جسده في الهواء وانثنى وكأن هناك من يحمله، كاد الشبح يقتله بعد أن أداره في الهواء وجعل وجهه مقابلا للأرض لولا القلادة التي تدلت من عنق "أنس" فجعلته يخفض يده فجأة ويسقط "أنس" على الأرض وهو يسعل ويشهق شهقات متتابعة، دار ذاك الكائن حول "أنس" وانتظر حتى هدأ سعاله ثم خرج منه صوت غليظ رنان وكأنه خرج من مقبرة وسأله:

- أنت محارب؟
رد "أنس" بصعوبة وقال:

- نعم... أنا محارب.
- من أين لك بتلك القلادة؟
- أعطاها لي جدي
قال الشبح بصوت فيه إجلال:

- "أبادول"؟ عندما سمع البقية زعيمهم ينطق باسم "أبادول" وضعوا جميعا أيديهم على صدورهم وأحنوا رؤوسهم وهم واقفون احتراما له! يبدو أنهم جميعا يعرفونه، لاحظ "أنس" ما حدث فتحامل وتجلد وقام يستند على جذع الشجرة التي كانت بجواره، وسأله وهو يتحسس القلادة على صدره:

- أوتعرف جدي؟
- كلنا نعرفه، وله فضل كبير على استرداد مكانتنا بين باقي الشعوب.

ُثم أشار إليه بإصبع وسأله:

- ما اسمك؟
-"أنس" .

- ما اسم "كتابك"؟ تذكر "أنس" وصية العجوز "ناردين" له ألا يخبر أحدا باسم كتابه، فرد محاولا أن يتجاوز السؤال:

- لماذا لا أرى ملامحكم؟
- ليس الآن، ستراها يوما كما رآها جدك "أبادول".

عندما كرر الزعيم اسم "أبادول" كرر كل من معه ما فعلوه أول مرة بإجلال وتقدير، وفعل هو كما فعلوا وضم يده إلى صدره وأحناها في هيبة وكأن الجد يقف أمامه، قال بعد أن رفع رأسه تجاه "أنس" الذي كان يحملق في تلك الظلمة التي تتحدث إليه ولا يعرف كنهها:

- امض يا "أنس" فأنت في أمان حتى تخرج من الغابة، واحتفظ بالقلادة، وكلما مررت من هنا أظهرها وأنت تسير حتى يعرفك "المجاهيم".
همس "أنس" برهبة وقد كانت دقات قلبه تتواثب في أسفل عنقه:

- المجاهيم! ومن أنتم أيها المجاهيم؟ 
التفت إليه زعيمهم وقال قبل أن تبتلعه الأرض:

- اسأل جدك فهو من أطلق علينا ذاك اللقب بعد أن ألبسناه تلك القلادة.

اختفى "المجاهيم" تماما، و عادت الأرض تتكور تحت قدمي "أنس" فانطلق يكمل ركضه حتى حدود الغابة آمِلا أن يخرج منها قبل حلول الظلام ويصل إلى القرية التي أخبرته العجوز "ناردين" عنها، فهو لا يعرف تحديدا كم تبلغ المسافة.
❐❐❐                          

خرج "أنس" من الّغابة يبحث عن "شهاب"، من بعيد بدأت تطّل أمام عينيه القرية التي حدثته عنها العجوز "ناردين"، دلف القرية يفتش بين الوجوه عن وجه "شهاب"، مر بحانوت بدا وكأنه لبيع الأغراض القديمة، بعض الأوعية اّلنحاسية، وأخرى فخارية، والكثير من الملابس، لكن ما جذب انتباهه ركن تكدست فيه الكتب العتيقة فوق بعضها البعض بإّهمال، الكثير من الكتب كانّت بلا أغلفة، مهترئة الأوراق وملتفة الأطراف، ولكن القليل منها كان بحالة جيدة. أوراق صفراء وأغلفة باهتة من الجلد المدبوغ والكثير من العناوين الغريبة. كان هناك شاب نحيل جدا، أقنى الأنف، له حاجبان مقوسان كأنهما هلالين، تبدو عليه أمارات الذكاء، نابه العينين، يجمع خصلات شعره الفحمي خلف رأسهّ برباط بلون أحمر فاقع، كانت أصابعه مصبوغة بنفس اللون فخمن "أنس" أنه ربما يعمُلّ في صباغة الأقمشة، وقف الشاب ينظم الكتب ويرتبها ويتفحصها بعناية ثم يرفعها وينفخ عنها الغبار ويمسحها بطرف كمه بحرص شديد، كان صاحب الحانوت يقف ببطٍن عملاق رّجراٍج ويّطالعه بازدراء حيث قال:

- لولا أنك تنظم الكتب وترتبها في كل مرة تزورني ما تركتك تدلف للحانوت بحذائك المهترئ أيها البائس.

التفت إليه الشاب وقال في حرج:

- اهدأ يا رجل، أتيتك هذه المرة ببعض المال، سأشتري كتابا
- يا للهول! ومن أين لك المال أيها الحثالة؟
- من كّدي ومن عرق جبيني!

تركه صاحب الحانوت بعد أن تسببت كلماته في التفات جميع من بالحانوت لحذاء الشاب المهترئ، بعضهم قام بالهمز واللمز وتعالت بعض الهمهمات من هنا وهناك، لماذا يهتم هذا البائس بالكتب! حّرك صاحب الحانوت يديه بلا مبالاة وعاد ليجلس على الباب يحّك رأسه وقد تدلى أمامه بطنه الكبير ّ، واختنقت أنفاسه بسبب سًمنته المفرطة فتصاعد من صدره أزيز مزعج كلما تنحنح أو بذل مجهودا بسيطا، وبدأ يراقب النساء في السوق وهن يقلبن أكوام الملابس المتكدسة والتي تبعثرت هنا وهناك.
اقترب "أنس" من الشاب وحّياه بصوت خفيض، فرّد الشاّب تحيته باقتضاب بعد أن استقرت عيناه على وجه "أنس" للحظات وكأنه يحاول التعرف إليه، عاد الشاب يقلب الكتب وينفض عنها الغبار ويمسحها بطرف كمه، التقط "أنس" كتابا له غلافه جوزي اللون مشبوح بلفحات خضراء وقال وهو يتصفحه:

- لا يدرك هذا الرجل قيمة تلك الكتب..أليس كذلك؟.

مّر الشاب على وجهه بسرعة بعينيه الكليلتين ثم عاد لصنيعه بالكتب ولم ينبس ببنت شفة، قرأ "أنس" عنوان الكتاب الذي بين يديه بصوت مسموع قائلا:

- الإكثير
- نعم..آلإكثير!
- أعتقد أنني أعرف معناها، رّبما قرأت عنها من قبل!

رفع الشاب حاجبية وقال باهتمام:

- تعني الذهب الخالص، وهو كتاب رائع.
- يبدو أنك تحب القراءة.

لاحت على وجهه ابتسامة وقال وقد ضوى بريق في عينيه:

- أنا أتنفس الكتب!
- اسمي "أنس" حرك الشاب رأسه تجاهب انتباه وقد اتسعت حدقتاه، سريعا ما كست وجهه علامات البشر، مد يده المحمرة من أثر الصباغة وصافحه بود، شعر بانتعاش لمجرد اهتمام أحد ما به، تهلل وجهه وابتسم فكشفت ابتسامته اللثام عن أسنان ناصعة البياض وروح عذبة، يبدو أنه يعاني من تجاهل الجميع له، قال بصوت مرتجف:

- وأنا " كلودة" أنت غريب عن المملكة، أليس كذلك؟
- بلى
- لهذا إذا تعاملني بوّد!
- وما العيب في ذلك؟
- لو عرفت قصتي ما صافحتني كما صافحتني منذ قليل
- ولم لا!

هز الشاب رأسه وابتسم ساخرا ثم التقط كتابا ومد يده في جيًب بنطاله وأخرج حفنة من النقود ودسها في كف صاحب الحانوت وخرج مسرعا، شيعه صاحب الحانوت السمين بصوته الأجش بالمزيد من السخرية من حذائه ويديه الحمراوين، وبمزيد من الألفاظ البذيئة. تبعه "أنس" وصاح منادًيا عليه:

- "كلودة" انتظر
التفت "كلودة" إليه وقال متعجبا:

- ماذا تريد أّيها الغريب!
- هون عليك يا فتى، كنت أبحث عن صحبة، فأنا أشعر بالغربة هنا.
- أين أهلك؟
- أنا وحدي هنا، أحاول الوصول إلى صديق التقيت به أمس، فهلا ساعدتني في البحث عنه؟

استدار"كلودة" وسارعّدة خطوات بتؤدة وقد أحنى رأسه وكأ ّنه يفّكر، ُثم التفت لأنس وأشار إليه فلحق به وسارا معا لفترة وجيزة قبل أن ينحني بهما الطريق إلى ساحة واسعة، يتوسطها مجموعة من التجار وقفوا يعرضون بضاعتهم استعراضا أمام الجميع، بسط أحدهم ثوبا من الّقطيفة الحمراء على ذراعه وكتفه ووقف ينادي واحتشدت حوله النساء كل منهن تتحسس طرف الرداء بكفها وتحملق فيه ثم تسأل عن الثمن، لم يمل من تكرار الرد، بدت النساء مسحورات كل منهن تشتهي أن يكون الرداء لها وزاغت أعينهن وهن يتخيلن أنفسهن أميرات يرتدينه. وجلس آخر على الأرض وقد صف أمامه أباريق من الزجاج الًملون بديعة الشكل انعكست عليها أشعة الشمس الحاّنية فزادتها تألقا وجمالا، أما الثالث فكان يبيع العطور في زجاجات صغيرة مزينة بالنقوش، بدا وكأن هذا السوق للأثرياء فقط. أشار "كلودة" إلى الجهة الأخرى من الميدان الفسيح لينتقلا إليها وقال لأنس:

- ما اسم صديقك؟ 
- في الحقيقة.. كنت أتبع شابا يدعى"شهاب"
- "شهاب..!" إذن أنت محارب.
- يبدو أن الأمر مألوف لديكم.
- بالتأكيد. 
- إذن، هلّا ساعدتني، أود أن أصل إلى قصر الملكة "الحوراء"
- لا أعرف الطريق إليه!
- هل سمعت عن "المغاتير"؟
- سمعت لكنني لم ألتِق بهم من قبل!
- لكّنك تعرف "شهاًبا" أليس كذلك؟
- ومن منا لا يعرفه!

سارا معا كتًفا بكتف، ثّم قال "كلودة" بعد فترة وجيزة:

- سنمر أولًا على الطبيب، سأشتري دواًء فأنا مريض.
- شفاك الله.

حّرك "كلودة" رأسه ممتنا واخترقا معا ذاك الحشد الكبير وبخطى سريعة وصلا إلى عدة بيوت متلاصقة ذات أسقف منخفضة، طرق "كلودة" باب بيت منهم ففتح له رجل أربعيني تكسو وجهه ابتسامة واسعة سريعا ما رحب بهما ودعاهما للدخول، على أريكة من الخشب جلسا يراقبان حركته البطيئة بردائه الطويل والواسع الأكمام وقد انتشرت حوله على الطاولات والرفوف زجاجات الدواء، قال الطبيب بصوت متحشرج بسبب صمته الطويل قبل أن يدخلا إلى بيته المتواضع:

- أعددت لك الدواء منذ أسبوع لكّنك تأخرت.
- عفًوا سّيدي لم أتمكن من الحضور لسبب خاص.
- أخبرتك أكثر من مرة أنك تحتاجه لتتحسن حالتك المزاجية والذهنية، أما زلت مشتتا وترى تلك الكوابيس؟
- نعم..أراها كّل ليلة.. ولكن.. سيدي، ألن أشفى من مرضي هذا؟ هل سأظل هكذا؟
- للأسف يا "كلودة" لم أسمع عن حالة مماثلة عادت لما كانت عليه، كل من أعرفهم يستمرون على هذا الحال حتى…

وقف "كلودة" واثبا وكأن هناك من وخزه بإبرة بعد أن نقد الطبيب قيمة الدواء وخرج من باب البيت كطلقة الدفع، تبعه "أنس" بخطوات واثبة، بدا جليا أن "كلودة" حزين وغاضب، وكان هذا ما وقع في نفسه منذ اللحظة الأولى التي رآه فيها، روح متعبة لشاب بسيط تفتش بين الكتب عما يسلي الفكر ويجبر خاطر النفس المكسورة كحال الكثيرين، يهرب بالقراءة من واقع مؤلم فيعيش بين الكتب ويتنفس الكلمات، تردد "أنس" بين أن يتركه لحاله ويعود فهو في حالة لا تسمح له بمجاراته في أحاديثه الودية، وبين أن يتحّمله قليلًا ويسير معه على الأقل حتى بيته ليعرفه، لكنه قرر أخيرا أن يفارقه وسيسأل غيره، التفت عائدا من حيث أتى، فإذا بـ"كلودة" ينادي عليه ثم يقول:

- عفوا سامحني، سأسير معك لأخرجك من القرية.
- لماذا؟ 
- ألم تسأل عن "شهاب"؟ هو يقيم بالغابة، لا بّد أن تعود، ظننتك لا تعرف الطريق إلى الحدود المقابلة للغابة، هيا وسأسير معك.

سار "كلودة" مهموًما بجوار "أنس"، كان "كلودة" يحب ابنة عمه "أشريا" حًبا جّما، لكنه لم يملك سمات الشخصية التي تتمناها وتحلم بها، كان يعشق اسمها، وملامحها، ودارها، والدار التي بجواردارها، والطريق إليها، وًالجدران التي تستند عليها، والهواء الذي تتنفسه، طلبها للزواج مراراّ وتكرارا وكانت تأبى، لم ييأس وكان يعود فيطلبها مرة أخرى من أبيها، ومرت الأيام تشد بعضها بعضا ومات أبوها وما زال قلبه على العهد.

كان عندما يستبد به ألم جرح قلبه يخرج للبساتين القريبة من بيته والممتلئة بأًشجار البلوط العمالقة، فيجمع أوراق النباتات العطرية و ّيردد الأذًكار وأحيانا يدندن بالأشعار، ويتصب ًر بخلوته مع الطبيعة الخًالقة، تغيرت أخيرا وصارت تضع له الشروط واحدا تلو الآخر، لو بنيت بيتا كهذا ربما أوافق، لو توقفت عن فعل كذا ربما أوافق، لو ..لو.. وكانت تمتنع عن الكلام معه وتكّلف أمها بالرد عليه. كان ذاك الهوان الذي يصيبه بسبب حّبه لها يظهره ضعيف الشخصية أمامها، وكانت هي تطمح إلى الزواج بشاب قوي الشكيمة تعتمد عليه. لم يكن هناك من يوجهه أو ينصحه ليتجمل ويتصنع ويتخلى عن تلك العفوية التي يعاملها وأمها بها فقد أساءت فهمه، فهو وحيد بلا أب أو أم، وليس له شقيق يشد عضده، بينما يسيران ويتبادلان أطراف الحديث سأله "كلودة" بفضول:

- هل عرفت الحب يوًما؟
- لا...لم يطرق الحب قلبي بعد، لم ألتق بمن تخطف روحي حتى الآن.

رد "كلودة" بتأثر:

- أّما أنا فلقيتها.. وليتها ما خطفت روحي!

وصلا أخيًرا إلى الحدود، حيث كان هناك فاصل حجري يحيط بالغابة، تخطاه "أنس" والتفت تجاه "كلودة" متسائلا عن سبب وقوفه واجما كما كان يفعل:

- ما بك يا "كلودة؟
- لم أدخل الغابة من قبل! يقولون أن من يدخلها يختفي للأبد ولا يعود.

استدار "أنس" وطالع مجاميع الأشجار أمامه وقال:

- أوتظن هذا فعلًا؟
بقي السؤال مّعّلًقا في الهواء حتّى التفت إليه "أنس" ومد يده ليصافحه، فمال "كلودة" وكأنه يخشى أن يتعثر فتمس قدمه الخط الفاصل، اهتزت الأرض فجأة وتأرجح كلاهما فوجد "أنس" نفسه يجذب ذراع "كلودة" دون قصد منه فدخل الأخير الغابة، ابتسم "أنس" بتوتر وقال له:

- أرأيت، ها أنت هنا ولم يحدث لك شيء.!

شعر "كلودة" برهبة تجتاح جسده، كان يترقب أن يحدث شيء ما! لكن الأمر بدا آمنا كما يبدو!! ّ سار مع "أنس" وانطلق معه يتوغلان في الغابة، وعيناه تطفحان فضولا. مرا بجدول ماء فانحنى "كلودة" وغسل كفه ثم شرب منه...
"سبحانك سبحانك، ما أعذب الماء. ماذا لو لم يكن هناك ماء! كيف كنا سنرتوي، كيف كنا سنبلل ألسنتنا لنسبحك! حمدا لك يا ودود".

هكذا همس "كلودة" وهو يسير، كاد يسأل "أنس" كيف أتى إلى هنا ليسمع منه بالتفصيل، لولا الضربة التي باغتته فجأة وهو يمشي معه والتي صاح على إثرها متضرعا إلى الله وهو يتوجع: "سبحانك سبحانك، اكفنا شرهم واجعل كيدهم في نحرهم"

بينما كان "أنس" يصارع رجلا ضخم الجثة له وجه قبيح، لاحقه الآخر بعصاة غّليظة وصوت أجش ووجه مقبح، استسلم "كلودة" حتى يتوقف عن ضربه لكنه لم يتوقف، ضربةّ على كتفه، ّوالأخرى على ذراعه، والكثير على ظهره حتى شعر أن جسده تخدر من الألم، قيده ذاك الفحل القبح بالحبال بسرعًة، ما زال "أنس" يصارع القبيح، كان يوجه ضرباته لأماكن متفرقة مواجها القبيح بجسارة وكأنه لا يخافه، لم تند منه صرخة ألم، لكنه كان يصيح بقوة، تارة بيديه وتارة بقدميه، ود "كلودة" لو كان مثله، وصلت حفنة من "البغضاء" وأمسكوا بـ "أنس"، فالكثرة تغلب الشجاعة، ضربوا "كلودة" على رأسه بشدة ففقد وعيه، قيدوهما بعد أن سلبوهما متاعهما، كان كل منهما يملك كتابا، "أنس" بكتابه "إيكادولي" في حقيبته، و"كلودة" بكتابه الذي اشتراه من الحانوت قبل أن يدخلا الغابة، بصق القبيح على وجه "أنس" وكاد يقتله لولا المقبح الذي صاح وهو يمسك بكتاب "أنس" بعد أن أخرجه من الحقيبة القماشية التي أعطتها له السيدة "ناردين:"

- انظروا، كتاب غريب وخال من الكلام!

تمشت علامات الرهبة على وجوههم الكالحة، التفوا حول المقّبح وتصفحوا الكتاب وقرأوا عنوانه، عادوا ينظرون لـ"أنس" بارتياب وقال أحدهم هامسا حتى لا يسمعه "أنس:"

- يبدو أ ّنه محارب جديد، فلنأخذه لقصر الملك "كمشاق"
رد آخر:

- نطلب المال أوّلا قبل تسليم المحارب والكتاب.

قال القبيح:

- فلنقتله، ما حاجتنا إليه!

رد المقّبح وهو يحك شعر رأسه:

- ربما كان له ثمن فنحن لا نعلم كيف تسير الأمور، سمعت أنهم يعلقونه من قدميه ويثقبون قلبه وعندما تسيل الدماء يجمعونها في قوارير ويكتب الكاهن القصة في الكتاب وتنتهي أحداثها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.

كان "أنس" يراقبهم ويبحث بين أياديهم عن كتاب "كلودة"، أين اختفى!! اقترب أحدهم من "أنس" برأسه ونظر في عينه وقال بتوعد رافعا صوته الأجش:

- سنقتلك أيها المحارب.

رائحة أنفاسه الكريهة التي فاحت من بين أسنانهً النخرة والمسوسة كادت تخنق "أنس" لولا نسمة هواء باردة مرت فحملتها بعيدا عن أنفه، قال بصوت حاول أن تكون نبرته قوية:

- وما أدراكما أنني المحارب!

همهم البغضاء وقال أحدهم:

- هل رأيتم الرمز؟
- وما ذاك الرمز؟
- سمعتهم يقولون أن للمحاربين رموزا! فلنبحث عن الرمز!

أطبق " ًأنس" فمه وجلس يراقبهم وهم يفتشون حقيبته وملابسه، زمجر القبيح غضبا وأمسك بالخنجر ذى المقبض المذهب و كان قد أخرجه من ثيابه وكاد يذبح به رقبته، حملق في وجهه بسحنة متوعدة ثم عاد خط ًوة للخلف، ران عليهم صمت مهيب وتنقلوا بأعينهم بين الشابين، خلصوا نجياً وابتعدوا وبدأوا يتحدثون همُسا ّ حتى لا يسمعهم، كان "كلودة" لا يزال فاقدا لوعيه، عادوا واقتربوا منهما ثم لطمه ذو الأنفاس الكريهة على وجهه وقال بعد أن جذبه من شعر رأسه:

- سنقتلكما معا بعد أن نقبض الثمن.

رحل بعضهم وبقي ثلاثة يحرسونهما، ومّرت لحظات ثقيلة، لم يسمع "أنس" حديثهم عن الملك "كمشاق"، لم يدرك أنه يسير تجاهه دون أن يشعر.
                
❐❐❐                         

أسدلّ الليل عباءته السوداء على المملكة فغرقت في ظلام حالك. كان القمر يتحرك ببطء كالشبح في السماء، وكانت الغربان تقف على شرفات القصر الّمكون من عدة طوابق، بدا البناء ضخما مهيبا يشبه الجبَل، أعلاه ضيق، وأما الطابق السفلي فكان عريضا وواسعا جدا. وثبت الأميرة "نبرة" من فراشها ودفعت النافذة بعنف ثم طالعت السماء بنظرٍة خاطفٍة، كانت تتمتع بخفة العصفور، وكبرياء الطاووس، لعينيها الكحيلتين بريق عجيب يشّبه بريق عيني القطط في الَظلام! من يراها بجملة النظر من بعيد يصور له وكأن عينيها جوهرتان! كانت "نبرة" تدرك أنها جميلة، لكنها كانت دائما كالقدر الذي يغلي فيه الماء بجنون. التفتت صارخة في وجه خادمتها بحنق شديد لكي تجهز لها ملابسها وتعينها في زينتها. قالت بتسلط:

- هيا، أمامك عمٌل طويل، ُأريد أن أخطف الأنظار الليلة.

غمزت الوصيفة بمكر واقتربت منها ثم قالت:

- أنت لا تحتاجين لزينة يا موالتي.

ألبستها الوصيّفة رداء أحمر اللون يظهر أكثر مما يستر، فتحت "نبرة" صندوق زينتها وتخيرت ما يّناسبها من جواهر، ودهنت شفتيها بصبغ أحمر قاٍن يناسب بشرتها السمراء، ثم استرخت في مقعدها وأسلمت رأسها للوصيفة التي بدأّت تمشط شعرها بحرص شديد، بعد لحظات كانت تهبط على الدرج وكأنها القمر ينحدر على سحب السماء. بخطى سريعة كانت تدق الأرض وكأّنها على وشك دخول حرب مع شخص ما، اتجهت إلى غرفة أخيها الذي كان متكئا على أريكة وثيرة وبجواره صديقه "حليم" الذي كان يرفل فّي ثياب فخمة تليق بمنصبه، والذي مرت عيناها عليه وكأنه كتاب ممل لا تود قرّاءته، هي لا تحبه، لم يفلح في اّلدق على أوتار قلبها رغم عشقه الشديد لها، أما هو فأقبل عليها بنظراته وكأنه يود التهامها بعينيه، وجهت نظراتها نحو أخيها قائلة:

- رأيت الرمز مرة أخرى، هناك محارب على أرض المملكة.
- أين هو بالتحديد.
- لا أعرف المكان للأسف.

ابتسم "حليم" وقال بلطف وهو يطلب وّدها:

- سأرسل رجالنا ليبحثوا عنه فلا تجهدي عقلك الجميل بالبحث عن مكانه، أرى أنه من المتوقع أن يكون في مملكة الشمال الآن.

على عكس مراده.. استفزتها كلماته فكّزت على أسنانها واستدارت مقتربة من المدفأة ورفعت كفيها نحوها تستمد منها الدفء ثم قالت بتنمر:

- أرى..أرى!!.. ومن أنت حتى ترى!، ما شأنك أنت؟ أنت مجّرد ضيف ثقيل!

اهتّز الُقّدح الذي كان بين يدي "حليم"، سقط الشراب على ملابسه فوثب من مكانه ثم وضعه على المائدة والتفت غاضبا نحو أخيها " ِكمشاق" الذي رمقه بنظرة واثقة وقال له:

- دعك منها يا "حليم"، إنها مجنونة. كانت " َنبرة" دائما غاضبة، لديها لسان كحية قرمزية داعرة تنفث سمومها في وجوه الناس، أدارت رأسها بعصبية ورمقته بمكر ثم قالت:
- ُأشبهك كثيرا يا أخي.

رفع كّفه مشيًرا للوصيفات ليخرجن من الغرفة، واقترب منها وسألها بغلظة:

- أين أختك " ُأونتي"؟
قالت بسماجة:

- الحمقاء، نامت مبكًرا كعادتها.

اقترب "حليم" وقال:

- لا أدري لماذا تختلف "أونتي" عنكما!

ثم أضاف:

- حتّى أنها لا تعرف أي ّشيء عن الأخطار التي تتهددنا!، تتبسط مع الجميع وكأنها ليست أميرة! ربما لقلة نضجها وعمرها فهي تصغرك بسنوات يا "نبرة"
ُثّم ارتبك "حليم" فقد شعر أنه بآخر كلماته قد استفّز الأميرة " َنبرة" التي هزت كتفيها وقالت:

- لأ ّنها حمقاء... مثلك. 

أصبح جو الغرفة متوتًرا، وأراد " ِكمشاق" أن يلطف من الأجواء فقال بهدوء:

- فلنهدأ قليًلا يا رفاق، ليس هذا وقت المشاكسة.

كان "حليم" في الثامنة والعشرين من عمره، كانت صداقته للمّلك سبًبا في تغيير مسار حياته، فهو فارس مقدام شجاع وشاب ذكي وحاذق، ولما رأى الملًك منه هذا ّ كشف الأوراق أمامه وعقد معه صفقة، فطرح "حليم" فيها شروطا لم يتحصل عليها كاملة بعد مقابل ولائه الكامل له، لم تكنّ "نبرة" من ضّمن الصفقة! لكنها صارت هدفه الذي يسعى وراءه فهو يتمنى رضاها، يحبها بشغف وجنون، يرغب بها، وهي تتمنع وترفض. وكان " ِكمشاق" يعلم عشقه الشديد لها ويستغل هذا لمصلحته، فصار "حليم" عونا له على الحكم وعلى اصطياد المحاربين ومحاولة السيطرة عليهم لخدمة أفٌكاره الٌسوداء، كان "كمشاق" يعربد بلا حساب، أطلق العنان لشهواته، خمر ونساء ولهو، غارق في الشهوات حتى أذنيه، أما "حليم" فحبس نفسه عليها، ولم تنجح أنثى في اختراق شغاف قلبه، وبقيت "نبرة" الفاكهة المحرمة التي لا يجرؤ على مساسها حتى الآن.

جلست " َنبرة" أمام أخيها "ِكمشاق" ووضعت ساًقا على ساق وقالت بمرارة:

- لا بّد أن نقضي على هذا المحارب بسرعة.

اقترب منها " ِكمشاق" وقال بتوّتر:

- هل رأيت وجهه؟
- لا...ليس يعد.
- هل فقدِت مهاراتك؟
قالت بعصبية:

- لا...اختفت فقط بومتي العزيزة؟ لم أرها الليلة! كلما حاولت أن أرى شيًئا لا أرى إلا الظلام!

كانّت " َنبرة" تفخر دوًما بتلك الموهبة التي حباها الله بها، لكّنها لم تشكر الل هعليها أبدا! من آن لآخر كانت ترى بعينيها كل ليلة ما تراه تلك البومة البيضاء التي يعرف الجميع ارتباطها بها منذ الصغر، كانوا يخشون منها لأنها ستنقل الخبر لأميرة "نبرة"، كما أنها كانت شاهدا على الكثير من الأشياء التي قلبت الموازين وهزت البعض حيث أصبح أمرهم مفضوحا لديها، في الحقيقة موهبتها تلك جعلت حربتها قوية، فلا يجرؤ أحد أن يقف أمامها في المملكة كلها. صّفقت " َنبرة" فأسرعت جارية بملء كأسها بالخمر وجلست تتجّرعه و"حليم" يراقبها.


❐❐❐                              


غربت الشمس وكان "كلودة" قد بدأ يستعيد وعيه بصعوبة، فتح عينيه على طقطقات النار التي أشعلها اللصوص في المكان الذي قاموا بالتخييم فيه، وكان "أنس"و "كلودة" بلا قميصيهما فقد خلعهما اللصوص عنهما وبحثوا في أجسادهما عن علامة ما تدل على كون من يحملها محاربا، الأغبياء لا يعرفون عن رمز المحارب الذي يظهر في الرؤى لبعضهم، ظنوا عندما أخبرهم "أنس" أن الرمز يظهر كعلامة على الجسد. 
اعتدل "كلودة" في جلسته، كان مصا ًبا بصداع قوي:

"سبحانك سبحانك، نجنا من مكر الماكرين".

قالها وهو يئن من الألم، مّّر الوقت ثقيلًا، لم يغمض لهما جفّن، أما الثلاثة فكان شخيرهم يزعج كل شيء حتى الطيور في أعشاشها، إلا تلك البومة البيضاء التي اقتربت منهما قبل طلوع الفجر بساعة، كانت تقف بكبرياء على غصن شجرة البلوط الكبيرة التي كانا يستندان عليها، جميلة وأنيقة كملكة تقف وتتلحف بردائها المتألق، وقف "أنس" واقترب منها ويداه ما زالتا معقودتين خلف ظهره، قفز بساقيه المقيدتين واقترب منها وطالعها بعينيه عن قرب ثم قال بحنان:

:- كم أنت جميلة، أنت فاتنة! ترّى هل تتحدثين؟ هيا أسمعيني صوتك، تحدثت إلى الصقور من قبل، لا بد أنك تتحدثين كالرمادي.
عاد يتأملها عن قرب وكانت تطالعه بفضول بعينيها الواسعتين، ابتسم عندما حملق قليلا في عينيها وقال بعذوبة:

- أنت جميلة، ما أروعك! ما أبدع لونك! تبارك الله !

صاح "كلودة" من خلفه وكانت يداه تؤلمانه بشّدة: "سبحانك سبحانك! يا خالق الجمال سبحانك"!
استيقظ أحد الرجال وصرخ في "أنس" بصوته الأجش فطارت البومة وحلقت فوقهما وبسطت جناحيها الابيضين وظل "أنس" يتابعها حتى اختفت بعيدا وعاد يجلس بجوار"كلودة:" 

"سبحانك سبحانك، الكون كله يسبحك، أفلا نسبحك"!

همس بها كلودة وهو يئن من الألم وبدأ يسّبح لعّل الله يجعل لهما مخرجا. في مكان آخر وتحت سقف بديع وعلى فراش فاخر، كانت " َنبرة" تستعد للنوم بعد أن سهرت لساعات طويلة مع رفيقاتها وجواريها عندما شخصت فجأة بعينيها! لقد راودتها رؤى بعيني بومتها البيضاء، لقد نظرت للتو في عيني شاٍب مليح الوجه، له عينان بندقيتان وحاجبّان كثيفًان على وشك الالتّحام، ووجه وضاء مستدير تظللهّ لحية خفيَفة يتحدث هامسا بصوت بديع، حرّكت بومتها مقلتيها وتأملته بتمعن، كانت "نبرة" تحملق وكأنها أمامه، وكان يتحدث بعفوية إلى البومة وكأنها تفهمه. حلقت البومة وأدرات رأسها فرأت " َنبرة" القيد حول ساقي "أنس"، تأكدت الآن أنه المحارب، فقد قال في كلامه أنه تحدث لصقر! خيل إليها للحظات أنه يغازلها هي وليس بومتها البيضاء، سقطت جذوة الفتنة فوق قلبها ولن تنطفىء أبدا، الآن تعرف وجهه، ولكن.. هل سترغب في قتله الآن وقد..أعجبها!

                  
❐❐❐                              


✍حقوق الطبع و النشر خاص بمدونة الأقلام الذهبية©


إذا كان لديك قصه و تريد مني نشرها قم مراسلتي على تطبيق واتساب اضغط هنـــا

تعليقات