أشرقت الشمس تكنس بقايا الليل، تنزع أدرانا علقت بثوب الُصبح، فتنفس تائبا منيبا، وأنار كل شيء بنور الله، صفحة من ليل بهيم ولت تطوي ذنوبا غسلتها دموع التائبين، نسمات الهواء تهمس شكرا لله على ستره للخاطئين، فهو لم يفضحهم ولم ينزع الغطاء عنهم لأنه أراد أن يمهلهم ليتوبوا.
كان أنس يتّفحص كتابه باطمئنان وهو يجلس في ركن هادئ بدكان "كلودة"، كان يتفكر كيف ستظهر الكلمات، وكيف ستكون؟ هل هي قصة؟ أم مجموعة من النصائح والحكم في شكل قصصي؟ أم ماذا!! هو لا يحتاج الآن إلى الذهاب إلى المكتبة العظمى ليسألهم عن الّكتاب، بل يحتاج لمخالطة الناس حتى يظهر أبطال قصة كتّابه، ألقى عصا التسيار في القرية التي امتلأت ط ُرقاتها بالغائدين والرائحين، مر الوقت فعاد وكان قد قرر أن يعاون "كلودة" و"كومبو" في عملهما بدلا من الجلوس معهما في الدكان بلا فائدة، بعد يوم طويل مر الثلاثة ببيت أشريا"، دعتهم الأم الكريمة كعادتها لتناول الطعام، كانت تلك المرأة النوبية تجد متعة في الحياة الاجتماعية، مهما ازدادّت مسئولياته لا تتأخر عن إطعام الطعام، أعدت لهم "الكابد" حيث كانت تعده أحيانا بعد أن يختمر ليتناولوه في الإفطار مع العسل واللبن، كانت تجيد صنعه من دقيق الذرة والشعير، كما كانت تطعمهم "الدوركد"، و"الشطيطة"، و"المرجيجة"، و"الشيلد"، والعديد من أصناف الأكلات النوبية الشهية. اقترب "أنس" من " َمرام" وأخرج الكتاب لتراه، قالت وهي تمر بيدها على غلافه:
- يا إلهي! كان الكتاب قريبا مّني طوال الوقت وأنا في القصر!
- نعم وفي نفس الغرفة، وكنت تطلبين من "كلودة" أن يتخلص منه! ماذا لو حرقه "كلودة" مثلا..! تخيلي!
- تلك الكتب تدافع عن نفسها يا "أنس" لا تقلق.
ُثّم أضافت مقطبة جبينها:
- إنها تشعر بكّل شىء!
- بالمناسبة، لا تخبري "أشريا" بأمر الأميرة " ُأونتي" وعلاقتها السابقة بـ "كلودة"
- لن أخبرها...
- أعلم أّنك ساخطة عليه، لكنني أشعر أنه و "أشريا" أبطال قصة كتابي.
- هو لا يستحق "أشريا!"
- يا "َمرام"، "كلودة" كان قد اتخذ قراًرا بالتوقف عن رؤيتها من قبل أن تصلي إليه برسالتها، كما أنه كان سيرسلك شخصيا لها لتخبريها بهذا.
هزت كتفيها وهي تجلس وقالت:
- أوقال لك هذا!
- نعم، ولكّنك أخبرته أّنك حّرة ولن تعودي للقصر
أشاحت بوجهها وقالت:
- أشك في صدقه
- لقد ذهب بالفعل وأخبرها أنه لن يذهب إليها مرة أخرى.
كانت " َمرام" غاضبة وهي تنصت إليه، فقد رأت "كلودة" بعينها مع " ُأونتي" وكانت تكره فعلهما حيث كانت مجبرة على الذهاب معها، لم تكن قد شهدت بكاء "كلودة" ولم تسمع كلامه الذي أثر في "أنس" و"كومبو"، وعدته أن تكتم السر، بعد لحظات وبشكل فجائي انطلقت أم "أشريا" تزغرد في فرح فقد طلب "كلودة" الزواج من أشريا" مرة أخرى ووافقت أخيرا الفتاة على الزواج!
تذكرت "مرام" حديثها معها في غرفتها وأدركت أنها قررت أن تقف بجوار "كلودة" وتثبته وتتقبله بعيوبه لأنها تحبه، كانت "مرام" ترى تلك مجازفة وحماقة! ما زالت "مرام" لا تثق في "كلودة"، لكنها لا تستطيع أن تفتح فمها! اقتربت منها وهنأتها، وكذلك فعل "أنس" مع "كلودة"، وعادا إلى أماكنهما يتحدثان، همست "مرام" لـ"أنس:"
- لماذا يفعلون هذا!
- من هم؟
- الرجال!
- ما بهم؟
- شش... كفي عن هذا! لا تفضحيه!
- لا أدري كيف تدافع عنه!
- لقد تاب، وهو نادم على ما فعله بشّدة.
غمغمت قائلة:
- وما أدراك؟
- أعرف، فأنا شاب مثله، مّرت أيام قليلة لكّن ما شهدته فيها يكفي.
- لا يوجد شاب بكر العواطف على وجه الأرض...لماذا لا تكون الزوجة أول حب لزوجها؟
- وما أدراك أن كل الأزواج هكذا؟
- لا أدري... مجّرد ظن.
- أتحسبين أن أي خاطرة ترد على فكر رجل أو شاب تعتبر حًبا؟ الأمر ليس بتلك السهولة، ربما هناك إعجاب، وربما يفكر الشاب في فتاة ويتراجع كما تفعل هي أيضا، حتى الفتاة العفيفة تعرض على عقلها صورة الخاطب لها، وتمر بخاطرها، لكنها وإن انصرف كل منهما لحاله تستخلص نفسها من حالة الفكر تلك، ولا يحسب هذا عليها حبا.. أليس كذلك؟
- لو فتشت في قلب أي شاب ستجده مغارة علي بابا، ممتلئة بآلاف قصص الحب لكل الفتيات اللاتي التقى بهن في حياته.
- لا تقعي في فّخ التعميم، فليست كل الفتيات تملك قلًبا كمدينة الملاهي التي يستطيع أي شاب تلتقي به أن يتنزه فيها.
أطبقت ّ فمها، وعادت تتحفز له، كانت تشعر بالغضب تجاه "كلودة"، وكانت تصب غضبها على "أنس"، وكأنه مسؤول عن أخطاء غيره! لاحظ توترها، أراد أن يخفف عنها فقال بهدوء:
- لم يكن قلبي يوًما كمغارة علي بابا، كنت أتعامًل مع زميلاتي في الجامعة بتحفظ حتى أن البعض كان يظنني شخصا باردا لا يجيد فنون التعامل معهن بلياقة ولطف، لكنني كنت دوما أرى أنه في يوم ما سألتقي بفتاة مميزة، وكما أنني حفظت قلبي من أجلها سيحفظها الله من أجلي.
- ولكن! انظر ها هي "أشريا" حفظت قلبها! وها هي ستتزوج من شاب....
- رّبما لصدقه حفظها الله له، ورّبما لنقائها أصلحه الله لها!، لا يوجد شخص مثالي يا "مرام"، كلنا نخطئ، وأخطاؤنا متفاوتة.
ابتلعه صمت خفيف بعد أن أنصت لنفسه! كان يسترجع فيه ما كان يفعله مع رفاقه سابقا، كيف كان يلغي صداقته بمن يخطئ خطأ واحدا راوده شعور بالذنب تجاه كل من أقصاهم من حياته، لماذا لم يتراجع ويعطيهم فرصة! أو حتى يسأل عنهم ويكون هناك عندما يحتاجونه، فربما يثبتهم ولا يعودون للخطأ، انتشلته من فقاعة الصمت التي الذ بها وهي تقول:
- نعم... ربما أصلحه الله من أجلها يا "أنس"... أرجو هذا.
ازدحم البيت في الحال، أقبل الجيران ّ يفدون إلى الدار يهنئونهم، وكان "كومبو" يهلل فرحا ويقفز هنا وهناك يسلم على الناس وكأنه هو صاحب العرس، بينما وقف "أنس" و"مرام" في حالة سكون لطيف يسترقان النظر خلسة لبعضهما، ويراقبان ميلاد حب جديد، كانت الفرحة تطل من عيني "أشريا"، وكان "كلودة" يشعر بفرحة ممزوجة بالخوف والوجل.
في لحظة ما تلاقت عيناها بعيني "أنس" فأسرعت تصرفهما، شعرت بدقات قلبها تتواثب، هو الحب لا ريب، هكذا كانت تطقطق الكلمات في ذهنه هو الآخر، وكلاهما يشيح بنظره عن الآخر بينما القلبان يتبادلان النظرات، اهتز كتاب "إيكادولي" في حقيبة "أنس"، فأخرجه وفتحه واقتربت "مرام" عندما لاحظت ارتباكه والكتاب بين يديه، لقد ظهرت أول عبارات الكتاب، وقف كلاهما يقرؤها بفضوٍل شديد:
" ذات ليلة، وحيث السماء يظللها جريد النخل وكأنه سحاب اخضر، أطل قمر طاهر على أرض لا يعرفها الا ساكنوها فاضاء جنبات نفس اخرى بالنور.
فباح الريحان بعطره وملأ الكون عطرا لأجلهما . وتعانقت أوراق الورد. ورقصت الفراشات على حواف الزهر . ودارت الرياح تهنئ بعضها البعض . وسكن ماء النهر لينصت على استحياء . فهمس المحب في نفسه . وكان لحبه صوت لم يسمعه الا حبيبه...في نفسه ؟ وحمل القلبان الحب كما يحمل الغمام المطر . في بقعة ما بين الشرق والغرب . حيث تتارجح الحياة بنا يحكى أن . ذات مرة . ..ولد حب !"
تبادل "أنس" مع " َمرام" نظرة خاطفة على استحياء، وعادا يتابعان ما يدور أمامهما في صمت وسكون جميل.
❐❐❐
انقلب البيت رأًسا على عقب، الزواج اليوم! كانت تلك مفاجأة لـ"أنس"، كما كانت مفاجأة ل "مرام"، فهما من عالم يستغرق الزواج فيه شهورا طويلة، وربما عاما أو عامين حتى يتم! كان الإسراع في الزواج وتسهيله من عادات أهل القرية، وخاصة إن كانا أبناء عم أو خال، كانوا يعاونون بعضهم البعض وكأنهم أهل بيت واحد، حمل بعض الأهالي أثاثا بسيطا لبيت "كلودة" كل ًمنهم ًينفحه هدية، كما أسرعت النساء بإعداد الطعام كل منهن تعد صنفا شهيا، أما الفتيات فتجمعن في بيت "أشريا" التي كانت مشغولة بشيء ما تتفحصه بينما كانت صديقاتها يمشطن لها شعرها، سألتها "مرام" عنه فأخبرتها أنه "متكأ الحبيب"، وهو نوع من البروش ّ مصنوع من سيقان القمح ومشغول بقماش بديع الألوان شغلته "أشريا َ" ليعلق خلف العريس "كلودة"، وكذلك تفعل كل عروس بالقرية، ابتسمت "مرام" بينما كانت تتابع ضحكات الفتيات، وأحاديثهن الخجولة، وتلك الهمسات واللكمات الخفيفة على الظهور في جو من الفضول والخجل، ستتزوج "أشريا" أخيرا من حبيبها الذي تعففت حتى طلبها.
مر اليوم جميلًا، وبسطت الفرحة رداءها على الجميع، انتقل "أنس" لبيت "كومبو" وبات ليلته عنده، بينما عادت " َمرام" مع أم "أشريا" تكفكف لها دمّوعها فقد غادرت قرة عينها لبيتها الجديد، كان كّل منهما في مساحة أخرى، لكنهما كانا يحلقان معا في سماء الحب، همس "أنس" لنفسه والكرى يعقد بمعاقل جفنيه وقال:
- سأتزوجها...ولم لا؟
بينما كانت " َمرام" ساهمة وهي تحدق في الفراغ وتقول:
- "إيكادولي"
❐❐❐
انتصف الليل، لكّن السكينة والهدوء لا يزوران القصر حتى يطلع الفجر، كالعادة يحتفل الملك " ِكمشاق" ورفاقه بأي شيء، ليس ضروريا أن يكون هناك سبب محدد، ولكنهم يحتفلون! أما"نبرة" فما زالت غاضبة، لكن غضبها لم يمنعها من الجلوس وسط الاحتفال لتستمتع وتتلذذ بمراقبة العيون لقوامها وجمالها.
ُ
في غرفتها كانت "أونتي" تفرك يديها في غضب وهي تسترجع آخر حوار لها مع "كلودة"، تذكرت عندما قال لها (ربما لا ترينني مرة أخرى)، لكن هذا لم يكن ما يقض مضجعها بل تلك المقاومة التي لاقتها وهي تحاول أن تقترب منه كالمرة السابقة! كان يمسك بذراعيها بقسوة! ويدفعها وهي ترغب فيه وتحبه! حتى أنه عاد وظهر من بين الأشجار بعد أن انصرفت الجارية وأخبرها بوضوح وبكلمات مقتضبة أنه سيتوقف عن لقائها، وأنه نادم على كل لحظة رآها فيها، وأنه يخشى الله ويرجو مغفرته! شعرت بطعنة وكأنه وجه إليها إهانة شديدة.. لم يترك لها الفرصة وأسرع هاربا منها وكأنها الموت يلاحقه.
- فليذهب للجحيم ذاك الحقير!
قالتها بمرارة وكل خلية في جسدها تنفر غاضبة، فتحت خزانتها وأخرجت أحسن أثوابها وأكثرها إظهارا لمفاتنها وارتدته ونزلت في كامل زينتها للحفل، أرادت أن ترضي غرورها بشكل ما، شيء ما يعيد إليها كرامتها التي أهدرها "كلودة" بنفوره بتلك الطريقة، فور دخولها ران صمت مفاجئ على الحضور، لو ألقى أحدهم إبرة لاستمع الجميع لرنينها، كان جمالها في تلك اللحظة يفوق جمال "نبرة" التي استشاطت غضبا عندما رأتها، فهي لا تقبل بوجود من ينازعها عرش الجمال في ذلك القصر، حتى أختها الشقيقة، انضمت "أونتي" للحضور، وعاد الصخب للقاعة.
❐❐❐
كان كل شيء يبدو رائعا في عيني " َمرام" وهي تسير بتؤدة نحو الدكان، كانت تراودها أح ّالم يقظة خاط ًفة وهي تسير، ً وكانت تبتسم وهي ّشاردة كطفلة صغيرة، تخيلت نفسها عروسا ترتدي فستانا أبيض واسعا وتزف إليه، تخيلت كل شيء حتى لون ربطة عنقه، كل تلك التفاصيل الصغيرة التي لم تكن تعلم أنها ستدقق فيها حتى وهي تحلم به وتتخيله، حمدت الله أنه لا أحد يرى ما يدور برأسها. اقتربت منهما بانضباط وحيتهما بوقار ثم وضعت سلة ممتلئة بالطعام أعدتها أم "أشريا" للعروسين أمام "كومبو" و"أنس" وسألتهما:
- من منكما سيحمل الطعام للعروسين؟
قهقه " ُكومبو" قائلا:
- ما زلت لا أصدق أن "كلودة" تزوج!
كان "أنس" على غير عادته، لقد بدأ يرتبك في حضور " َمرام"! كان يشعر أن نفسه التي بين جنبيه ترتج كالجرّس، هربت الكلمات منه، شعر أنه لا يستطيع الكلام، وكأن الوهن أصابه ! تذكر كيف كان يرى "كلودة" وهو يتحدث إلى "أشريا"، وكيف كان يتهمه بالهوان والضعف، اخترقت "مرام" فقاعة الصمت التي كان لائذا بها وسألته:
- هل ستحمل أنت الطعام يا "أنس"؟
- يبدوهذا لأن " ُكومبو" لن يستطيع ترك الدكان، هل من الممكن أن تسيري معي؟
فاجأته بردها الذي نزل عليه كالصاعقة عندما قالت:
-لا !
رد بتحرج:
- يبدو أنني أزعجتك.
قالت بارتباك:
- لا..لا..لم تزعجني ولكنني، أفضل أن أعود ألم "أشريا" فهي حزينة لفراق ابنتها كما تعلم.
- حسًنا سأذهب الآن.
- لا تنس أن تنقل سلامي إليهما.
استدار كلاهما وافترقا، كانت " َمرام" قد قررت ألا تسير معه وحدها مّرة أخرى، لا تدري كيف في تلك الظروف العجيبة! وفي تلك المملكة الغريبة! لكنها أرادت أن تحتفظ بتلك المنطقة المحظورة التي تربت على أن تحيط نفسها وقلبها بها، فلا تسمح لغريب بأن يقتحمها، حتى لو كانت ..... تحبه، اجترت ذلك الحوار الذي دار بينها وبين "أونتي" التي أخبرتها أنها لن تستطيع السيطرة على مشاعرها ونفسها إن وقعت في الحب، وأنها ستخطئ، وكان ردها أنها ستستعصم.
سار "أنس" نحو بيت "كلودة"، شاردا يفكر كيف أصابه سهم الحب فجعله هشا بتلك الطريقة! في تلك اللحظة شعر باهتزاز في حقيبته فأدرك أن هناك عبارة جديدة ظهرت في الكتاب....
"عندما أحبها ارتقى معها فوق اللذة لم يدع الفرصة لجسده لكي يمتطي روحه ، ويقودها الى الهاوية . ترك العنان لروحه لتحلق فوق جسده فروضته ، وارتقت به نحو الجنان ، كان يحبها ، ويعشقها، لكنه يخشى من نفسه ويخشى عليها من نفسه!"
أكمل "أنس" طريًقه ُيتفكر في الكلمات، وبعد أن وصل لبيت "كلودة" والتقى به وعانقه طويلا، ثم أعطاه الطعام طلب منه الدعاء، شعر "كلودة" لأول مرة أن "أنس" أصابه شيء ما! لكنه أسرع يغادر على استحياء وعاد من حيث أتى.
أغمض "أنس" عينيه، وجال في نفسه، وكأّنه يتعّرف عليها لأّول مرة! هناك اشتيًاق لحالة من الشفافية مرت به ربما في لحظات عديدة في أيام مضت، أحيانا وهو ساجد، وكثيرا لحظة إفطاره بعد صيام رق فيه قلبه، وربما عندما كان يقرأ القرآن، تنفس بعمق ثم فتح عينيه، وسار وهو يطالع كل شيء حوله بعين أخرى، ومن منظور مختلف.
عاد إلى الدكان حيث كان " ُكومبو" يوزع الابتسامات، ذاك الشاب لديه روح تضج بالسعادة، يفرقها على الآخرين، وكأنه لا يخشى الحزن أبدا.
❐❐❐
مّر أسبوع عاش فيه "كلودة" أسعد لحظات حياته مع حبيبة قلبه "أشريا"، كانًت كل لحظة تمر به ّما تزيدهما قربا، وكانت هادئة كقط ًة وديعّة اطمأنت أخيرا لجوار صاحبها وسيدها فسكنت له. ما زال البرد شديدا وكأن تلك المملكة فصولها الأربعة شتاء! كانت "أشريا" ترتجف ع ّندما أخبرها "كلودة" وهو يحتضن كفيها بين كفيه أنّه سيعود للعمل، وإن أحبت أن تسير معه لبيت أمها فلتستعد في الحال، هبت واثبة ووضعت عّلى رأسها خمارا فًضفاضا وسارت ترفل فيه خلف زوجها، استدار يحتضن كفها بكفه وسارا معا نحو بيت أمها التي أغرقت دموع فرحتها وجهها فور أنّ رأتها، توجه إلى الدكان حيث كان "أنس" يقرأ في كتابه بتمعن، كان قد استقر في نفس "أنس" أن "كلودة" و"أشريا" هما بطلا قصة الكتاب بالفعل، أخفى عنه ما كان يقرؤه وبعد أن سلم عليه انخرط كلاهما في العمل، مر اليوم لطيفا على الجميع، واجتمعوا على الطعام كالعادة، وقف "أنس" بجوار "مرام" غير ناظر إليها وقال وقد بدا عليه التحرج:
- هل أنت بخير؟
- نعم أنا بخير.
- كيف هي عينك ويدك؟
- عيني أفضل، وبدأ الجرح في كفي يتحسن والحمد لله.
كانت وكلما تنظف جرح يدها تعيد تضميده بتلك القماشة التي مزقها من قميصه، ودت أن تخبره بالكثير من الأشياء، عن خوفها فما زالت خائفة، لكنها أصبحت تخجل من أن تخبره أنها تخاف أن يختفي فجأة، أو أن يحدث له خطب ما، مضى "أنس" بخياله يطوي الأيام وقال فجأة:
- عندما نعود لديارنا... ما رأيك أن تتعرفي بأختي "حبيبة".
بدا على وجهها الاستبشار وقالت:
- أود ذلك بالفعل.
افترت شفتاه عن ابتسامة وقال:
- ستسعد بهذا، فهي قليلة الأصدقاء، كما أنها تشبهك كثيًرا.
- أخبرتني بهذا من قبل.
نسى وجودهما في بيت أشريا ووسط الجميع وبدأ يحدثها بصوٍت عال عن نفسه أمام الجميع، حدثها عن أيام الجامعة، ورفاقه، وطبيعة دراسته، حتى أنه أخبرها عن طفولته، كانت تنصت إليه مستمتعة بحديثه، قالت مبتهجة:
- يبدو أّن دراسة الهندسة ممتعة، أظنك درستها بحب وشغف.
أومأ موافًقا وأكمل حديثه، وكأنه اليوم لا يريدها أن تتحدث، بل أن تنصت إليه وحسب، فهو يود أن يخبرها بكل شاردة وواردة عن حياته، كانت حريصة على أن تبدو هادئة منضبطة في تصرفاتها وأقوالها لتداري بهذا المظهر ما يضطرب في نفسها من نوازع. وكان يحدثها وفي عينيه وهج جميل تطل منه إشراقة مسحورة. كان يراها قريبة منه جدا وبعيدة عنه جدا، فهو يتعجل الخروج من تلك المملكة ليطمئن أنها موجودة بالفعل، و َأنها واقع في حياته يستطيع أن يجعلها جزأ منه، أصبح يخشى أن تكون "مرام" حلما يراوده!
لو تنبهت لعينيه لرأتهما تقطران حبا لكنها كانت تخفض الطرف، وكان هو يتحدث إليها طويلا ثم يختلس نظرة ويعود فيخفض الطرفّ عنها، كانت هناك معركة تّدور في صدره، كان يستجيب فيصمت ويسكن، ثم يجد نفسه وقد عّاد يحدثها وكأن لسانه كان محبوسا لسنوات وأطلق سراحه للتو، وكانت كلها آذان صاغية، بينما كان "كومبو" يراقبما في سكينة وهدوء شديد. جاء وقت الفراق، وكان ثقيلا على قلبه كما لم يكن من قبل، ودعها وانصرف مع "كومبو" وأمه إلى بيتهما ترف كل جوارحه هوى إليها. اهتز الكتاب في حقيبته، فأخرجه وقرأ ما كتب فيه:
"وأسرت روحها لديه ، وعلق قلبه لديها، ومضى كل منهما يملك في نفسه شيئا من الاخر ، يحلمان بلحطة سكب كل منهما رحيق الحب الطاهر في فؤاد الاخر"
ثم رفع رأسه وتأمل "كلودة" و"أشريا" وهما يسيران أمامه نحو بيتهما، أغلقه وأعاده إلى حقيبته ومضى مع صديقه "كومبو".
أما "مرام" فجلست هادئة القلب راضية النفس نشوانة الخيال، لكنها شعرت بضيق فجأة، كانت تعلم أنه لا بد من صراع قبل أن يسترد الكتاب، ولا بد أن وقته اقترب.
✍حقوق الطبع و النشر خاص بمدونة الأقلام الذهبية©
إذا كان لديك قصه و تريد مني نشرها قم مراسلتي على تطبيق واتساب اضغط هنـــا
تعليقات
إرسال تعليق
إذا كان لدي أي تعليق اكتبه في الاسفل