تمهيد
"قد تكون الكلمات وكل الكتابات مّيتة، مكّفنة في أوراق دفاترنا البيضاء، معانيها مدفونة بين السطور، على الرفوف وفي أدراج المكاتب، لا تحيا إلا عندما تقرأ
فتجري الدماء في أوصالها بخيال القارئ، وعندما يصدقها تضج بالحياة"!
ملاحظة هامه: في كتاب PDF ستجده رابط التحميل في آخر شي من الجزء 15
تم دمج العدد الرواية بدلا من 82 فصل الى 15 جزء
بدايه الروايه........ الجزء الاول
مطر خفيف كالبكاء يرشق الرمال الناعمة بعذوبة، من بعيٍد ثّمة نهر رّيان يتدفق ماؤه العذب بهدوء. ضوء الشمس الذهبي يميل بدلال فيداعب تلك الغدران الصغيرة التي تكونت هنا وهناك لتنعكسّ ألوان الطيف وتتعانق في الهواء. سّعف النخيُل يظلل الأفق من بعيد وكأنه سحاب أخضر. صيحة غريبة صمت أذنيه ثم شعر فجأة بمخالب تقبض على كتفيه، فرفع بصره ورأى طائرا عملاقا يبسط جناحيه مظلال فوق رأسه، تسارعت أنفاسه وهو يطير على ارتفاع شاهق فوق واٍد عميق يقطعه نهر ماؤه رقراق زمردي اللون!
لاحت من بعيد أكواخ صغيرة لكنها متقاربة مصفوفة بانتظام في مجاميع يفصل بينها ممرات أرضها مغطاة بزهور صغيرة صفراء. تناهى إلى سمعه صوت أنثوي ناعم، كان يناديه ويكرر كلمة غريبة لم يدرك كنهها! استعذب الصوت للحظات لكن خفقات قلبه التي بدأت تؤلمه في صدره أنسته حلاوة الصوت، وفجأة! انفلت من بين مخالب الطائر ليهوي تجاه مصب ذاك النهر الفياض بسرعة شديدة، كان لون الماء يزداد قتامة كلما اقترب منه، أراد أن يرفع عينيه ليرى هيئة الطائر الذي كان يحمله، لكن ظل جناحيه الكبيرين المهّيبين كان قد حجب عن عينيّه كل شيء، فتح ذراعيه وباعد بين ساقيه فحلق لفترة وجيزٍة، للحظات شعر أنه أخف من الريشة، وكأنه يحلق بروحه لا بجسده، على صفحة الماء لاح له رمز غريب الشكل، حدق فيه وهو يقترب، ويقترب، ويقترب، وفجأة..التقمه الظلام، وظل رنين حاد يتصاعد مخترقا أذنيه.
أيقظه رنين هاتفه النقال، وكان قد وقّته على السادسة والنصف، مد ذراعه بصعوبة بعد أن قاوم ذاك الشعور بأنه مشلول البدن ليوقف صوت الرنين المزعج. مسح جبينه الذي كانت تتلألأ عليه حبات العرق وجلس على طرف الفراش يلتقط أنفاسه. نفس الكابوس الذي يتكرر، نفس المخالب، نفس الطائر الذي لا يدرك كنهه! ونفس النهر ذي الماء الأخضر الزمردّي، وذاك الرمز الغريب. سار بخطوات بطيئة نحو المرآة وطالع وجهه وكأنه يطالع شخصا غريبا عنه، عينان بندقيتان وحاجبان كثيفان على وشك الالتحام، وأنف ذو انحناءة لطيفة يتوسط وجها مستديرا ظللته لحية خفيفة. أحيانا يشعر أنه غريب عن نفسه وخاصة في تّلك اللحظات التي تعقب استيقاظه من ذاك الكابوس المتكرر.
غادر غرفته ومر برواق البيت فلمح والديه فحياهما سريعا وأسرع يصب الماء البارد على رأسه لعل الأفكار التي تنهش عقله تهدأ، ثم لحق بهما في المطبخ الذي كان يعبق برائحة القهوة، جلس وقد بدت على وجهه علامات الإرهاق، أزاح والده الجريدة التي كانت تحجب وجهه عنه وطالعه من فوق عويناته بتمعن وقال بنبرة هادئة:
- هل رأيت نفس الكابوس؟
- نعم .
- هل سقطت في الماء؟
- لا...كالعادة استيقظت قبل أن يلمس جسدي الماء.
- هل رأيت رأس الطائر؟
- لا..لا يا أبي.
رفع الأب سبابته وحرك عويناته على أرنبة أنفه وعاد للقراءة، كانت تلك الأسئلة الثلاثة تتكرر في كل مرة يستيقظ فيها "أنس" وعلى وجهه علامات الإرهاق، وكأن أباه يقرأ صفحة وجهه فيدرك أنه رأى نفس الكابوس! شرد "أنس" للحظات قبل أن يقول بخفوت:
- لكنني سمعت صوًتا لم أسمعه من قبل!
انتفض والده وكأن هناك من وخزه بإبرة وألقى الصحيفة وسأله وقد اتسعت حدقتا عينيه:
- صف لي الصوت وأخبرني ماذا قال لك.
أغمض "أنس" عينيه ليجتر ما رآه وأحس به، ثّم قال بصوت متهدج:
- كان صوًتا أنثوًّيا رقيًقا وجميلا، لم أسمع مثله من قبل، غناء رّبما أو كأن هناك فتاة ما تهمس في أذني.
خلع الأب عويناته وعاد يحدق في وجهه وسأله بتوّتر:
- ماذا قالت لك؟
- كانت تردد كلمة لم أفهمها ولم أدرك معناها، أظّنها بلغة غريبة ما !
-ما هي الكلمة؟
- لا أذكر.
- حاول أن تركز أرجوك...كررها أمامي.
التفت "أنس" متعجًبا من إلحاح والده عليه وهّز كتفيه بلا اكتراث وهو يقول:
- للاسف نسيتها.
شحب وجه الأب وطالعه بنظرات مرتابة، التفت "أنس" لّأمه التي مسحت على ظهره بحنان لكي يطمئن، التقط يدها ووضعها على صدره، كان يشعر بانقباض لا يبارحه عادة إلا بعد فترة طويلة في مثل هذا الموقف، يتلاشى ربما بعد عدة أيام.!
تناول قهوته على عّجل ولم يكمل إفطاره، فقد دقت الساعة معلنة أنها السابعة والنصف..ولا بد أن ُيسرع حتى لا يفوته موعد القطار. على مكتبه كانت تستقر حقيبة جلدية من النوع الفاخر اعتاد أن يحملها على ظهره عندما يسافر، شاحن الهاتف وجهاز الحاسوب النقال، كانا أهم ما حرص "أنس" على وضعه في حقيبته. ُثّم العديد من القمصان المكوّية أّولها القميص السماوي اللون الذي يفضله، مع بنطال من الجينز، ومنامات صوفية تقيه البرد، والكثير من الجوارب كان كل هذا ما حرصت الأم على وضعه في حقيبة ابنها الأخرى منذ البارحة، فسيسافر لبيت جده في الفيوم ليقضي معه أسبوعا لطيفا، فهو لم يروح عن نفسه منذ أنهى عامه الأخير حيث كان يدرس بكلية الهندسة. لا بد من وقت مستقطع يبتعد فيه عن صخب الحياة فقد أرهق كثيرا في الأيام الماضية، وما أجمل أن يكون هذا الوقت فيّ بيت جده المحبب إليه. على عجل ركض على الدرج خلف والده، ملوحا لأمه و شقيقته من نافذة السيارة،
اختفى طيف وجه أمه الملائكي عندما دلفت سيارة والده لشارع جانبي. راقب الأبخرة التي تتكاثف على زجاج النافذة إثر ملامسة أنفاسه الدافئة له، رفع إصبعه ورسم عليها ذاك الرمز الذي رآه على سطح الماء وهو نائم، قطع ذلك الشرود الذي غرق فيه صوت والده وهو يلقي على مسامعه نّصائحه مثلما آعتاد في كل مرة يسافرون فيها لقضاء الإجازة مع جده، يبدو أنه لن يتوقف عن نصحه ومعاملته بتلك الطريقة، حتى بعد تخرجه وربما عمله أو حتى لو تزوج وأنجب العديد من الأحفاد، كان هذا يضايق "أنس" لكنه لم ُيظهر ضيقه أبدا لأبيه وكان ينصت إليه بأدب بليغ، سيبقى في عينيه الإبن الذي يحتاج النصيحة، قال الأب وهو يعدل عويناته:
-لا تترك جّدك وحده لفترة طويلة، فأنت هناك لكي تؤنسه، ليس من اللائق ألا تنظر إليه وهو يحدثك فهذا يزعجّه كثيرا، أنصت إلى نصائحه بلا جدال، استأذن منه قبل أن تستعير أي كتاب من مكتبته الخاصة، كن ضيفا خفيفا ولا تثقل عليه.
كانت تلك المرة الأولى التي يسافر فيها وحده، لم يفاجأ بقرار أبيه وأمه فقد أخبراه أنهما لن يتمكنا من السفر معه لأن شقيقته "حبيبة" مرتبطة بدروسهآ الخصًوصية الخّاصة بالثانوية العامة، أصرً "أنس" على السفر فقد كاًن مشتاقا لرؤية جده، والذيّ كان يشجعه كثيرا على القراءة فقّد قضيا معا ساعات طويلة في مّكتبة جده الخاصة، ذاك البناء البديع ُ والمكون من غرفّة واحدة واسعة ويتوسط حديقة منزله حيث تحيط به أشجاّر الياسمين من كل جانب، وحيث الكثير من الكتب العتيقة التي قضى الجد عمرا في جمعها وقراءتها والاعتناء بها وكأنها أفراد أعزاء من عائلته.
لم يكن لدى "أنس" العديد من الأصدقاء ليخرج معهم، كان شابا تقليديا ّكما يقولون له، لا يدخن ولا يصاحب الفتيات، لم تمطر سحابات الحب على شرفات قلبه طوال سنوات الدراسة! رغم كثرة قرآء اته عن الحب فهو لم يجربه حتى الآن، النفس تشتاق، والأحلام تمر على جبينه من آٍن لآخر، لكنه لم يصطدم بتـــــلك التي تحسن التوقيع على شغاف قلبه حتى الآن. طريقته في تناول الأمور كانت تزعج زملاءه أحيانا، فهو حاد في حكمه يستبعد من طريقه كل من يخطيء خطأ واحدا ويبتعد عنه حتى وإن كانت فيهّ ميزات أخرى تشفع له! خطأ واحد من صديق كان يكفي لكي ينحيه جانبا وكأنما وُصم به للأبد! كانوا جميًعا يطلبون وده ويتقربون إليه فهو شاب جذاب مثقف ذو خلق ورياضي، كما أنه ذكي جدا، لكنه كان مندفعا أحيانا يركض خلف حدسه، في الحقيقة.. لم يفسح المجال إلا لصديقين فقط من جملة من التفوا حوله. وصلا سريًعا لمحطة القطار والتي كانت –كعادتها- مزدحمًة بالركاب، كان الأب يسرع في خطواته ليجاري خطوات "أنس" الواسعة، انتبه "أنس" فرق لأبيه فهدأ من سرعة خطواته قليلا حتى لا ُيرهقه. كان الجو باردا جدا. اقتربا من أحد المقاعد وجلسا يراقبان الأبخرة الهاربة من أفواه رواد المحطة، كانت هناك مسحة من الضباب تشوب الأجواء. أما السماء فكانت ندف السحاب تنتشر فيها بشكل واسع، بدت وكأنها على وشك البكاء. التفت "أنس" لوالده وقال وهو يفرك كفيه:
- لقد وصلنا مبكًرا.
سحب الأب نفسا عميًقا وقال بَنبرة حازمة بعد أن رمق ساعة يده بسرعة:
- هذا أفضل.... أن تصل مبكًرا وتنتظر خير لك من أن تصل بعد فوات الأوان.
- اشتقت لجّدي.
- وهو أيضا ينتظر وصولك بشغف يا "أنس."
- لا أدري لماذا يرفض الانتقال إلى الإسكندرية ليقيم معنا!
- جّدك مرتبط ببيته وله فيه ذكريات طويلة.
- وأسرار.
رفع الأب حاجبيه الكثيفين وقال وهو يطالعه من فوق عويناته:
- أي أسرار؟
لاحت ابتسامة ساخرة على شفتي "أنس" عندما تذّكر تلك الغرفة القابعة في الطابق العلوي والتي لا يجرؤ أحد على اقتحامها وكيف كان يركض مع أبناء عمه عندما كانوا يقتربون من بابها المهجور وهم صغار ويلصقون آذانهم ببابها وينصتون فيسمعون أصواتا تهمهم وهسهسات غريبة فيفزعون ويركضون هاربين.
قال لأبيه بحماس:
- غرفة الاشباح.
انزعج الأب من ارتفاع صوت "أنس" وتلفت يمينا ويسارا قبل أن يقول له لائما:
- تعلم أنها غرفة خالية، ولقد رأيتها بنفسك، فلا تزعج جدك باقتحامها والسؤال عن سبب إغلاقها..أرجوك.
ء لا تقلق يا أبي، ما عدت أخافها، ولا يهّمني الأمر، فقط هو فضول! وددت لو أنني حاورت شبحا أو رأيته، يشغلني أمر الجن وهيأتهم، كما أنني.....
قاطعه أبوه قائلا:
- بعض الفضول قد يفيد، وبعضه قد يؤذيك، فاحذر يا بنّي.
ران عّليهما الصمت للحظات، فلم يكن ذاك فقط هو ما يشغل بال "أنس" فبيت جده ممتلئ بالأسرار، ولديه الكثير من الأسئلة عنه، وربما حانت الفرصة لينفرد بجده ويسأله عن سر كل ركن فيه. عال صفير القطار وهو يشق الضباب معلنا عن وصوله، همهم الأب في أذن "أنس" بالدعاء وهو يعانقه وصعد الأخير ليقف ويلوح لأبيه وعلى وجهه ابتسامة حنون، انطلق القطار وجلس "أنس" يراقب الحقول الخضراء التي انبسطت أمام عينيه. لوحة ربانية تموج بالكثير من المعاني التي لا يترجمها إلا عاشق للطبيعة الخرساء!
مزق البرق صفحة السماء، أحب صوت قطرات المطر الذي استحال سماعه بعد لحظات وهي ترشق زجاج النافذة بجواره فشرد مسحورا بالصور المتتابعة مصحوبة بتلك الألحان التي تعزفها قطرات المطر.
التفت يراقب رّكاب القطار، ذاك رجل في العقد الرابع من عمره سريًعا ما أغمض عينيه ليسحب حبل النوم الذي قطعه منذ ساعة ويتعلق به مّرة أخرى لعله ينعم ببقية حلم. وتلك فتاة صغيرة تراقب مرور الأشجار أمام عينيها بسرعة خاطفة وكأنها هي التي تركض وليس القطار، كانت تضحك ببراءة وتحرك وجهها يمينا ويسارا تزامنا مع حركة الصور الخاطفة، أّما أّمها فكانت تطالع حقيبة يٍد فاخرة لاًمرأة أخرى تجلس قبالتها بإعجاب، والتي كانت تلقي على كتفيها معطفا أنيقا من القطيفة السوداء. من بعيد تناهى لسمعه حوار بين رجلين يبدو أن كلاهما يعمل في هيئة ما تختص بصناعة الأسمدة الزراعية، تحدثا كثيرا عن الفوسفات. أما ذاك الشاب الأنيق الذي كان يرتدي سترة جلدية سوداء فكان يصيح في هاتفه معاتبا صديقه على إلغاء الموعد الذي كان بينهما ليلة أمس. في مقعد آخر ّكانت هناك ّفتاةّ ساكنة كالصنم، تطالع كتابا وتقرأ سطوره بهدوء شديد وكأنها حجر أصم، مر الوقت سريعا وما زال "أنس" يحتفظ بهدوئه وحضوره اللطيف.
في تلك اللحظة كان أبوه لا يزال يقف خارج محطة القطار محملقا في زجاج نافذة سيارته التًي كان "أنس" يجلس بجوارها منذ ربع ساعة بينما كان هو يقود السيارة منشغلا بالزحام على الطريق وهو يقله لمحطة القطار، لقد رأى الرمز الذي رسمه ابنه على الزجاج بإصبعه عندما تكاثف البخار، أخرج هاتفه الجوال وقام بالاتصال بالجد ليخبره، جاء صوته الهِرم على الطرف الآخر من الهاتف:
- مرحبا يا "كمال."
- أبي....لقد رآه يا أبي، لقد رأى "أنس" الرمز.
- ماذا؟!!
- رسمه منذ قليل على زجاج النافذة الذي تكاثف عليه البخار بإصبعه، ومازال مرسوما أمامي.
- امسحه بسرعة.
فتح الأب باب سّيارته ُثم مسح الزجاُج من الداخل بمنديل ورقي ثم تلفت حوله ليتأكد أن ليس هناك من يراقبه، ثم عاد يقول لأبيه:
- محوته يا أبي.
- يا إلهي..لا بد أن نستعد.
- وماذا سنفعل؟ هل سنخبره أم سننتظر حتى يحين الوقت؟
- يبدو أنه قد حان الوقت بالفعل!
- نعم.. فالكابوس يتكرر، كما أ ّنه...
- ماذا؟
- سمع صوًتا أنثوًّيا الليلة.
- وماذا قال له؟
- لا يذكر...أخبرني أنه نسي ما همس به ذاك الصوت في أذنه، أنا قلق عليه، لا أظنه سيستوعب الأمر بسهولة!
- لا تقلق عليه.
- وكيف لا أقلق وقد مررُت بما سيمر به من قبل!
- لكنك بخير يا ولدي..أليس كذلك؟
- نعم أنا بخير لا تقلق يا أبي، وماذا عنك؟
- لا تقلق...سأكون بخير ،"كمال" لا بد أن تأتي الآن في القطار التالي
- حسنا يا أبي سأفعل إن شاء الله
انتهت المكالمة وقد بدأ القلق يستبّد بـ"كمال"، هبت ريح قوّية فأصابته قشعريرة فأسرع إلى داخل سيارته، تقوقع أمام المقود وأطرق مفكًرا يجتر ما مر به في الماضي، متفكرا فيما سيمر به ابنه "أنس." كان يجلس صامتا وعيناه تجوسان في حزن بين أمواج البشر، تذكر الخوف، الرهبة، أن يختاره أحد ما ويثق به وينتظر منه أن يقدم له الكثير! وتذكر الشعور المقيت بالوحدة هناك، انتبه للوقت فوثب خارجا من سيارته وأسرع يستقل القطار التالي ليلحق بابنه "أنس".
❐❐❐
خفف القطار من سرعته وأطلق صفيرا اهتز له زجاج النوافذ، وثب الركاب من أماكنهم واحدا تلو الآخر عندما لاحت لهم لافتة المحطة، تزاحموا في الممر المؤدي لباب القطار فسقطت بعض الحقائب من أعلى الرفوف، ترجل "أنس" من القطار ثم وقف يفتش بين وجوه المارة عن وجه جده، أخيرا التقطته عيناه من وسط الحشود فقامته المديدة وعليها المعطف الأزرق الطويل، ولحيته الرمادية اللطيفة التي برزت من الوشاح الخوخي اللون الذي كان يلف به عنقه، عويناته المستديرة، ونظرته الواثقة من خلفها، وتلك الابتسامة الواسعة التي كانت تضيء وجهه،
كل تلك اللفتات البسيطة التي يحبها "أنس" ميزت جده عمن حوله فأسرع يحتويه في حضنه. طال العناق قبل أن يقول الجد وهو يمسح وجه حفيده بكفه الدافئة:
- ازددت طولًا يا أنس، وتباعد منكباك.
- أرأيت، الآن أنا الذي يحتويك في حضنه يا جّدي وليس العكس.
- أوحشتني يا "أنس."
- وأنت يا جدي..أوحشتني كثيرا.
أسرعا بالخروج من الزحام واتجها معا إلى بيت الجّد حيث كانت هناك الكثير من الأحجيات التي لا يعرفها "أنس." من بعيد كان هناك من يراقبه ويرصد حركاته وهو يبتعد مع جده. كان يتفحصه بإمعان شديد.
وقفت سيارة الأجرة أمام بوابة بيت الجد الحديدية، والًتي كانت تتوسط السور الحجري الذي يحيط بالبيت، كان ارتفاع السور شاهقا وقد تدًلت من فوقه أغصان الأشجار وكأنها تراقب الطريق. بعض الفروع بدت مخيفة وكأنها تهدد من ينظر إليها. كان السائق يحدق في التواأت حديد البوابة باندهاش، رفع حاجبيه وهو يلتقط النقود من يد الجد الذي رمقه بصرامة وهو ينصت إليه وهو يقول:
- بوابة رائعٌة وبيت أنيق.
انطلّق السائق مبتعًدا ومتبوعا بنظرة تبّرم من الجّد، وكأن السائق قد طالع للتو إحدى نسائه المختبئة في خُدّرها! حمل "أنس" حقيبته الجلدية عًلى ظهره، ورفع الأخرى بيده عن الأرض ثم دلف مع جده من البوابة وسارا معا فوق ممر ضيق مرصوف بالحجارة بين صّفين من الأشجار القصيرة على الجانبين. وقفا أخيرا أمام باب البيت المصنوع من خشب الزان العتيق، أخرج الجد مفتاح الباب من جيبه ليفتح الباب بينما كان "أنس" يتفحص النقوش الغريبة التي كانت تتوسط الباب و المطعمة بقطع دقيقة من النحاس. انعكس الضوء عليها فتلاعب بريقها الذهبي بعيني "أنس" الذي قال باندهاش:
- تلك النقوش بديعة حًقا، لا أدري لماذا لم أنتبه لها من قبل!
رمقه الجّد بطرف خفّي ولم يعّلق، ُثم دفع بـاب البيت بحـــــــــرص فأصـــــــــــدر أزيزا مزعجا ليس غريًبا عن"أنس" بل ربما يشتاق إليه، أسرع "أنس" بخطى واثبة وألقى بحقيبته بجواّر الحائط ووقف في وسُط ردهة الاستقبال وفتح ذراعيه ودار حول نفسه وكأنه يحتضن أجواء البيت ثم قال بمرح:
- كم ُأحب هذا البيت .... ُأحّبه كثيرا.
ابتسم الجّد وقال بود:
- هو بيتك يا حبيبي، وبيتكم جميعا.
فاجأهما صوت ارتطام قوي، سقط شيء ما على الأرض. أسرع الجد إلى غرفة المعيشة وتبعه "أنس"، كان هناك كتاب على الأرض وحوله تبعثر حطام جزء من تمثال رائع من خشب الأبنوس الأسود لشجرة عجيبة، انحنى الجد وأمسك بالجزء المحطم، كان فرعا من فروع الشجرة، بدت على وجهه علامات القلق وجاّل بعينيه في الغرفة وكأنه يبحث عن شيء ما، انحنى "أنس" والتقط الكتاب، تأمل غلافه الجلدي الباهت بتعجب، كان لونه يشبه لون التراب المبلل بماء المطر، شابته لفحات من لون يشبه لون قشر البرتقال الجاف، أمآ الأوراق فقد بدت صفراء عتيقة. وقرأ عنوانه بصوت مسموع:
- "أبادول..."ماذا تعني تلك الكلمة يا جدي؟ كاد "أنس" يفتح الكتاب ليقرأ اسم مؤلفه، لكـن جـــــده خطفه مــــــــن بين يديه بطريقة لم يعهدها منه من قبل! وأعاده إلى الرف ُثم أسرع نحو النافذة غير مكترث برد فعل أنس وأزاح الستار ونظر إلى الحديقة نظرة فاحصة ثم التفت وعقد حاجبيه قائلا:
- "أبادول" كلمة نوبية، تعني الج ّد (أبا) بمعنى ( أبى) و( دوول) بمعنى (كبير.)
ابتسم "أنس" ومازح جده قائلًا:
- حسنا يا أبادول...من كسر الشجرة، ولماذا ألقى الكتاب على الأرض؟
- رّبما "صفية"
- ولكن أين هي "صفية!"
- أو زوجها..ربما!
- لا أرى العم "راغب" هنا كذلك! هل لديك قطة يا جدي؟
رفع الجّد حاجبيه وكأّنه وجد ضالته وقال:
- ربما، أحيانا تقفز القطط من نافذة الحديقة، سأخبر "راغب" ليبحث عنها.
- جدي..هل أنت بخير؟ يدك ترتجف!
أدرك الجّد أن "أنس" قد الحظ ارتباكه فرسم سريعا على وجهه ابتسامة واسعة وأمسك بذراع حفيده وسار معه وهو يقول:
- لم أفطر حتى الآن، يبدو أن معدل السكر قد انخفض في دمي.
ُثم قال وهو يحثه على السير:
- هيا هيا، بدل ملابسك لنتناول الفطير الشهي معا، فقد أعدته "صفية" خصيصا لك، فهي تستعد منذ أيام لوصولك.
- اشتقت للحديث معها، ولقصصها عن جّدتي.
- نعم، كانت جّدتك ُتحّبها جًدا.
سار "أنس" مع جده الذي كان حريصا على إخفاء الكتاب عن عين حفيده قبل أن يخرج من غرفة المعيشة، في تلك اللحظات كانت تتعالى الهمسات في غرفة الأشباح بالطابق العلوي، هناك صوت أنثوي رفيق يصدر من تلك الغرفة الغريبة و ينادي على "أنس"... بينّما هو يمضغ قطعة من الفطير الساخن بجوار جده وينصت لحكايات "صفية" عن جدته التي توفيت قبل أن يولد.
وقف "أنس" ليراقب اهتزاز الًأغصان من نافذة المطبخ، لم يغادره مذ أنهى طعامه هو وجده، كان المطبخ دافئا وكانت أحاديث "صفية" و زوجهاء واللذان يعملان في هذا البيت منذ عمر طويلء عن الماضي لطيفة وحميمية، وضع" أنس" كوب الشاي على طرف المائدة برفق وهمس لجده وهو يمد يده:
- أعطني مفتاح المكتبة يا جدي.
التفت الجد متوترا قال:
- دعك من القراءة الآن واجلس معي فالإجازة طويلة.
- إذن فلنذهب معا.
تردد الجّد للحظات، وأطرق قليلا ُثّم أخرج المفتاح من جيبه وأعطاه لحفيده وقال له:
- هذه المرة لابّد أن تذهب وحدك.
ابتسم "أنس" فقد تعّجب من كلام جده، فهو يعلم حرصه الشديد على كتبه ولم يتركه أبدا يذهب إلى المكتبة وحده! أسرع بالتقاط المفتاح من يد جده وهرول إلى المكتبة، بينما وقف الثلاثة - الجد وصفية و زوجها راغب - يراقبونه من خلف زجاج نافذة المطبخ المطلة على الحديقة، لو التفت إليهم لأفزعته عيونهم الشاخصة تجاهه ! لكنه لم يلتفت.
دلف "أنس" إلى الغرفة بعد أن فتح بابها بصعوبة، يبدو أن المفتاح القديم قد صدئ.
كانت الغرفة باردة جدا على عكس أجواء الحديقة التي دفأتها أشعة الشمس، وكانت تعبق برائحة الورق العتيق الممتزج برائحة الرطوبة، التفت بعد أن قام بإضاءة المصابيح وراقب الرفوف بتمعن. في كل مرة يقرر أن يقرأ العديد من الكتب لكنه في النهاية يستقر على كتاب واحد. ويرفض الجد أن يعيره أيا منها أبدا، فتلك الكتب غالية عليه وكأنها قطع من ماضيه وذكرياته تستقر على الرفوف. كان "أنس" يعود حزينا ويظل على شوقه حتى يعود في إجازة أخرى ليقرأها.
من عادته أن يقرأ اسم الكتاب أوًلا، ُثم يطالع شكل الغلاف، ُثم يقرأ اسم المؤلف، وأخيرا يطالع الفهرس بسرعة. ملح على أحد الرفوف العلوية مجموعة من الكتب تشبه ذاك الكتاب الذي رآه اليوم في غرفة المعيشة حيث كان ملقى على أرض الغرفة. نفس الغلاف الجلدي الباهت، نفس اللون القريب من لون التراب المبلل بماء المطر، وقد شابته لفحات من لون آخر يشبه لّون قشر البرتقال الجاف، ونّفس الأوراق الصفراء العتيقة. استدار ليحمل السلم المسنود على الجدار وقربه من الرف، ثم تسلقه بحذٍر ليسحب كتابا من تلك المجموعة، اهتز السلم الخشبي فأسرع يهبط خوفا من السقوط. تناهى إلى سمعه صوت غريب، وكأّنه صوت صرصور يعبث بالورق. تجاهل الصوت وكاد يسحب كتاًبا من رف آخر لّيفاجأ بالكتب العتيقة الًتي كانت تستقر على الرف العلوي تطير في الهواء.
حلقت فوقه وكأن هناك يدا خفية تحركها، كانت صفحاتها تتقلب بسرعة رهيبة، تصاعد صوت أنين وكأّن هناك شخصا ُيعذب، تلاه صراخ رهيب أفزع "أنس"، حاول أن يهرب لكن ساقيه تسمرتا بأرض الغرفة، كان يحدق في الكتب وهي تدور حوله في دوامة، توقفت الكتب فجأة وظلت معلقة في الهواء للحظات ثم هوت على أرض الغرفة بانتظام في حلقة حوله ودوى صوتها بقوة انخلع لها قلبه، تصاعد الغبار الذي كان متراكما على أرض الغرفة فشكل هالة من الدخان الخفيف حوله، عادت صفحات الكتب تتقلب بسرعة كطواحين الهواء، انتشًرت رائحة غًريبة تشبه رائحة الصدأ، ثم انغلقت الأغلفة فجأة إلا كتابا واحدا ظل مفتوحا أمام "أنس" الذي كان يشعر بنبضات قلبه في عنقه، كانت الأوردة نافرة توشك على الانفجار، شفتاه وعضلات وجهه ترتجف في فزع، وقد احتقن وجهه ، رفع يده التي كانت ترتجف ومسح وجهه، ثم بصعوبة حرك قدميه تجاه الكتاب ّوانحنى ينظر ًإليه، كانت صورة وجهه تظهر تدريجيا على الصفحّة الأوّلى وكأن هناك شبحا يرسمها بينما هو ينظر!
ازدرد ريقه بصعوبة وحدق مرة أخرى فيها وكأنه لا يصدق، ثم مد يده بوجٍل وأغلق الكتاب ليقرأ عنوانه، كانًت هناك كلمة واحدة مكتوبة بخط واضح "إيكادولي"، قلب الكتاب باحثا عن اسم الكاتب فلم يجده، لكنه فزع عندما رأى العلامة التي رآها في الكابوس ليلة أمس على سطح ماء النهر الذي كاد يسقط فيه قبل أن يستيقظ، كانت العلامة مكتوبة باللون الأحمر الكرزي على الغلاف من الخلف، بيد أن كل صفحات الكتاب كانت خالية من الكلام!
التقط "أنس" الكتاب وركض إلى داخل البيت.
✍حقوق الطبع و النشر خاص بمدونة الأقلام الذهبية©
إذا كان لديك قصه و تريد مني نشرها قم مراسلتي على تطبيق واتساب اضغط هنـــا
تعليقات
إرسال تعليق
إذا كان لدي أي تعليق اكتبه في الاسفل