رواية ايكادولي 2 - د حنان لاشين


كان الجد في غرفة المعيشة عندما اقتحم "أنس" الباب وركض نحوه، ثّم جلس بجواره وبين يديه الكتاب، أنفاسه المتسارعة والتي كان يلتقطها من فمه تسببت في جفاف حلقه ولسانه، صاح بفزع:

- الجن..تلك الغرفة مسكونة لا ريب... الأرواح... الأشباح.
- اهدأ يا "أنس."
- الكتب تطير... و.. و.. الأوراق تتحرك بسرعة.. هناك صوت يصدر من بين الكتب.

حدجه الجد بنظرة ثاقبة وقال بجدّية:

- هل رأيت الرمز؟

انقطعت أنفاس "أنس" فجأة، لم يتوقع هذا السؤال! ازدرد ريقه وقال بخفوت:

- أي رمز!

أمسك الجد بعلبة السكر التي أحضرتها "صفية" قبل دخول "أنس" بلحظات مع كوب آخر من الشاي الساخن وسكبها على سطح الطاولة ثم حرك إصبعه ورسم الرمز الذي رآه "أنس" في الكابوس وعلى ظهر الكتاب، كان الرمز يشبه حرف "تي" باللغة الإنجليزية ..وفوقه خط أفقي يوازي قمة الحرف، حملق في وجه جده ثم سأله:
_
T
- أخبرني يا جدي ارجوك، ماذا يعني هذا الرمز؟
- الرقم ثلاثة باللغة النوبية .. تويكو TOYCKO ..لقد اختارك الكتاب يا "أنس".
- ماذا؟

وقف الجد واتجه إلى رفوف خشبية معلقة على جدار الغرفة وسحب الكتاب الذي كان بالغرفة عندما وصلا من محطة القطار، و وجده كلاهما ملقى على الأرض، أمسكه الجد أمام صدره وقال بجدية:

- لقد اختارني من قبل كتاب "أبادول" ومعناها الجد كما أخبرتك، وكان رمزي الرقم واحد ويرا wera .. أما والدك فاختاره كتاب "أمباب تود" ومعناه ابن أبيه وكان رمزه الرقم اثنان.. أويووو oywoo.. كلا الكتابين يحكي قصة، صراع بين الخير والشر، النهار والليل، الأبيض والأسود، وكان لابد من التدخل!
- لا أصّدق، هذا هراء، الكتاب جماد! لابّد أن هناك أرواح تعبث به أو جّن يسكنه! أمسك الجّد بذراع حفيده وسحبه، سارا معا تجاه غرفة "أنس"، قال وهو يسير بخطوات سريعة:

- تلك الكتب حية يا ولدي، إّنها تتنفس، تعيش، وتشعر بنا.

هز "أنس" رأسه باستنكار وقال:

- مستحيل!
- ما حدث معك حدث مع أبيك ومعي أيضا.
- ماذا تعني؟
- لا أدري عن أي شيء سيحكي كتابك، فالكلمات لن تظهر إّلا لك.
- لا أفهم.

فتح الجد باب غرفة "أنس" وأمسك حقيبة حفيده الجلدية وأخرج منها الحاسوب النقال ثم قلبها على الفراش ليفرغ كل ما بها، ثم قال وهو يتجاهل نظرات "أنس" الذي بدا عليه الضيق لأشيائه المبعثرة:

- بعد أن تبدأ رحلتك ستظهر الكلمات على السطور، صفحة بعد صفحة.
- لماذا أفرغت حقيبتي بتلك الطريقة يا جّدي!
- لن تحتاج لتلك الأشياء، سأزودك ببعض الأشياء الأهّم، لابد أن تستعد، و لتحمد الله أن هناك من يدلك فقد كنت أمضي في رحلتي قبلك لأول مرة وحيدا بلا دليل..هيا تعال معي.
- إلى أين؟
- غرفتي...هّيا بسرعة الوقت ضّيق.
- ما زلت لا أفهم.

دلف الجد لغرفته وفتح خزانته وأخرج صندوًقا خشبيا بديع الشكل عليه نقوش أزهار عجيبة وبارزة مطعمة باللون الذهبي، له قفل نحاسي لامع وبراق ثم قال:

- يبدأ الأمر عندما يختارك الكتاب، لتدافع عنه، رّبما عن تاريخ، وربما عن قيمة عظمى، سطرها أحد أمراء النوبة المعروفين قديما وهو الأمًير "أواوًا" على أوراق البردي من خلال قصص ألفها بنفسه، كان شابا نبيلا، وأميرا طيب الخلق أحبه الشعب، لكن الملك لم يحبه.

أخرج الجد قلادة عجيبة ألبسها لأنس فور أن سحبها من الصندوق، و زجاجة صغيرة زرقاء تحتوي على سائل أسود لزج محفوظة في علبة مبطنة بالقطيفة الحمراء، وقال بجدية:

- ستحتاجه، لم يتبق لدي إلّا القليل فحافظ عليه.
- ما هذا؟
لم ُيجبّه الجّد لكّنه سحب خنجرا عجيًبا له مقبض ذهبي نقوشه بديعة الشكل، ودسهما في الحقيبة الجلدية الخاصة بأنس، قال "أنس" بتوتر:

- خنجر ولم سأحتاج خنجرا! 
- ليس مجرد خنجر عادي يا "أنس".... ستقطع به مسافات طويلة
- كيف..! وإلى أين سأذهب!!
- سأخبرك بالتفصيل بعد أن أمدك بما أملكه وربما سيفيدك.

خرج "الجد" من الغرفة وهو يشير له ليتبعه. سأله "أنس" بتعجب وهو يتحسس القلادة ويتأمل النقوش التي عليها:

- هل كان ذاك الملك يكره ابنه "أواوا"؟
- بل عمه... الملك "كاشتا" الذي لم ينجب أبدا، وكان قلبه ممتلئا بالحقد تجاه أخيه الملك "ألارا"، كان يغار منه فقتله ليفوز بالعرش.
- والأمير؟ ماذا حدث له؟

أسرع الجد إلى صالة الإستقبال حيث كانت تتدلى من السقف ثريا بديعة ووقف يتفحصها بتمعن وكأنه يبحث عن شيء ما، وقال على مهل وعيناه معلقتين بالثريا التي تتدلى من السقف:

- ألقى حراس الملك القبض على الأمير النبيل"أواوا"، و حبس في سرداب تحت الأرض مع زوجته وأبنائه، كانوا يطعمونهم كالكلاب، يلقون إليهم بالطعام من فتحة ضيقة، حتى الأطفال لم يرحموهم من هذا القهر، حتى رق إلى حالهم أحد الجنود فكان يحمل إليهم المزيد من الطعام في الخفاء، وطلب منه الأمير"أواوا" بعضا من الأوراق ليبدأ بالكتابة والتدوين، وعكف على كتابتها لتكون مرجعا لأبنائه ، ليتعلموا منها.. نفدت الأوراق فانتقل ينحت على الجدران، لم يتمكن من التوقف عن التدوين، كان يكتب طوال الوقت، ثم امتلأت الجدران فجلس يحكي بقيتها لزوجته، وظل يكررها عليها حتى لا تنساها... ولكن...
- ما الذي حدث؟

كان الجد متوترا ومرتبكا بينما "أنس" يتبعه كظله وهو يتحرك بالبيت. ما يسمعه كان أكبر مما يستوعبه عقله، لكنه كان ينصت لجده بتركيز شديد:

- مرض الأمير "أواوا" مرضا شديدا، ظنت زوجته أنه سيموت، أوصاها وصيته الأخيرة ثم اختفى فجأة، فقد فوجىء الحراس بزوجته وأبنائه وحدهم داخل السرداب! كما اختفى معه الحارس الذي كان يساعده، استيقظت زوجته ولم تجده! في هذا الوقت لم يكن ابنه قد أتم العاشرة من عمره بعد، فخرجت زوجة الأمير ومعها ابنها وابنتها ، وحملت معها كتابات زوجها، وخلفت وراءها ما على الجدران رغما عنها، لو ملكت أن تنزع الجدران لفعلت، اكتفت بما تحمله من أوراق وما تحفظه من حكايا، هربت بابنها وابنتها واختفت لفترة طويلة، ولم تعد إلا بعد أن علمت بوفاة الملك الظالم، خلال فترة اختفائها كانت تقرأ ما دونه زوجها على ابنها الأكبر كل يوم، وكانت شقيقته ما زالت صغيرة جدا على استيعاب مثل تلك الأمور.

توقف الجد عن سرد الحكاية على "أنس" ثم مد يده إلى قطع الكريستال البديعة التي كانت تتدلى من الثريا وبدأ يجذبها، أشار لأنس وقال وكأنه يستعجله:

- اقترب فأنت أكثر مني طولًا، اخلع القطع الزرقاء التي تبرق فقط، ستحتاجها هناك، لقد أخفيتها هنا منذ سنوات.
رفع "أنس" عينيه تجاه الثريا وأخذ يحملق في قطع الكريستال، كانت جميعها متشابهة، لامعة وتبرق ! لا اختلاف بينها، لكًنه بعدً لحظات بدأ يميز التي تبرق بشكل غريب عن غيرها، كانت تومض وميضا خفيفا وكأنهّا تضاء من الداخل، بدأ يخلعها واحدة تلو الأخرى، كان يشعر بحرارة في كفه كلما التقط واحدة منها، أعطاها لجده الذي وضعها في كيس جلدي حتى ملأه ودسها في حقيبة أنس. سأله أنس وما زال القلق يستبد به:
- وماذا حدث لهم؟ 
- عندما كبر الابن واشتد عوده وخرج للحياة، صدم بالواقع، وبحث حوله عما قرأه في كتابات والده فلم يجد شيئا من تلك المبادئ ! فغضب غضبة شديدة، وتعملق الشر في نفسه إثر الظلم الذي وقع على والده وعليهم، ورأى من منظوره الضيق أن تلك المبادئ لا تصلح للحياة، وأن التمسك بها ضعف، وأن من أراد الحياة لابد أن يكون حرا لا يخضع لحدود ولا تحكمه قيم، وأن هذا هو الأبقى والأصلح للحياة الأهنأ والأرغد، عاث في الأرض فسادا، وأقبل على كتابات أبيه ليحرقها لكنه تراجع عندما غضب الكثيرون منه وبدأوا يدونونها بأنفسهم في أماكن متفرقة ليحفظوها مرة أخرى، فقد انتشرت بشكل كبير واشتهر أبوه بها، بعد فترة تخللتها الكثير من الأحداث استعان بكهل لئيم بارٍع في الكتابة، فساعده في تغيير محتوى الكتابات والقصص التي كتبها والده الأمير "أواوا" قبل وفاته وكأنه ينتقم منها، كره ما فيها وألقى عليها اللوم وكأنها السبب، ُزّيفت العبارات وحتى القصص قلبت نهاياتها وأصبح البقاء للأكثر سوداوية وخبثا.
مرت الأيام والشهور وكبرت شقيقته وقرأت ما بالكتب، وآل أمر حكم البلاد إليهما، فتنازعا أمر الحكم فيما بينهما، وأصبح الإبن الأكبر يحارب شقيقته الصغرى التي ظلت على نقائها وفطرتها ولم تنسّ أبدا ما روته أمها عن أبيها من فضائل، وأنكرت ما فعله، انقلب عليها ثم حبسها في نفس المكان الذي حبس فيه من قبل.. و....
قاطعه " أنس" قائلا:

- ولكن تلك الكتب رغم اصفرار أوراقها ولونها المختنق هي حديثة عهد بالطباعة مقارنة لما تحكيه لي، ليست تلك أوراق بردي!
تعصب الجد وقال بحدة:
- لا تقاطعني فالوقت يمر، دعني أكمل لك الحكاية حتى لا يداهموننا فجأة وأنت غير مستعد.
-من هم؟
أغمض الجد عينيه وتجاهل السؤال الأخير وبدا وكأنه يصر على إكمال ما يسرده على حفيده أولا حتى لا ينسى شيئا وقال:
- عثر علماء الآثار على اسم الأمير "أواوا" المختفي منحوًتا على أجزاء من تمثال فخاري مهشم لأسير مقيد. يبدو أن عمه "كاشتا" قد طلب صنعه عندما فشل في العثور عليه، وهشموه عن قصد. كانوا يعتقدون أنه في حالة صنع مجسد للعدو، وكتابة اسمه عليه، ومن ثم تهشيمه، فإن ذلك سيلحق به الأذى أو يقتله عن طريق السحر. فقد رغبوا في إيذائه - عن طريق السحر- طالما أنهم كانوا عاجزين عن إلحاق الأذى به، هكذا كان اعتقادهم.
كما عثر علماء الآثار أثناء الحفر على الأوراق المزيفة بجوار التمثال، وكًانت مهترئة تفوح منها رائحة الصدأ، ولم يتمكن أحد من قراءة ما فيها نظرا لحالتها السيئة، كانت تتمزق وتتفتت بين أصابعهم، بقيت صفحات قليلة منها وتم إهمالها ورأى الباحثون أنها ليست ذات قيمة، تركوها مهملة حتى يقرروا هل سيعرضونها في متحف على حالتها أم ماذا، سرّقها أحدهم وجمعها بحرص شديد في أغلفة مخصصة، وعاد إلى الفيوم، وحملها لبيته ظانا أنها من الممكن أن تباع ويحصل على ثروة إن أفلح في تهريبها وبيعها، وبات ليلته يفكر في الرموز القليلة التي بقيت على الأجزاء السليمة منها، في اليوم التالي استيقظ على صوت عجيب وكأن أحدهم يعبث في الأوراق، وفوجىء بها وقد تجددت، والكلمات والرموز وقد اتضحت، فعكف يترجمها للغة العربية واحدة تلو الأخرى، رتب أموره وقام بدفع رشوة إلى العمال الذين يقومون بالحفر في المكان الأثري الذي كانوا يبحثون فيه، وزعم أنه قد عثر على كتابات جديدة في بقعة آخرى، أحدث اكتشافه هذا - كما زعم - ضجة كبيرة فقد كانت تضم بعضا من الحكم والقصص النوبية القديمة، وتم طباعتها بإشراف هذا الّباحث بعد ذلك. ومرت سنون ابتلعت فيها صفحات الكتب التي طبعت كل الكلمات، تشربت الأحبار المطبوعة، رفضت الكتب أن تعكس الأكاذيب التي تسبب ابن الأمير "أواوا" في نشرها حين طمس حكم ومبادئ وقصص أبيه، وحان وقت استعادة الحقيقة ولك دور في هذا!
- وكيف عرفت كل هذا؟
- لأنني ذهبت إلى هناك بنفسي
-إلى أين؟
- مملكة غريبة.
- أي مملكة!
- "مملكة البلاغة."
- أنت تمزح معي يا جدي...أليس كذلك!
زفر الجد بحنق ُثم قال وهو يثقبه بنظراته:
-"أنس"، الأمر أكبر مما تظنه، هي بالفعل مملكة غريبة.
هرول "أنس خلف جده وسأله:
- أريد أن أفهم، ما تفعله يا جدي غريب ويوترني، هل سأسافر الآن؟
- نعم
- إلى أين...النوبة؟
- لا..لا... تلك ليست بلاد النوبة! كما أخبرتك سترحل إلى "مملكة البلاغة."
ضحك "أنس" بتهكم، كان متوترا وكاد يفقد عقله، سأل جده بعصبية لم يفلح في إخفائها:
- أي مملكة تلك!
- أرض غريبة، المناخ فيها دائما يشبه ذاك الذي نراه في نهار الشتاء، الشمس باهتة، لن تكون واثقا أنها أشرقت، وفي ذات الوقت لا تستطيع أن تنفي أنها هناك! ستشعر دائما بالبرودة، الطيور هناك يغطيها ريش غريب الشكل واللون، ستجدها أكبر حجما مما هي عليه هنا، الماء أخضر اللون، الضباب يلف كل شيء، الأشخاص غريبوا الأطوار والهيئة والملابس، وكأن كل مجموعة منهم أتوا من حقبة زمنية مختلفة، وبيئة مختلفة، وكأن هناك من جمعهم فجأة من أزمنتهم أو استدعاهم لمهمة ما، كما ستنتقل أنت إلى هناك. ثم التفت جده إليه وطالعه بنظرة جادة وقال:
- لقد تم استدعاؤك اليوم.
- ومن قال أنني سأذهب!
- بل ستذهب إن شاء الله . قالها الجد بنبرة واثقة وهو يركز في عيني "أنس" الذي رفع كتفيه باستنكار وقال:
- لن أذهب
- بل ستذهب!
- أخبرني برّبك ما الدليل على وجود تلك المملكة؟ لابد من دليل مادي قوي قبل أن أصدق كلاما كهذا، ما عدت ذاك الغلام الذي يحب القصص الخيالية يا جدي..أرجوك توقف عن معاملتي بتلك الطريقة أنت وأبي...لقد كبرت.
- لأننا نخشى عليك، لن تفهمنا الآن يا "أنس"، رّبما عندما تعود من رحلتك ستجد لنا العذر. 

عاد الجد إلى غرفة المعيشة باحثا عن الكتاب الذي اختار حفيده والذي كان عنوانه كلمة لم يسمع بها "أنس" من قبل... "إيكادولي" وقام بوضعه في الحقيبة، ثم التقط هاتفه الجوال، والتفت لحفيده قائلا:

- هل تثق بي؟
- طبعا.
- أتظنني أكذب عليك؟
- ربما أنت تمزح معي يا جدي!
- أخبرني يا بنّي كيف ظهرت فجأة شجرة الأبنوس تلك في بيتي وتيبست كالصنم بعد عودتي منذ سنوات؟
ُثم رفع رأسه ناظرا لسقف الغرفة المزّين بالنقوش وأردف قائلا:

- وكيف ظهرت النقوش الغريبة المطعمة بالنحاس الموجودة على أسقف البيت كله هنا فجأة بعد عودة أبيك من رحلته هناك؟
- وبم تفسر هذا يا جدي؟
- إنها هدايا "الحراس" لنا على ما قدمناه.
- أي حراس؟
- حراس المكتبة
- أي مكتبة؟

رفع الجد الهاتف على أذنه بعد أن قام بالاتصال بابنه "كمال" وقال بصوت حاد:

- لا تتأخر يا "كمال"...لقد اختاره الكتاب، لا بد أنهم على وصول!
ء .....
- حسنا نحن في انتظارك يا ولدي.

تسارعت دقات قلب "أنس"، كان يشعر بها في أعلى عنقه، وصوتها المتسارع كان يطغى على مسامعه، يبدو أن أباه في الطريق بالفعل، قال بصوت متحشرج: 
-هل حقا زار أبي أيضا تلك المملكة؟
- نعم .
- كيف سافر؟..أو انتقل كما تقول؟ وأنت أيضا؟
- صقر كبير.
- ماذا؟
تذكر "أنس" الطائر الذي يراه في الكابوس، ومخلابه الكبيرة وهي تقبض على كتفيه، فسرت قشعريرة في جسده كله كالنار، قال وقد زاغت نظراته :
- يحملكم من أكتافكم ويلقي بكم هناك.. أليس كذلك؟
- ليس هذا ما يحدث بالضبط فالأمر صعب التفسير ولكن.. بلى سيحملك الصقر إلى هناك.
- وأين هذا الصقر؟
- يظهر في الغرفة الموجودة بالطابق العلوي.
- غرفة الاشباح!
رفع الجد يده وهّز سبابته بعصبية وقال:
- أما زلت مصًرا على تسميتها بهذا الاسم؟ لا توجد أشباح.
- بل توجد وها أنت تحكي عنها.
- هي حقائق... ستصدقها عندما تراها بنفسك.
- ولماذا لا يظهر هذا الصقر في الحديقة أو المكتبة!
رمقه الجد بنظرة توحي بأّنه سيخبره بأمر مهم وقال:
- السبب هو البعد الجغرافي يا ولدي... فوق تلك البقعة تحديدا وفوق أرض غرفة الأشباح - كما تسميها أنت - عكف عالم الآثار الذي أخبرتك عنه والذي كان يعيش هنا على ترجمة الرموز والحروف وإعادة كتابة تلك القصص باللغة العربية واحدة تلو الأخرى، مشوهة كما زيفوها قديما، فغضبت الكلمات، واستيقظت الحروف، وكأن الروح قد دبت فيها،
واجتمعت الكتب وقررت أن تختار من يدافع عن القيم والمعاني السامية.
فأرسلت الصقور في كل مكان لتبحث عن المحاربين، الذين يؤمنون بالمبادئ السامية، ليدافعوا عنها و يستردوا الحقيقة.
- إذن هناك صلة بين الحكام هناك والكتب؟
- بل بين حروف الكتابة وحراس المكتبة... ستعرف عندما تصل إلى هناك.
- ولكن ما الذي يجبرني على تصديق هذا الكلام؟ ولماذا سأسلم نفسي لصقر! كل هذا يدفعني إلى الجنون يا جدي.
- لا بد أن ترحل.
- لماذا؟
- لأن امتناعك عن إجابة نداء الكتب سيعرضك للخطر هنا، فهناك من يترصدونك، كما أنك ستلتقي بأعداء هناك ولديهم عيون.
- ماذا تعني بالعيون؟
- الرمًز كما يظهر لك يظهر لأحد أعدائك، سيتربصون بك ويرسلون لك صيادا تلو الآخر، ليأسرك أو يقتلك قبل أن تصل إلى الحقيقة هناك. كما أن هذا سيؤدي إلى محو القيمة السامية التي في كتاب "إيكادولي" إلى الأبد.. ستقرأ الأجيال القادمة ما سيكتب و سيصدقونه.
صمت الجّد هنيهة ُثّم سأله:
- والآن، ما هي الكلمة التي ترددت في النداء؟
- أي نداء!
- ذاك الصوت الذي سمعته يناديك في الحلم.
- وكيف عرفت أنني سمعت نداء في الحلم؟
- أخبرني أبوك، فقد هاتفني فور خروجه من محطة القطار، رأى ما رسمته على الزجاج...الرمز!
فغر "أنس" فاه ولم ينبس ببنت شفة، الآن فقط انتبه، لقد كانت الكلمة التي تتردد هي "إيكادولي ... إيكادولي"، كانت الفتاة التي تقولها تطيل الحرف الأخير وكأنها تصيح به، صوت عذب جميل تشوبه مسحة ألم وأنين كنوح الحمام. ارتفع زامور سيارة أجرة، لقد وصل للتو، ترك "كمال" باب السيارة مفتوحا وركض نحو البيت بعد نقد السائق الأجرة، اقترب "كمال" وطالع ولده بإشفاٍق ثم مد يده وأظهر سلسلة كان يرتديها في عنقه يتدلى منها مفتاح قديم نحاسي اللون وأمسك بيد "أنس" ووضع المفتاح فيها وأطبقها على المفتاح بحنان ثم ضغط بقوة وكأنه يؤكد على أهميته، سأله "أنس" وما زال القلق قابعا في عينيه:
- ما هذا المفتاح؟
- ستحتاجه، علقه مع القلادة، منذ أن بدأ الكابوس يتكرر عليك يوميا وأنا أحمله لكي أعطيه لك في الوقت المناسب.
نظر "أنس" لوجه أبيه القلق وهو يربت على كتفه بحنان، ُثم قال:
- لا أود أن أرحل يا أبي...لماذا أنا؟
مسح الأب بحنان على خد ابنه وقال بإشفاق:
- أين الفضول؟ وأين حس المغامرة؟ ألم تخبرني أنك مللت من حياتك الرتيبة وأنك تشتاق لتغيير ما في حياتك، ظننتك تود أن تلتقي بشبح! أليس كذلك؟
- وهل تلك أشباح؟
- لا يا بني... الأمر مختلف!
- إذن لكل منا كتاب خاص يختاره. كتاب جدي معناه الجد الأكبر، وكتابك يا أبي معناه ابن أبيه و عنوان كتابي "إيكادولي" وهي تعني الحفيد إذن؟
- لا !!
- إذن ماذا تعني يا أبي؟
- أحبك
- وأنا أيضا يا أبي أحبك... فأخبرني الآن أرجوك ما معنى تلك الكلمة.
التفت الجد إليهما وهما يتعانقان وقال بنبرة ساخرة:
- أيها الساذج...! "إيكادولي" تعني "أحبك." 
في تلك اللحظة هبت ريح قوّية اهتّزت لها جدران البيت، سقطت أوراق أشجار الحديقة بكثافٍة وكأن فصل الخريف حل فجأة، طارت الأوراق ثّم رشقت النوافذ فصدر صوت مخيف مزعج، أظلمت السماء، وامتلأت بالغربان السود، تدافعت الطيور نحو النوافذ كأنها تحاول اختراقها، صاح الجد موجها كلامه لحفيده والذي كان فاغًرا فاه وقد اتسعت عيناه:
- "أنس" أسرع إلى الغرفة، فهي آمن مكان لك الآن.
صاح "كمال" وهو يدفع ابنه أمامه على الدرج:
- لن ترحل تلك الطيور إلا بعد أن يحلق فوق البيت.
قال "أنس" وهو يصعد الدرج بخطوات متردده:
- من؟ 
- الرمادي"
- وما هو "الرمادي"؟
- الصقر الذي سيحملك إلى هناك.
- أهذا هو اسمه؟
- نعم ...
- أنا خائف يا أبي.
عانق "كمال" ابنه، وضمه إلى صدره بقوة، ُثّم قّبل رأسه وقال بحنان:
- "أنس" كن صادقا وثابًتا مهما كان الّثمن، ولا تخف من "الرمادي" فلن يؤذيك.
كاد "أنس" يقول شيئا لوالده وهو يساعده في رفع الحقيبة على ظهره، لولا صوت تحطم الزجاج الذي دوى في بهو البيت، لقد استطاعت الغربان أن تحطم النوافذ، كانت تتجه مباشرة نحو الطابق العلوي، نحـــــــــو"أنـــــــــــس"، إنها تريده... تستهدفه... تطير تجاهه. أدرك "كمال" أنها تقترب فدفع "أنس" إلى داخل الغرفة فأسقطه على الأرض وصاح بصوت يمزقه القلق:
- أستودعك الله يا ولدي... في حفظ الله..
وأغلق الباب بسرعة، ُثم بعد لحظات عم سكون مهيب على المكان... اختفت كّل الأصوات عدا صوت خفق جناحيه في الهواء، لقد بدأ الرمادي يحلق فوق البيت فأضاءت السماء فجأة!

كان "أنس" مستلقًيا على أرض الغرفة عندما انفتحت النافذة فجأة، أضاءت السماء بنور قوي ناصع، حملق في تلك البقًعة السوداء التي تظهر وسٌط الضوء أمامه، كانت البقعة تكبر وتزداد اتساعاّ، وتزيد، وتزيد، ظهر طائر يبسط جناحيه علىُ الجانبين ويخفق بهما، رأى ظله يتعملق أمامه حتى اندفع فجأة من النافذة ثم ظل يحلق في سقف الغرفة المرتفع في دائرة فوق رأس "أنس" الذي زحف بصعوبة تجاه باب الغرفة يحاول فتحه لكنه فشل. كان الصقر ذا ظهر أزرق ضارب إلى الرمادي الأردوازي، والجسد أسود يخرج منه جناحان مبرقشان، وذيل طويل ضيق مستدير عند نهايته، ذو طرف أسود وعلامة بيضاء على أقصاه. ويظهر أعلى رأسه على الجانبين لون أزرق بديع، ويمتد على الوجنتين كخط كما الشارب يتباين بشكل حاد مع جانبي العنق الباهتين. بدا الصقر متينا مهيب الطلعة.

هبط الصقر فجأة وانزوى في ركن الغرف وطأطأ رأُسّه ثم ضم جناحيه وألصقهما بجسده، حدق في "أنس" بعينيه المخيفتين، ثم غطس رأسه في جسده. مرت لحظات طويلة على "أنس" استيقظت فيها كل حواسه، كان يرهف السمع بشدة لعله يسمع أي صوت يؤنسه، بالتّحديد كان ّيتمنى أن يناديه أبوه أو جده من خلف الباب، حاول أن يفتحه مرة أخرى لًكنه فشل، كان صلبا كالصخر الأصم وكأنّه جزء من الجدار. سار ببطء محاولا الاقتّراب من النافذة، غمغم الصقر وكأنُه يحاول أن يمنعه من الاقتراب منها فتسمرت ساقا أنس والتصقتا بالأرض، ثم رمى الصقر بطرٍف خفي وهمس محدثا نفسه:

- ظننتك أكبر حجًما أيها " ا..ل..ر..م..ا..د..ي" كصقور الأساطير العملاقة.

حّرك قدمه ببطء شديد ليخطو خطوة أخرى فتحّرك الصقر موازًيا لخطواته فتوقف "أنس" مرة أخرى وقال بسخرية:

- تترصدني إًذا أيها الصغير!
- لست صغيًرا يا صديقي.... أنا شيخ كبير!

شعر "أنس"وكأن ألف إبرة رشقت جسده، تكورت جذوع الشعر على جلده فاستحال جلد إوزة، الصقر يتكلم! ابتلع ريقه بصعوبة وكأن كتلة من الأشواك تحتل حلقه، بسمل وحوقل وبدأ يقرأ آية الكرسي لعله يختفي من أمامه، أغمض عينيه لعله يستيقظ من ذاك الكابوس..لكنه لم يكن حلما أبدا! لم يتمكن من تحريك جسده مرة أخرى، باغته الصقر وهب فجأة محلقا بضربة جناح واحدة ووقف على كتفه الأيسر، ثم همس في أذنه:

-لا تخف مّني يا "أنس."
كانت قطرات العرق تنسال على ظهًر "أنس" متتابعة، وكاد يفقد الوعي، لكنه تماسك. كان يخشب رقبته محدقا بطرف عينيه بتربص نحو موضع الصقر وراءه، وكأنه يخشىً انقضاضه عليه فجأة، ظن أنه سينقره في رقبته أو أذنه لكن الصقر كان هادئا جدا وساكنا. مرت دقيقة وهما على ذاك الحال وكأنهما تمثالان من الشمع. أخيرا نطق الصقر مرة أخرى وقال بلطف:

- هل هدأت الآن؟ لا ُأحب أن نبدأ رحلتنا وأنت ترتجف هكذا.

حرك "أنس" عينيه تجاه كتفه وأدار رأسه ببطء وكذلك فعل الصقر فتقاربت عيناهما تماما وحدق كل منهما في الآخر للحظات، ازدرد "أنس" ريقه بصعوبة وقال بصوت مرتعش:

-لا أصّدق أنك ستحملني؟

زفر الُصقر فلامست أنفاسه بشرة "أنس" فانتصبت شعيرات ذقنه الخفيفة، ثم قال له وهو يتسلق رأسه:

-لا تسير الأمور بتلك الطريقة يا صديقي، سأحملك حتما ولكن بطريقتي الخاصة.

استوى الصقر على رأس "أنس" الذي رفع مقلتيه لأعلى بينما بسط الصقر جناحيه في الهواء، ثم احتضن وجه أنس بهما ببطء وبهدوٍء شديد، حيث غطى وجهه كله بريش جناحيه ريشة فوق ريشٍة بانتظام، جبهته وعينيه وأذنيه وخديه، لم ّ يترك إلا أنفه وفمه ليتمكن من التًنفس والكلاّم. شعر "أنس" بجسده يخدر، وسرى في نفسه شعور غريب، شيئّا فشيئا خف جسده وكأنه ريشة في جناح الّصقر! حاول فتح عينيه..كان يظن أن ريش جناح الصقر مازال يغطيهما، لكنه فوجئ بنفسه يطير وقد غمر الضباب كل شيء حوله، لفحته الرياح الباردة، وشعر برذاذ خفيف يبلل جبينه وكفيه، رائحة المطر الخفيف داعبت أنفه، عطس فجأة فإذا بصوت الصقر يصدر من أعلاه:

- يرحمك الله يا صديقي.

رفع رأسه ففوجئ بالصقر وقد ازداد حجمه أضعاف حجمه الحقيقي الذي رآه منذ قليل في الغرفة، كانت مخالبه تقبض عًلى كتفي "أنس" حيث يحلق به فوق "مملكة البلاغة"، رد بعد أن اضطرب قليلا وتأرجح بجسده من المفاجأة قائلا:

- يالله...! يا له من شعور غريب! 
- لا تخف من السقوط
- لا أصدق!
- بل صّدق واستعد لما هو أكثر مفاجأة لك
- هل وصلنا؟
- اقتربنا، حاول أن تستمتع بالطيران.

بدأ الشعور بالخوف يغادر صــــــدر "أنس" وحـــــــّل مكانـــــه تدريجًيا الشعـــــــــور بالفضول وبدأ حس المغامرة يدغدغ نفسه، كانت حياته راكدة لفترة طويلة، وها هي الأمور تتغير فجأة! سأل "الرمادي" مستأنسا بحواره معه:

- هل تعرف جّدي؟
- بالتأكيد.
- أخبرني أبي أنك صديق.
- أتمنى أن أحوز لديك نفس المكانة التي حزتها عند أبيك.
- كيف تتحدث كالبشر؟
- لا تسأل.
- لا بد أن أسأل!
- إذن ستقضي وقتك كّله في ّ الأسئلة، والوقت يمر، حاول أن تتقبل بعض الأشياء كما هي، لا تسأل إلا عما يفيدك، أما ما لا يعنيك ولا يفيدك فلا تضيع وقتك بالركض خلفه.

قال "أنس" متلعثًما:

- إنه... فضول أنيس.
قال الصقر وهو يخفف من سرعة طيرانه استعدادا للهبوط:
- بعض الفضول قد يفيد، وبعضه قد يؤذيك، فاحذر يا صديقي.

سرت طمأنينة في نفس "أنس" عندما تذّكر والده وهو ينصحه بنفس النصيحة، بنفس الكلمات عندما كان يجلس بجواره في محطة القطار بالإسكندرية، لكن تلك الطمأنينة تلاشت سريعا عندما بدأ "الرمادي" يقترب به من مصب النهر الأخضر. تسارعت دقات قلبه أكثر فأكثر، كاد يقفز من بين ضلوعه، كان البرد يزداد كلما اقتربا من سطح الماء، بينما كان لون الماء الأخضر الزمردي يزداد بهاء ووضوحا.

هّبت رياح خفيفة فمسحت وجه الماء مخلفة وراءها تموجات متوازية بديعة، من ّبعيد وعلى شاطئ النهر كانت أوراق الأشجار المتساقطة تدور مع الرّياح، وكأن هناك أياد خفية تتلاعب بها، كادت ساقا "أنس" تلمس الماء، لكن "الرمادي" وبعد أن حلق به برشاقة فوق سطح الماء تركه على ضفة النهر وارتفع محلقا لدورة كاملة قبل أن يعود ليقف أمامه من جديد ويحني رأسه وكأنه يحييه، من جديد ضم جناحيه وألصقهما بجسده فبدا وكأنه أمير يتلحف برداء أنيق. كان "أنس" ما زال يتطوح، للحظات قليلة كان قد فقد اتزانه، لكنه تمالك نفسه وقال بعفوية:

- أنت سريع جدا.

ران عليهما صمت خفيف قبل أن يحّرك الصقر جناحيه ويقول:

- والآن اسمح لي أن أنصرف، انتهت مهمتي.
- ولكن! ماذا سأفعل أنا!
- سيستقبلك "المغاتير" ويصحبونك للقاء "الحوراء."
- ومن هم "المغاتير"؟
- قوم صالحون يخفون وجوههم فلا تهبهم.
- ولم يخفون وجوههم!
- لا ينتظرون الشكر، ولا يبتغون الأجر، استغنوا عن الناس فأغناهم الله عن الناس وصار الجميع يحتاجون إليهم، ودائما هم في الطليعة. انتظرهم هنا على أطراف الغابة خارج حدودها ولا تتحرك من مكانك فهم لن يدخلوها أبدا.

رفع "أنس" حاجبيه وكاد يسأله لماذا لولا أن "الرمادي" باغته قائًلا:

- سأمر عليك في وقت لاحق.

ُثم بسط جناحيه وارتقى يحّلق في الفضــــاء مبتعًدا عـــــــــن "أنس" ومتجًهــــــــا صوب جبل مهيب أحاطت قمته هالة حمراء قاتمة، برزت من وسطها تلك القمة بشموخ وقد كساها الجليد الأبيض، شعر "أنس" بقشعريرة تجتاًح جسده عندما رأى الجليد، كان الجو باردا جدا. صاح وهو يركض موازيا لطيران الصقر على الأرض:

- أرجوك لا تتركني الآن،أريد أن أسألك عن أشياء كثيرة.

أجابه "الرمادي" وهو يبتعد:

- ستجيبك عنها جلالة الملكة.

توقف "أنس" عن الركض حّيث انتهى الطريق ووقف على حافة واد كبير، أوشك أن يسقط فيه لولا أنه انتبه ثم أرخى ذراعيه بيأس وهو يراقب "الرمادي" وقال:

- وداعا.

عاد "الرمادي" للتحليق فوقه وقال بَنبرة حميمية:

- لا تقل وداعا يا صديقي، بل قل إلى اللقاء.
- حسنا..إلى اللقاء.

اختفى "الرمادي" مخلًفا وراءه "أنس" وهو يتلّفت حوله يتأمل الأشجار التي بدت وكأنها تطالعه بفضول، سار بضع خطوات نحو ممر ضيق بينها، أجفل عندما تناهى إلى سمعه حفيف الأشجار وشقشقة العصافير، تحسس القلادة التي ألبسها له جّده وطالع النقوش التي عليها مّرة أخرى، طال سيره فأحس بالإرهاق، تفحص ساعة يده فإذا بعقاربها لا تتحرك! لقد توقفت عند الواحدة ظهرا، نفس التوقيت الذي غادر فيه بيت جده!
تذّكر شعوره وهو يحّلق في الهواء، مزيج من الخوف والحماس بدأ يعتمل في صدره، استعّاد رباّطة جأشه على نحو سريع! ما عاد فزعا كماً كان لحظة ظهور الصقر لأول مرة، بل خف ذاك الشعور، وما عاد خائفا كما كان والكتب تدور حّوله في غرفة المكتبة، لكنه بالطبع قلق. استغرقته المشاهد وهو يجتر ما مر به خلال الساعات الماضية في شرود بينما ينتظر ظهور "المغاتير" .

❐❐❐                                              

لمح "أنس" طيفا يمّر قريًبا منه قد افترش ظله على الأرض وقبل أن يلتفت نحوه فوجئ بخبطة على كتفه فالتفت متأهبا وأمسك بذراع هذا الذي باغته فجأة من الخلف وسحبه ثم انقلب به على الأرض واضعا ركبته فوق صدره وقابضا بأصابعه العشرة على رقبته، ابتسم الشاب بسخرية وقد فتح كفيه مظهرا استسلامه الكامل لـ"أنس" وقال بصعوبة من أثر قوة قبضة "أنس" على أنفاسه:

- مهلًا يا رجل، وددت فقط أن ُأرحب بك.

خفف "أنس" من قبضته وتركه وتراجع إلى الخلف، تحسس الشاب رقبته وقال بنظرة ماكرة:

- يبدو أّنك تمارس الرياضة، أليس كذلك؟
- من أنت؟ وماذا تريد؟
- أين تعّلمت تلك المهارات؟ هّيا أخبرني؟

حدجه "أنس" بنظراته، بدا وجه الشاب يحمل مسحة من الوسامة بشعره البني، وبشرته الباهتة وفكه العريض، وتلك النظرة الساخرة التي تطل من عينيه الضيقتين، لكن تلك الملامح جعلت "أنس" يرتاب منه. كان يظن أنه سيلتقي بأناس سمر البشرة وبملامح نوبية، كتلك التي قرأ عنها ورآها من قبل.
سأله متجاهلا سؤاله الأخير قائلا:

- ما اسمك؟
- أنا "شهاب" وأنت؟
-"أنس" .

بدأ "شهاب" يدور حول "أنس" ويتأمله بتمعن ناقلًا عينيه من أخمص قدميه وحتى قمة رأسه، ثم قال باستخفاف:

- تبدو غريًبا عن المكان، ألك صديق هنا؟
أجابه "أنس" بتحّفز:

- الرمادي.
- ذاك الكهل الأحمق.

شعر "أنس" بالإهانة وكأّن السبة وجهت له، فأخفى غضبه وسأله:

- وهل تعرفه؟
- أنا أعرف الجميع هنا...حتى ذاك الكهل البغيض.

بدأ كلاهما يدور حول الآخر، سأله "أنس" بترقب:

- هل...أنت مثلي!

خرّجت من "شهاب" قهقهات عالية، استغرقته للحظاٍت قبل أن يقترب منه حد ملامسته وقد شخص فيه بسحنة متوعدة:

- لسُت مثلك!

ُثّم تغيرت ملامحه الضاحكة فجأة وصارت صارمة، وقال وهو يتراجع إلى الخلف:

- أنا لست مثل أحد...أنا مختلف! أنا ممّيز.

التفت "أنس" تجـــاه الطريق الممتـــــد أمامــــــــه بين الأشجــــــار ورمــــــــاه بنظــــــــــــرة خاطفٍة ُثّم قال بهدوء محاكيا طريقة "شهاب" في الكلام:

- كيف تعالج الأمور هنا؟
- أي أمور؟
طاف "أنس" بنظراته في كّل اتجاه ُثم قال:

- كّل شيء...أود أن أعرف ما دوري.
- ليس لديك دور هنا، أنت مجرد شاهد.
- على ماذا؟
- على ما ستراه هنا من أحداث.
- لا أظن.
- ومن أنت حتى تظن أو حتى تفكر!

تجاهل "أنس" َنبرة الاستخفاف التي شابت الكلمات، وتخطاها قائلًا:

- لكّل منا دور في حياته وحياة الآخرين، كل كلمة ننطق بها وكل فعل نفعله.
- لكن الأمور هنا ستسير رغم أنفك على طريقة لن تحددها أنت.
- صحيح، وهكذا الحياة كّلها، لكن لا تخبرني أننا هنا لنراقب في صمت كالجمادات. ران عليهما الصمت للحظة، بدا فيها "شهاب" وكأنه يجتّر بعض الذكريات قبل أن يقول بنبرة تشوبها المرارة:
- أتدري، ربما أنت على صواب.. كلمة (مسؤول) قد تقلب حياة شاب، كلمة (خبيثة) قد تفرق بين اثنين، و إشاحة بنظرة قد تعني (أكرهك.)
رمقه "أنس" وقرأ على وجهه الألم فتحرك تجاهه وقال:
- والتفاتة قد تعني الحب، مجّرد الحضور في موقف ما قد يعني الكثير لآخرين دون أن ندرك هذا، لكنهم يدركون، حتى الصمت أحيانا إن كان في موضعه الصحيح فله دور.
- حتى إساءتنا للآخرين؟
- نعم.. حتى إساءتنا للآخرين وإساءتهم لنا، أنت مثال قد تعزم على إزاحة جبل لكي تثبت لمن آذاك وأساء إليك أنه على خطأ، نحن نتعلم في مدرسة الحياة وما زال أمامنا الكثير من الدروس.

ابتسم "شهاب" وقال وهو يهز رأسه إعجاًبا:

- تبدو حكيما يا فتى، بدأت أحبك.

ُثّم عاد يتفّحص وجه "أنس" قبل أن يقول وهو يحك أنفه:

- كم عمرك؟
- ثلاثة وعشرون عاما، وأنت؟
- خمسة وثلاثون عاًما.

ثم سكت هنيهة وقال لـ"أنس:"

-. .هل تحب أن تأتي معي؟
- إلى أين؟
- حيث أقيم.
- لكنني لا بد أن ألتقي الملكة أّولًا.
- الحوراء؟ ء نعم هي "الحوراء"

ما كادا ينهيان الكلام حتى تناهى إلى سمعهما صوت حوافر الخيـــــــول وهي تضرب الأرض ، أفزع صهيلها "شهاب" الذي تلفت في اضطراب ثم شهق وقد كست وجهه علامات الرهبة وركض سريعا وشق الطريق بين الأشجار وكأن الموت يطارده! تبعه "أنس" وهو يتساءل عن سبب فزعه، أصابته عدوى الفزع لمجرد رؤية نظرات "شهاب" الشاخصة ثم شهقته التي جعلت "أنس" يرتبك بشدة، كان "أنس" يركض وعينه على رأس شهاب. في تلك اللحظة، ارتفع صهيل الخيول ثّم علت أصوات حوافرها وأصدرت شرارة وهي تقدح الأرض التي انتقلت إليها للتو بعد أن غادرت البستان المجاور للغابة، كانت تلك الأرض تبدو كشريط عريض يفصل بين البستان والغابة التي ركض فيها "أنس" خلف "شهاب"، لم تتحرك الخيول خطوة واحدة، وقفت صفا واحدا على ذاك الشريط الحجري الفاصل بين الجهتين، وهي تنظر تجاه "أنس"، صاح "الزاجل الازرق" بصوته الجهوري:

- يا إلهي.. تأخرنا!

ثم قال بتوجس:

- بدأت رحلته دون أن يسمع منا!!

❐❐❐                                                         


✍حقوق الطبع و النشر خاص بمدونة الأقلام الذهبية©


إذا كان لديك قصه و تريد مني نشرها قم مراسلتي على تطبيق واتساب اضغط هنـــا

تعليقات