مالت الشمس فانزاح النقاب عن وجهها بحياءٍ فأضاءت شرفات القصر، جلست"الحوراء" في ديوانها بوقار، حيث كانت ترتدي برنسا مرصعا بالجواهر تتدلى منه سلسلة ذهبية مطعمة بالأحجار الكريمة، ثيابها البيضاء الواسعة تشعر من يراها بمهاب ٍة ٌوسكين ٌٍة كانت تلف رأسها بوشاح أبيض وقد انسدل من فوق رأسها شال طويل غطى كتفيها وقد لفته باحتشام على صدرها. عجوز كانت .. لكنها جميلة!
استأذن أحد رجال الديوان وقال بعد أن حياها بإجلال:
- مولاتي شغب بعض الجند في المنطقة الشرقية... ماذا سنفعل؟
أشارت "الحوراء" للكاتب الذي كان جالسا بالقرب منها وعلى يمينـــــه الـــــــــدواة والقلم وأمامه الأوراق متأهبا ليكتب ما ستقوله وقالت:
- لا يُلبّوا على الشغب، ولا ُيحوَجون فيما بعد إلى الطلب.
هز رجال الديوان رءوسهم وهمهموا موافقين، مرت لحظات ناقشوا فيها كيف يكفون حاجة الجند حتى يتفرغوا لما هو أهم، وهو حماية "مملكة البلاغة" من الأعداء، ثم قال أحدهم:
- إن أهل المنطقة الشمالية رفعوا مظلمة يشكون فيها عاملا هناك.
أشارت "الحوراء" مرة أخرى للكاتب ليدون خلفها وقال:
- أرسل لهم..."عيني تراكم، وقلبي يرعاكم"
وأمرت "الحوراء" بإرسال من يتحقق من الأمر ويعود إليها، ثم التفتت إلى أحد رجال القضاء الذي قال وهو يرنو لرجل يقف بعيدا يراهم ولا يكاد يسمعهم:
- مولاتي لقد قمت باستدعاء والي المنطقة الغربية كما أمرت وهو يستأذن بالدخول.
أذنت "الحوراء" له بالدخول وبعد أن ألقى عليها السلام قالت بحزم:
- أخربت البلاد، وأهلكت العباد؟
فقال الوالي مرتبكا:
- يا مولاتي، ما تحبين أن يفعل الله بك إذا وقفت بين يديه، وقد قرعتك ذنوبك؟
فقالت "الحوراء:
- العفو والصفح.
قال الوالي بلهجة يشوبها الإحساس بالذنب:
- فافعلي بغيرك ما تختارين أن يفعل بك.
صمتت "الحوراء" لوهلة ثم قالت:
- قد فعلت، ارجع إلى عملك فوالٍ مستعطف خير من والٍ مستأنف.
أسرع الوالي بالإنصراف وشيّعه رجال الديوان بأعينهم ثم قال أحدهم فور أن انصرف:
- حقا يا مولاتي إنك من أفضل حكام المملكة حلما.
قالت الحوراء:"
- وأنا والله أستلذ العفو حتى أخاف ألا أؤجر عليه.
فرغ الرجال من باقي مراسيمهم، وانتهى وقت الديوان وعادت "الحوراء" لقصرها واتجهت إلى صالة واسعة حيث كان الجميع يستعدون للاحتفال بمناسبة هامة .
❐❐❐
شد "الزاجل الازرق" سرج فرسه الذي صهل بعنفوان قبل أن يقفز صاحبه به في الهواء قفزة رشيقة عابًرا نهًرا رفيعا يفصل المكان الذي كانوا فيه عن واٍد فسيح بين جبلين يحتضن قصرا مهيب الطلعة، كان القصر بارزا وكأنه نحت داخل بلورة عملاقة، كل جزء منه كان رائعا في حد ذاته، تحفة فنية لا تشبه ما يجاورها، شرفاته كانت وكأنها محار مفتوح تطل منه لؤلؤات بديعة، بواباته عليها نقوش والتواء ات تشبه فروع الأشجار، وكأن الأزهار المنحوّته تضج بالحياة من روعتها. وقف "المغاتير" أخيرا وكانت قوائم خيولهم مصطفة على التوازي بشكل أنيق أمام البوابات، رفع "الزاجل الازرق" يده ولوح لحراس القصر ففتحت البوابات، فدلف ومعه رفاقه للقاء الملكة.
بخطوات منتظمة سار "المغاتير" في زمرٍة مهيبة تجاه جناح الملكة، توقفوا جميعا فجأة عندما بدأت الأرض ترتفع قليلا في مستواها عما خلفهم، تقدم "الزاجل الازرق" حيث استقبله خدام القصر بوجوه باسمة، وكأنهم كانوا يترقبون وصوله! كان الصمت يخيم على المكان، أشعة الشمس الحانية كانت تتسلل من النوافذ لتلقي على الأرض أمامه انعكاسات ذهبية خالبة، كانت تتراقص أمام خطواته وكأنها ترحب به، بدت النقوش والزخارف بديعة على الحوائط وهي تحتضن وتتكاتف، وارتصت أوعية من الفخار على الرفوف تطالع أهل القصر من أعلى بشموخ. دلف حيث كانت الملكة تجلس بوقار وعلى الجانبين عدد كبير من الرجال يجلسونّ على الأرٌض في صفين منتظمين وأمام كل منهم طاولة صغيرة عليها كتاب والكّل مشغول بالتّدوين، كان للملكة وجه به بقايا جمال متعب، بدت عجوزا تخطت السبعين لكنها كانت جميلة الروح، تلك التجاعيد التي حول عينيها من الطرفين بدت وكأنها تحتضن نظراتها بحنان، كان بؤبؤاها شديدي السواد يًسبحّان في بّياض عينيها الشاهق بحياء، سقط حاجباها لكن جبينها كان شامخا بعزة، هشت فور أن رأت "الزاجل الازرق"، أشارت له ليجلس مكانه ففعل بهدوء، كانت تقف أمامها فتاة احتشمت برداء أرجواني اللون فضفاض واسع، له قلنسوة مذهبة الأطراف بشكٍل بديع، أكمام ردائًها الواسعة كانت تصطف على حروفها فصوص من الياقوت الأحمر دقيقة جدا كانت الفتاة تقرأ بتأثٍر من كتاٍب بين يديها وبصوت تشوبه بقايا بكاء:
'' نكس الفارس سيفه و اجهش بالبكاء ، كان قلبه يخفق بحرارة طغت على حرارة النار التي احرقت قدميه، كان الحزن مذاقه مختلفا، ليس قصيدة حزينة تترف في اذنييه، وليس خبرا مفزعا يستقبله بالنحيب، الحزن مر لان صديقه الذي كان يثق به كان قد خان الوعد. عاد الفارس الى الديار بعد ان طاب جرحه ليبحث عنها، واخيرا وقف امامها يرجو المغفرة ما عادت الحياة تطيب بعيدا عنها. و كانت "هيلا" تتوسد الصبر حتى يعود . لم تذق عيناها الجميلتان طعم النوم و الراحة حيث ضاق بها امكان خلال غيابه ، زفت اليه على عجل في ليلة ملات فيها كفه بالدموع و تفجر في صدريهما ينبوع الحب ، و اخيرا رقص جريد النخل وتعانقت حبات المطر، وبات الصدق يجول الانحاء، في الديار، على التلال، شامخا فوق الجبال، كما يجول الهواء في صدور الانقياء الاصفياء "
أغلقت الفتاة الكتاب بين يديها، وفي نفس اللحظة أغلق كّل الّرجال الكتب أمامهم في آن واحد وكأنهم قد اتفقوا على التوقيت، وتقدمت الفتاة بخطوات ثابتة نحو "الحوراء" تسلمه لها، وضج المكان بأصواتهم وكأنهم يحتفلون بحدث عظيم.
كانوا يحتفلون بـ "هيال" وهو اسم لأميرة نبيلة وهو أيضا عنوان قصة يحكي عنها هذا الكتاب.
في تلك اللحظة استدارت الًفتاة التي كانت تقف أمام "الحوراء" وتقرأ، ورفعت الكتاب الذي كان مكتوبا عليه بخط واضح "هيال"، فهلل الجميع، كانت الفتاة مشرقة ولها وجه طفولي بريء، لون عينيها كان يتأرجح بين اللون الرمادي والأزرق الشاحب، كانت تطالعهم وعلى وجهها ابتسامة فخر، فور أن رأت "الزاجل الازرق" الذي لا تعرف من ملامحه سوى عينيه الواسعتين فهو يتلثم دائما كعادة المغاتير، شخصت بعينيها تجاهه وانتفضت فجأة وتغيرت ملامحها، فهي تريد الرحيل فوًرا والعودة إلى بيتها وعالمها فقد أدت مهمتها على أكمل وجه، وتخشى أن يتحقق ما أخبرها به الحكيم "سامي كول!!"
❐❐❐
تقدم "الزاجل الازرق" ووجه تحّيته للملكة وقال بعد أن الحظت علامات التوتر التي تطل من عينيه:
- مولاتي، لقد وصل المحارب، وصل "أنس."
- وأين هو؟
- للأسف ركض في الغابة ولم نتمكن من الحديث معه.
- يا للمصيبة! كيف حدث هذا! أين الرمادي؟ وأين كنتم أنتم؟
- تأخرنا للحظات فقط... مجرد لحظات.
رفعت صوتها وقالت وهي توقع كّل كلمة بنبرة صوتها المميزة:
- أن تصل مبكًرا وتنتظر خير لك من أن تصل بعد فوات الأوان.
- أعلم مولاتي، وأعتذر.. لن تتكرر.
- والآن كيف سنتواصل معه؟
من بعيد، ومن خلف الستار، كانت " َمرام" تراقب الحوار وقد كتمت أنفاسها عندما سمعت اسم "أنس"، ذاك الشاب الذي يتحدثون عنه تعرفه، فقد أخبرها "سامي كول"، ذاك العجوز ذو اللحية أنها ستلتقي بهذا الشاب، وربما تضطر للبقاء، وهي تود الرجوع إلى أهلها في الحال.
ركضت خارجة من القصر في فزع والتف حولها العديد من الفتيات والجواري، اتجهت إلى الوادي القريب من القصر تنتظر أنثى الصقر التي ستحملها لتعود
إلى بيتها، كانت ترتجف، غابت فرحتها فجأة، أرادت أن تتخذ القرار، تريد العودة لكن ضميرها يؤنبها هل تخبر "الحوراء" بما قاله لها "سامي كول" أم لا؟
كانت خائفة.
اقتربت "الحوراء" في موكبها وحولها الحّراس، من خلفها كان يسير "الزاجل الأزرق" وهو يقلب ما حدث في رأسه، ماذا لو وصل "أنس" إلى الجنوب؟ في تلك اللحظة قالت "الحوراء" موجهة كلامها لـ " َمرام" التي بدت على ملامحها علامات الارتباك:
-شكرا لك يا " َمرام"، حان وقت الرحيل. ودعوها ووقف الجميع رافعين رؤوسهم ينتظرون "قطرة الدمع" لتحملها
وتعيدها إلى موطنها، لكن "قطرة الدمع" ابتعدت فجأة عندما صاح مناد المملكة قائلا:
- موالي الحكيم "سامي كول"
التفت الجميع نحو باب القصر، واقتربوا حيث كان يقف الكهل فكلهم يعظمونه ويقدرونه لأنه ذو شأن عظيم في المملكة، كان يشير وهو مغمض العينين! رفع ذراعه تجاه أنثى الصقر التي كانت تحلق في السماء والتي يطلقون عليها "قطرة الدمع" لتبتعد... كان الجميع يتساءلون: (لماذا جاء ذاك الحكيم الذي لا يغادر بيته إلا للضرورة في هذا الوقت من النهار؟) رفعت " َمرام" رأسها تجاه "قطرة الدمع" التي كانت تحلق فوق رؤوسهم في السماء، تابعتها بنظراتها وهي تبتعد بدون أن تحملها معها كما كانت ترجو، ثم ترجرجت الدموع في مقلتيها، بدت حائرة ويائسة وقالت بخفوت وهي تسير بجوار الملكة:
- لماذا يبعد الحكيم "سامي كول" "قطرة الدمع"! ألن تحملني لدياري؟ ألن أرحل الآن؟
- يبدو أن هناك خبرا جديدا، انظري لوجه أبي!
تمتمت "مرام" قائلة وهي ترنو إليه:
- بالفعل...هناك شيء ما!
- ما هو يا عزيزتي؟
زفرت بِوَهَنٍ وقالت:
- ذاك الشاب الذي كنتم تتحدثون عنه منذ قليل..
- ما به؟
- رأيت اسمه في منتصف كتاب "هيال"، ظهر لي بشكل واضح، وأخبرني العظيم "سامي كول" أن أبلغه إن ظهر مرة أخرى على صفحات كتابي، وأنه من الأفضل أن أبقى لو وصل قبل رحيلي.
- وهل ظهر اسمه مرة أخرى؟
- نعم.. أكثر من مرة، وكأن الكتاب يريد أن يخبرني عنه شيئا ما.
- وهل قمت بإخباِر أبي؟
- بصراحة... لا!
التفتت "الحوراء" ورمقت "الزاجل الازرق" بنظرة ذات معنى، همهم "الزاجل الازرق" وغضن حاجبيه قبل أن يقول وهو يقترب منها:
- هل كان هناك رمز؟
قالت " َمرام" متلعثمة:
- لا أذكر..فكما تعلمون كنت مشوشة في الفترة الأخيرة حتى أن إكمال مهمتي كان صعبا جدا.
دلف الجميع إلى القصر يتقدمهم رّجل قوي البنّية بارز العضلات، يرتدي سروالا فّضفاضا وقميصا أبيض ودراعّة من الكتان، وعلى رأسه قلنسوة بيضاء، ثم صاح بصوت جهوري ليعلم كل من بالقصر:
- مولاي الحكيم "سامي كول."
ارتبك كل مّن بالقصر، وأسرعت الحوراء نحو الديوان تعّدل من مكان جلوس أبيها، ثم أمسكت بزجاجة مرصعة بالأحجار الكريمة ونثرت بعض قطرات العطر منها على الكرسي بجوارها وكأنها تهيؤه لاستقباله.
جلس "سامي كول" تجلله الهيبة وابتسامته الًعذبة تضوي على ثغره، كانت لديه لحية بيضاء طويلة ناعمة، بدا عجوزا جدا كشجرة بلوط قديمة، انحنت قامَتَه ووهن عظمه ولكنه بدا صلبا متماسكا، وأنيقا أيضا! كان ّيرتدي ّقباء بنفسجية اللون مفتوحة عند الرقبة، أكمامها محالة بخيوًط ذهبية، تغطي رأسه قلنسوة زاهية اللون ومطرزة، وعلى كتفيه وضع طيلسانا أخضر. حياهم بحبور وشرد بفكره قليلًا، كانت له عينان شفافتان كالبلور! بدت على وجهه علامات القلق فأسرعت ابنته بسؤاله وكانت ذكية اللب حاذقة الفهم تقرأ حال أبيها على وجهه فقالت:
- هل أنت بخير يا أبي؟
قال بألم وهو يمسح وجهه بكفيه :
- مات صديقي الحبيب.
- رحمه الله يا أبي، لا تحزن.
قالت "الحوراء" الجملة الأخيرة وهي تمسح على كتفه مخففة عنه ما ألم به من حزن على فراق صديقه العزيز والحبيب.
دمعت عيناه وجلس شاخصا بعينيه حزيًنا وجلست "الحوراء" تواسيه ُثم قالت بعد أن هدأت نفسه:
- أنهت " َمرام" مهمتها، لكّنها رأت اسم "أنس" يتكرر في كتابها، وتقول أّنك أخبرتها أن من الضروري أن تخبرك إن تكرر ظهوره.
- وهل تكرر؟
- نعم
- وهل وصل "أنس"؟
- نعم وصل.
- وأين هو؟
- للأسف، بدأت رحلته قبل أن يلتقي بنا وتوغل في الغابة وحده. التفت العجوز فجأة تجاه َمرام"، ُثم قال لها وهو يحّرك سبابته في الهواء محذرا:
- لا ترحلي، وأسرعي خلفه فأنت تستطيعين دخول الغابة أما نحن فلا... هيا.
اقترب"الزاجل الازرق" من الشيخ وسأله بإجلال:
- هلا أخبرتنا أيها الحكيم عن سبب ظهور اسم "أنس" في كتاب "هيال" الخاص بـ"مرام"؟
- كان لا بد من هذا، ورّبما ستظهر صورتها في كتابه!
-لماذا؟
سحب "سامي كول" نفسا عميًقا ُثم صمت حتى أّنهم ظنوا أ ّنه لن يتكلم، ثم قال أخيرا:
- ستخبرنا " َمرام" بنفسها يوًما ما.
كانت "الحوراء" تدرك شعور " َمرام"وشوقها للعودة لبيتها، سألت والده اوهي ترنو إليها بحنان:
- هل عليها البقاء وقد أّدت مهمتها؟ أظنها اشتاقت لأمها.
رفع الحكيم حاجبيه وقال:
- على الأقل تحاول اللحاق به وتعيده، لن يستغرق الأمر منها وقًتا طويلا، ربما ساعة أو ساعتين!
نهض "سامي كول" فجأة، قرر العودة لداره، يأبى البقاء في القصر، ويرفض الإقامة مع ابنته، حتى والمطر يهطل بغزارة صمم على الرحيل!
- لكّنك لم تخبرنا بأي شيء جديد! ما سبب ظهور اسمه في كتابي؟ ألست حكيم المملكة يا سيدي؟
قالتها " َمرام" بضيق، ودت لو وضح العجوز شيئا ما، فهي تود العودة إلى بيتها في الحال.
التفت الكهل بعينيه البلوريتين ثم قال موجها كلامه لـ" َمرام:"
- سيكون طوق نجاة لك، وستكونين طوق نجاة له يوًما ما.
ُثم سألها:
- هل تدركين معنى كلامي يا " َمرام"؟
ابتلعت " َمرام" ريقها بصعوبة، ُثّم قالت بصوت مهتّز:
- في الحقيقة...لا!
لاح على شفتيه شبح ابتسامة، استدار وتركها وعلامات الخوف تتمشى في وجهها . التفتت "الحوراء" تجاه " َمرام" التي كانت تطالعها باهتمام شديد ممزوج بالتوتر، كانت تعصر كفيها وتتنفس بصعوبة، رمقتها الملكة بنظرة تشي بالكثير وقالت لها:
- " َمرام" أعلم أن مهمتك قد انتهت، لكننا في الحقيقة نحتاج لوجودك معنا في المملكة لفترة وجيزة لمساعدتنا في هذا الأمر، فأنت تعلمين أننا لا نستطيع دخول الغابة، أما أنت فتستطيعين لأنك محاربة.
زفرت "مرام" بيأس وقالت وهي تهّز رأسها:
- وهل لي أن أقرر أو أختار؟ قد كان اليوم احتفاًلا بانتهاء مهمتي وكنت على قيد أنملة من عودتي لداري!
رمشت الملكة بعينيها وقالت:
- للأسف...لن نستطيع السماح لك بالرحيل الآن.
مرت " َمرام" بلحظة عصيبة قبل أن تقول:
- لكن لي طلب واحد.
- وما هو؟
- عند انتهاء الأمر رّبما أطلب منك شيًئا ما، وأريد منك أن تعديني بأن تحققيه لي.
- وما هو؟
- ليس الآن...
- أعدك يا ابنتي طالما الأمر في استطاعتي.
- حسًنا، والآن...ما المطلوب مني؟
اقترب منها "الزاجل الازرق" وقال بَنبرة جادة:
- الأمر هام، وصل "أنس" وها هي رحلته على أرض مملكتنا قد بدأت دون أن يلتقي بنا، أخشى أن تختلط عليه الأمور ولا يميز بين النقيضين، وقد تخدعه المظاهر ويثق بأحدهم فيقع أسيره ويختل ميزان الحكم لديه فيسلب منه حق استرداد كتابه، ودّورك أن تتبعيه في الغابة، وكما تعلمين لأنك محاربة فأنت في أمان فيها أما نحن فال، وعندما تلتقين به عودي معه إلى هنا بسرعة.
- حسنا...ولكن!
- ولكن ماذا؟
- كيف سأعرفه؟ هلا وصفته لي.
- الحقيقة ّ أنني....لا أعرف شكله...لقد رأيته من الخلف فقط، كل ما لاحظته أنًه طويل القامةً وقوي البنية، ذراعاه مفتولا العضلات، كما أن لديه شعرا فحميا قصيرا، ويحمل على ظهره حقيبة جلدية، ويرتدي سروال سماوي اللون، لكنني لم أشاهد وجهه.
زفرت "الحوراء" بحنق وقالت:
- لحظة واحدة كانت فارقة.
نكس "الزاجل الازرق" رأسه وقال بخجل:
- أعتذر مّرة أخرى يا مولاتي.
أمسكت "الحوراء" بذراع " َمرام" وقالت:
- هيا يا " َمرام" إلى الغابة، لن نضيع الوقت.
في الحال، هرول "الزاجل الازرق" تجاه فرسه وامتطاه بقفزة واحدة، صهل الفرس بقّوٍة فأجابته الخيول بصهيل جماعي وكأنهم يستجيبون لأمره، انطلق المغاتير يصحبون َمرام" نحو الغابة، حيث ستدخلها وحدها باحثة عن "أنس."
❐❐❐
هنيًئا لهؤلاء الذين ينسون سريعا، الذين لا تنطبع على نفوسهم بصمات الآخرين، ما زالت "ناردين" تشقى بقلب لين كالصلصال؛ كلما لمسته روح أحدهم في موضع غاصت فيه احترق من حرارة تعلقها بتلك الروح وجف ليحفظ تلك الذكريات، أصبح فؤادها كالقالب، ذكرى ذكرى منقوشة فيه، ندبة ندبة تتحسسها فتوجعها، نقوش تحكيهم، هؤلاء الذين عبروا من بين ضلوعها، ولن تفنى أبدا تلك العلامات إلا بموتها، ليتها تنام طويلا وتنسى كل شيء في الصباح.
نشأت "ناردين" في أسرة صغيرة من الفلاحين البسطاء، كانوا يعيشون في السهل الكبير الذي يتوسط قرى مملكة الجنوب التي تناثرت حولها تلك القرى وكّأنها حفنة من النجوم حول القمر، كانت القرى صغيرة وسكانها مّتشابه ونلكنهم متفرقون، لو اًستطاعوا ملًء الفراغات بين القرى ببناء عدة بيوتالتصلت وأصبحت كيانا واحدا عظيما، أو حتى يحولونها إلى ممرات ويرصفونأرضها بالحجارة ويتنقلون بين القرى بالعربات، لكن لكل قرية معتقداتها ولسكانها طباعهم الخاصة، يقولون إن البعض حاول أن ينتقل من قرية لأخرى لكنه لم يتمكن، أخبرها أبوها بأن هناك من لفظ أنفاسه الأخيرة على حدود قريته! وكأن روحه تأبى الخروج من الحدود، تستطيع أن تخرج وتعود للتجارة أو غيرها، أما أن تعقد العزم على هجران أرض القرية وتبيع دارك ثم تحمل متاعك للرحيل فأنت هالك لا محالة، وكأنها لعنة أصابت سكان المملكة جميعا.
كانت صغيرة عندما استمعت لأنين الأشجار لأول مرة في حياتها، في الخامسة ربما أو السادسة من عمرها، كان هذا عندما صحبها أبوها للغابة ليجمع بعض أوراق النباتات العطرية التي يستخدمها في صناعة الأدوية والوصفات التي يبيعها في دكان العطارة الخاص به، أحبت "ناردين" جمع أوراق الريحان فقد كانت رائحته تعلق بملابسها وكفيها الصغيرين، كما كانت تفضل جمع إكّليل الجبل نظرا لأهميته الشديدة بالنسبة لأبيها، فقد أخبرها أن أوراقه تنشط القلب، وشرابه الساخن يزّيل الصداع ويعالج غازات البطن، كما أن زيته يفيد الأطراف المرهقة لو دلكت به، أحبت رائحته التي تشبه رائحة الصنوبر، كانت أمها تغلف اللحم به أحيانا قبل أن تقوم بشيه، كان يضفي نكهة لطيفة للحم وكانت هي تحبه كثيرا، حتى أنها دهنت بشرتها بزيته..كم كانت أمها جميلة! لا تدري لماذا لا تشبهها.
كانت تجمع الأوراق لأبيها وتحتفظ بالأغصان فقد أوصتها أمها أن تجمع بعضها لتحرقها في أركان البيت فلها رائحة عطرية جميلة، وبينما كنت تضع الأغصان في جراب من القماش كانت تلفه فوق خصرها سمعت هذا الأنين، انتفضت حينها وصرخت، ألقت الأغصان ووقفت تحملق فيها وهي تئن، استمر أنينها فأدركت أن الصوت صادر منها بالتأكيد، حملتها مرة أخرى ومسحت عليها بحنان كطفل رضيع فسكنت، وكأن بينهما وشيجة ما تربطهما! تفهم همهماتها وتفهمها. دستها في جرابها وسارت بين أشجاّر الغابة فإذا بفروع الأشجار تنحني وتقترب منها، تلامس بشرتها بلطف و كأنها تحييها ثم تعود لهيأتها، و عندما يقترب أبوها أو أحد رفاقه تسكن وكأن شيئا لم يكن. أخبرت أباها لكنه لم يصدقها، وأخبرت أمها فوصفتها بالمجنونة، تكرر الأمر وكانت تخبرهم فيسخرون منها فتوقفت عن إخبارهم بما تراه وتسمعه وتشعر به، وأصبحت تعشق السير في الغابة وحدها، حتى أنها أحضرت نبتة صغيرة من تلك الغابة ووضعتها في أصيص بدارها وصارت تحدثها كثيرا وتخبرها بأسرارها، مرت السنون ومات أبوها فجأة وبعده مرضت أمها مرضا شديدا ثم لحقت به، وتزوجت "ناردين" من شاب كان يعمل مع أبيها في دكان عطارته، أخبرته بأمر النباتات التي تحدثها فغضب وظنها مريضة وتهلوس بسبب الحمل، فبدأ يسقيها منقوع الزعتر والزنجبيل وداواها بخلطة مميزة قام بصنعها خصيصا لها لكي تبرأ من الهلوسة فتوقفت عن الحديث معه عن أمر النباتات فعاد لحنانه وحبه لها ونسي الأمر، أنجبت بعدها ولدها الوحيد وقتل زوجها في شجار عنيف وكانت لا تزال ترضع وليدها، انفطر فؤادها ولم تفلح في مداواة جرح قلبها بالعطارة، لكنها داوته بالحب والرضا، حب ابنها وقرة عينها وشبيه أبيه فصبرت عليه طويلا طويلا.
مرت السنون ووهن العظم منها واشتعل رأسها شيبا، وانحنى ظهرها وكبر ولدها وصار هو عكازها الذي تتوكأ عَليه. ما زالت تذكر كل شيء، نظراتها إليها عندما أيقظتها صباح ذاك اليوم، نبرة صوتها وهي تخبرها ببهجة مزيفة أن تستعد لأنهم سيخرجون لنزهة في البساتين المحيطة بالقرية كعادتهم معا ويأكلون الحلوى التي تتقن صنعها بعد أن يتناولوا لحم الخراف المشوي المتبل بإكليل الجبل كما تحبه، ضحكاتها المصطنعة وهي تضع سلة التفاح في العربة الخشبية، حتى الحصانين المبرقشين كانا يحركان رأسيهما ويتلفتان إليها وهما على الطريق وكأنها اتفقت معهما على الخطة، أخبرتها أن ولدها ينتظرها على أطراف البستان فصدقتها، وكيف تكذب زوجة ولدها عليها؟! وظلت طوال الطريق تطالع مجاميع الأشجار الباسقة من نافذة العربة بتعجب، أي بستان ذاك الذي ارتفعت أشجاره والتفت بتلك الطريقة! لم يلحق بهم ولدها ولا أحفادها، لم يكن إلا هي وزوجة ابنها تلك وسائق العربة السكير الذي كانت تفوح منه رائحة الخمر والقذارة، لا بد أنه قبض الثمن غاليا، كان قرص الشمس يتوسط السماء عندما وصلوا إلى ذاك الكوخ، كانت تسير ببطء وتتأبط ذراع زوجة ابنها بعدما ترجلا من العربة بينما كانت تهمس الأخيرة في أذنها بصوت يشبه الفحيح:
- أسرعي فأنا على عجل أيتها العجوز الشمطاء!
تخشب لساّنها في فمها فقد كانت تلك اّلمرة الأولى التي تخاطبها فيها بتلك الطريقة، حتى أنها كانت تدللها وتناديها بأحب الأسماء أمام ولدها الحبيب!!
جلست على باب الكوخ تلتقط أنفاسها، أدبرت زوجة ابنها وهي تهرول تجاه العربة بعد أن ألقت السلة أمامها وألقى السائق بجوارها خرقة من القماش جمعوا فيها ثيابه على عجل عندما كانوا بالبيت ولم تنتبه لهم، تركوها ورحلوا وبدأت تصرخ حتى احترق حلقها، سقطت الشمس والتقمها الأفق وبدأت ترتجف، أوت إلى الكوخ وهي خائفة، فانحنت الأشجار واحتضنت جدران كوخها وأظلتها بظلالها الوارفة والتفت الوشائج حوله من كل جانب، هدأت بعد أن أرهقها البكاء، وربط الله على قلبها بعد أن استعصمت به وصبرت.
ومرت الأيام تتوالى عليها، صباح يشرق على ليل بهيم، وليل يمهد لإشراق عظيم ومنذ تلك الليلة وهي هناك، يمر الناس بعضهم يراها وبعضهم وكأنه لا يراها، ما عادت تخاف، لكنه الشوق! اشتاقت لرائحة ولدها، رائحة عنقه،رائحة عرقه، اشتاقت لأحفادها.
حاولت أن تعود وسارت طويلا بين أشجار الغابة، حاولت أن تتذكر الطريق، مر ّوقت طويل منذ صغرها، كانت تنجح في الوصول لأطراف الغابة، ولكن في كل مرة تصل فيها إلى الخط الحجري الفاصل بين أرض الغابة والأرض خارجها كانت وشائج الأشجار تتمدد وتطول وتلتف حول جسدها وتتلقفها قبل أن تخطو بقدمها خارج حدود الغابة، وكانت تحملها بلطف وتعيدها مرة أخرى لذاك الكوخ، ترفض رحيلها! تعبت من تكرار المحاولة وماعادت تقوى على المسير.
هطلت أشجار اّلياسمين بزهراتها على رأسها وكأنها تهاتفها ألا تحزني، حتى العصافير كانت تحلق أمامها على مقربة وكأنها تؤنسها برفيف أجنحتها حتى تعود. كانت تفرك يديها بأوراق الريحان من آن لآخر وتشمها فتتعطر روحها، حمدا لله على تلك الروائح الزكية التي تخفف عنها..
" حسنا حسنا...لن أرحل يا أحبائي لكنني ما زلت أشتاق، وما أقوى هذا الشوق، أشتاق لرائحة ولدي الأزكى من رائحة الريحان"
همست بصوتها الحنون ووقفت تتأمل، مضى نصف اليوم حيث كنت تقف قريبا من الكوخ تراقب انعكاس صورة وجهها على صفحة جدول الماء القريب، أصبحت صلعاء! صلعاء منذ فترة طويلة، رأسها لا يحمل شعرة واحدة، حتى حاجبيها تلاشيا، تساقطت رموشها! ظنت أنها تخيف الناس بهيأتها تلك، كانت لا تعلم أنها جميلة حتى وإن أرهقتها السنون، عادت تهمس محدثة نفسها:
"حمدا لله أنني هنا فالأشجار ترعاني وتحبني وهذا يكفيني، أسمع أنينها وتسمع أنيني، أربت على جذوعها وتلمس أوراقها على وجهي."
هزت رأسها وكأنها شخص آخر ينصت إليها ويوافقها على كلامها، قد يبدو حديث النفس بصوت مسموع نوعا من الجنون، لكن "ناردين" كانت تتسلى بهذا من آن لآخر، تحدث نفسها وتحدث الأشجار، وتنصت إلى الرياح وما تحمله من حكايا... وربما تهمس لها ببعضها!!
اهتز سطح الماء فجأة فقد مر بجواره ذاك الشاب المشاغب الذي يدعى "شهاب" كان يركض كعادته بسرعة كالبرق، حيرها ذاك الفتى بحواًراته من آًن لآخر معها، يبدو معجبا بنفسه للغاية، أحيانا تراه مجنوناّ وأحيانا مشاكسا وكثيرا ما يبدو مغرورا بنفسه. لم تنتبه لمن كان يلحق به إلا بعد أن صدمها دون قصد منه فسقطت على الأرض وندت منها صرخة مكتومة اهتزت لها وشائج الأشجار وكادت تفتك به لولا أنه توقف وانحنى يحملها وينفض الغبار عن ثوبها البالي وقال بحنان كانت تشتاق إليه:
- هل أنت بخير يا أمي؟
- أمي!!
خرجت الكلمة من فمه فوقعت من فؤادها موقعا بليغا، لم تسمعها منذ سنوات، اشتاقت لكونها أم، اشتاقت للهفة الأبناء عليها، اشتاقت لتلك اللذة التي كانت تقع في نفسها كلما ناداها ولدها بها. رفعت رأسها تجاه وجهه وتفحصته بتمعن، كان من ذاك النوع الذي يأسرك فلا أنت تملك أن تصرف نظرك عنه ولا تملك أن تطيل النظر إليه، ليس شديد الوسامة لكنه ساحر وجذاب، قالت وهي تحاول استعادة اتزانها إثر السقوط بينما تتكئ على الغصن الغليظ الذي صار يلازمها:
- بخير يا ولدي.
- آسف، كنت أحاول اللحاق بـ....
- "شهاب".. اسمه "شهاب" ولن تستطيع يا ولدي اللحاق به فهو سريع جدا.
- أتعرفينه يا أمي؟ أخبريني أين يسكن؟
كانت تستعذب منه كلمة "أمي"، أجابته وهي تتفحص ثيابه وتستغربها:
- يمر علي من آن لآخر، لكنني لا أعرف أين يسكن ذاك المغرور.
- أستأذنك فربما لو أسرعت الآن سأستطيع اللحاق به.
كاد ينصرف لكنه استدار عندما قالت له:
- سيعود إليك حتما فأنت محارب.
غضن حاجبيه وقال بتعجب:
- هل قلت عني... ُمحارب!
- نعم
- ولكنني لست محارًبا!
- بل أنت محارب بالفعل.
- ولم تقولين هذا؟
- ملابسك وحقيبتك وحذاؤك، هكذا تكون هيأتكم عندما تصلون إلى هنا، مر بعضكم علي من قبل، أنت محارب يا فتى.
- لا أدري من أخبرك بهذا، لكنني.. لست إلا مجرد شاب عادي، رّبما أجيد بعض الفنون القتالية كالكاراتية، لكنني لست محاربا!
ابتسمت له وسارت ببطء نحو درج حجري صغير غطاه العشب من الجانبين كان يفصل بين الأرض المجاورة لجدول الماء التي كانوا يقفون عليها والتلة البسيطة التي يعلوها الكوخ الذي تسكن فيه وجلست عليه ثم قالت له:
- متواضع أنت يا فتى.
ُثم أومأت بيدها وأردفت:
- على العموم، ستكتشف نفسك هنا، على هذه الأرض ستعرف ما لا تعرفه عنها، ليس شرطا أن تحارب بسيف أو سلاح، بعض المحاربين قوتهم في ثباتهم على الحق وليس في أجسادهم القوية.
- ماذا تعنين؟
- ماذا تعنين؟
- قوة الروح، العزيمة يا بني، أرأيت كيف يقوى الكهل على صيام الهواجرولا يقوى الشاب الفتي أحيانا! هكذا تكون قوة بعض المحاربين، قوة الإيمان، قوة النفس يا بني. ثم رمته بنظرة سريعة وتفحصته من قمة رأسه لأخمص قدميه ثم غاصت في عينيه وقالت له:
- لكنني أظنك تملك القوتين، قوة الجسد، وقوة الثبات على الحق إن شاء الله.
أغمضت عينيها للحظة لتقتنص فكرة ثم أردفت قائلة:
- انتبه لكتابك، ستظهر أول سطوره عندما تلتقي بأبطال قصتك.
- وما أدراك بأمر الكتاب؟
- هكذا أخبروني هؤلاء الذين مروا من هنا.
وأشارت لصدرها وتحسست ضلوعها بكفها الضعيف وكأنها تمسح أوجاعا التصقت به.
اقترب الشاب منها وأنزل حقيبته عن ظهره وأخرج الكتاب وفتحه باحثا عن أي جملة ربما تكون قد ظهرت على صفحاته الخالية، أغلقه ورفعه على صدره أمام عينيها فقرأت العجوز عنوان كتابه بصوت مسموع:
- إيكادولي!!.. انتبه إذن وحافظ عليه وفور أن تلتقي بهما عليك أن تراقبهما،فهما في حاجة لمساعدتك.
- هما...!!ومن هما؟
- لا بد أنهما اثنان ولا ريب، فقصتك تحمل عنوانا لعبارة لا تقال إلا بين اثنين، "إيكادولي"، وهي تعني أنا أحبك باللغة النوبية.
- قصة حب إذن!
- بالتأكيد.
- وماذا بعد؟
- ستراقبهما.
- لماذا؟
- لأنهما سيحتاجانك، ادعمهما حتى لا يقعا في الخطأ، فكل قصة وكل كتاب تعتبر دعامة للخير أو الشر هنا، ونجاحك نجاح لها يا.... أخبرني ما اسمك؟
- "أنس"
- يا له من اسم جميل، وأنا "ناردين"
- وما معناه!
- هو اسم نبات طيب الرائحة، بديع الشكل، لا ينبت هنا بل ينبًت في أرض بعيدة، هكذا أخبرني أبي فقد كان عطارا بارعا وكان يسافر كثيرا.
ابتسم بلطف ثم قال بعد أن تصفح كتابه مرة أخرى:
- عفوا...هل سأقوم بكتابة شيء ما على تلك الصفحات؟ في الحقيقة أنا لا أجيد كتابة القصص والروايات!
وضعت يدها على فمها لتخفيه فما عادت تملك أسنانا تزين ابتسامتها، ثم قامت فقام "أنس" احتراما وإجلال لها، وسار بجوارها فقالت له:
- لن تكتب أنت، لكن ما تراه بعينك وتعيشه سيظهر على السطور، فالكتاب لن يطلق سراح كلماته لتستقر على السطور إلا عندما يشعر أنك تثق به، ثق في كتابك يا "أنس"، "إيكادولي" يثق بك وقد اختارك لأنه يحتاجك، الكتاب يعاني صراعا شديدا فأعنه على ما يلاقيه من صعاب، لا تظهره لأحد، ولا تخبر أي شخص باسم الكتاب، كن حاذقا واعلم أنك ستعتمد على حصافتك وقوة شخصيتك أحيانا، ولو ادلهمت الأمور ابحث عمن يعينك.
- ومن أين عرفت كل هذا؟
- مرت سنون يا ولدي تعلمت فيها الكثير و التقيت فيها بالعديد من البشـــــــــــر، لابد أن يمر المحاربون من هنا.
وأشارت لضلوعها مرة أخرى....
هز "أنس" رأسه ومسح جبهته وضغط بكفيه على عينيه، وقال:
- ما زلت لا أستوعب الأمر،الأحداث تتسارع وتتوالى علي بسرعة، ترى هل من الممكن أن تدليني على قصر الملكة "الحوراء"؟
- ليتني أستطيع الخروج من الغابة!
- ولم لا؟
جاست بعينيها في المكان وقالت:
- الحقيقة أنا لا أعرف أين قصرها، ولم أرها من قبل.
- هل يمر المغاتير من هنا؟
صمتت برهة ثم ركزت عينيها في عينيه وقالت:
- أولم تلتق بأي شخص غير "شهاب" قبل أن تلتقي بي يا بني؟
- لا...كنت أنت أول من رأيته بعد "شهاب" ثم سألها بقلق:
- بعد استعادة الكلمات في هذا الكتاب، هل سأعود؟
- بالتأكيد.
شعرت بانقباضة في صدرها، خافت عليه وكأنه قطعة منها فقالت تحذره:
- احذر "المجاهيم".
- ومن هم "المجاهيم"؟
قالت بعد أن أمسكت بذراعه:
- قوم وجوههم كالحة، يسلبون الناس أنفسهم وأنفاسهم.
رفع "أنس" حقيبته على ظهره مرة أخرى، ونظر إلى السماء ثم قال:
- ذاك الصقر "الرمادي.." أين هو الآن؟
كادت تجيبه لكنها اكتفت بتأمل ملامحه، عيناه مألوفتان! وكأنها تعرف تلك المقلتين البندقيتين ورأتهما من قبل.! كان حديثها معه قد أضاء الكثير من الدهاليز المظلمة، سار شاردا بجوارها نحو كوخها، قررت أن تمده ّ بملابس أخرى غير تلك التي كان يرتديها حتى يتسنى له التجوال في المملكة وكأنه واحد من أهلها.
✍حقوق الطبع و النشر خاص بمدونة الأقلام الذهبية©
إذا كان لديك قصه و تريد مني نشرها قم مراسلتي على تطبيق واتساب اضغط هنـــا
تعليقات
إرسال تعليق
إذا كان لدي أي تعليق اكتبه في الاسفل