مر الوقت لطيفا حيث استأنست " َمرام" بالعجوز "ناردين" وكذلك سّر "أنس"، وسعدت هي بزيارتهما، وقفت "مرام" تودعها، كانت العجوز تبكي، فتلك هي المرة الأخيرة التي ستراها فيها، كانت قد ودعتها من قبل بعد انتهاء مهمتها، وها هي لحظة الوداع تتكرر، وكانت "ناردين" تحمل هم تلك اللحظات، فهي تشعر بالألم في صدرها عندما يغادرها من تحبهم، تكره الوداع، سارت معهما قليلا حتى أصبح الطريق أمامها مكشوفا وحتى حدود الغابة، حيث كان الفاصل الحجري يحيط بالغابة، ابتعدا وكلاهما يتلفت من آن لآخر ويلوح لها، وما أن لوحت لـ"ناردين" آخر مرة وفور أن خطت "مرام" خارج الغابة شعرت وكأن سهما ناريا يخترق رأسها، سقطت على الأرض وعيناها معلقتان بالسماء، ثم فقدت الوعي.
صب "أنس" الماء المتبقي معهّ على رأسها لكنها لم تفق، تحسس نبض يدها ليتأكد أنها لم تفارق الحياة، ثم حملها وعاد للغابة وأسرع وخلفه العجوز "ناردين" تجاه كوخها، وضعها على فراش "ناردّين" التي أسرعّت تربت على جبهتها لعلها تفيق، أحضرت زجاجة بها سائل نفاذ الرائحة وقربته من أنفها فأفاقت "مرام" وبدأت تسعل، كانت تشعر بدوار شديد، أخبرتهم أنها تشعر أن دماءها تغلي في عروقها، تحسست "ناردين" جبهتها ففوجئت بأن حرارتها مرتفعة! قامت تطحن عشبا ما وأشارت لـ"أنس" ليحضر بعضا من الماء وبدأت تذيبه في القليل منه، وسقتها منه شيئا فشيئا، بعد قليل بدأت "مرام" ترتجف فدثرتها العجوز وجلست تحنو عليها وتتمتم بالدعاء، وعندما بدأت المسكينة تتعرق قالت "ناردين" بثقة وهي تطالع وجه "أنس" الذي استبد به القلق عليها:
- ستكون بخير إن شاء الله
قال مستغرًبا:
- لا أدري ما الذي حدث لها! كانت بخير!
فتحت " َمرام" عينيها وطالعته بنظرة تعني ألا تتركني وحيدة هنا، لم تتمكن من فتح فمها لتحدثه، لكنه فطن لما ترمي إليه وقال يطمئنها:
- لا تخافي يا " َمرام"
أغمضت عينيها وخرج من الكوخ، جلس على الدرج الحجري يتفكر فيما آل إليه الأمر الآن! اقتربت "ناردين" وربتت على كتفه، همس إليها قائلا:
- هل أستطيع الذهاب إلى القصر دون أن تخبريها؟
- نعم تستطيع، ولكنك ستعود إليها بالتأكيد، أليس كذلك؟
- بالطبع سأفعل إن شاء الله، وددت فقط أن أسأل "سامي كول" عن شيء ما
- سأغلق باب الكوخ علينا ولن أخبرها، فلا تتأخر، أراها تخشى أن تغادر وتتركها وحيدة
- لا تقلقي يا أمي
تأ ّثرت العجوز مّرة أخرى بندائه، لم ُيدرك أنه يرّبت على قلّبها بتلك الكلمة... يا "أمي!" كانت نظراتها له تقطر حنانا وهي تراقبه وهو يستل خنجره ويحركه في طبقات الهواء، انبثقت الفجوة تتلاعب وكأنها تناديه، قف زداخلها بينما أسرعت العجوز ودلفت إلى الكوخ وأغلقت الباب، كانت "مرام" تئن وترتجف وقد غمر العرق جبينها، فبدأت العجوز تربت على كتفها بحنان.
❐❐❐
كانت "الحوراء" تعلم بأخبار "أنس"، فالرياح تحمل إليها كل همسة تخرج من بين شفتيه، وقفت تنتظر وصوله وهي تطرق بأصابعها على الطاولة في قلق، ظهر أخيرا فقامت فور أن رأته وسارت نحوه بخطوات سريعة، كان القلق باديا على محياها:
- كيف هي "مرام" الآن؟ وما الذي أصابها؟
- لا أدري! فور أن خرجنا من الغابة سقطت على الأرض، تركتها في كوخ العجوز"ناردين"
- كان ُمتوقعا أن يحدث هذا
- لماذا؟
- أخبرني أبي أنها لن تستطيع الرحيل إ لّا بعد استعادة كتابك، كلاكما شريكان في كتاب "إيكادولي" بطريقة ما، حتى لو وافقت أن تنتقل معك من خلال الفجوات كنا سنعيدكما إلى القرية، وددت أن أخبرها هذا بنفسي لأخفف عنها فهي تثق بي وأنا أعلم كيف تشتاق الآن للعودة لديارها ولأّمها، لكن يبدو أ ّنها صارت ضعيفة ً جدا بعد أن فقدت مميزاتها كمحاربة، أرجوك يا "أنس" عد إليها سريعا، واعتن بها.. أرجوك.
- سأفعل ولكن هل من الممكن أن أطلب من الحكيم "سامي كول" أن يسمح لها بالعودة إلى بيتها، وسأتحمل وحدي مسؤولية استرداد كتاب "إيكادولي"؟
- للأسف يا "أنس"، لا تسير الأمور بتلك الطريقة، ليس أبي من يحدد
- لقد تعبت " َمرام" وتعرضت للكثير من الأمور، وهي فتاة رقيقة وضعيفة، أخشى عليها
- إذن فلتحِمها وترعها حتى تسترد كتابك
- مولاتي..
أغمضت "الحوراء" عينيها وكسا وجهها تعبير أدرك منه "أنس" أنه لا مجال للنقاش في أمر رحيل "مرام"، كاد ينصرف لكنه استدار وسألها:
- هل من دواء لها أستطيع حمله معي على الأقل!
ابتسمت "الحوراء" وقالت بثقة:
- أنت في بيت طبيبة بارعة، "ناردين" ستعتني بأمر الدواء، لا تقلق يا "أنس"، عد الآن لتكون بجوار "مرام"... أرجوك.
استدار "أنس" بعد أّن حّياها، وأخرج خنجره بعد أن توّقف وتأ ّمله للحظات تذكر فيها وجه جده وهو يسلمه إليه ويخبره أنه سيقطع به مسافات كبيرة! لم يفطن وقتهَا لهذا المعنى، لكنه يدركه الآن، حر ّكه في الهواء وعاد إلى الكوخ، حيث كانت "مرام" ترتجف، طرق على الباب بخفة ففتحته "ناردين" ودلف محتميا من الأمطار الغزيرة التي سقطت فجأة، هذا المكان عجيب ! اشتّد البرد واشتدت قوة الرياح، البروق تنقدح في السماء، ستار سميك من المطر حجب الرؤية، انحنت الأشجار وتعانقت فوق سطح الكوخ تظلله وتبعد سيول الأمطار عنه، والتفت وشائج الأشجار وأحاطت بأركان البيت تمنع تسرب الرياح من فتحات الكوخ، كانت النباتات تعتني بـ"ناردين" لسنوات طويلة، وها هي تعتني بها وبضيفيها، كانت "مرام" تنتفض من آن لآخر فما زالت حرارتها مرتفعةُ، وكانت العجوز ّتغفو بجوارها وهي جالسة فتسقط رأسها فتنتبًه وترفعه ثم تعود فتغفو مرة أخرى، بينما جلس "أنس" في ركن الكوخ مستندا بظهره على الجدار. وبدأ يحدث نفسه..
عمرها ثمانية عشر عاما! ما زالت " َمرام" في بداية ّ مرحلتها الجامعية، لا شك أن خبرتهًا قلّيلة في معاملة الشباب، لهذا تصده وتعامله بنوع من العدوانية أحيانا، ربما هي ترى أنها هكذا تحمي نفسها كما تظن الكثير من الفتيات! تحتاج وقتا لتنضج وتصبح أكثر انضباطا في ردود أفعالها حتى لا تحرج من يتعامل معها، ولكنها تبدو فتاة خلوقة ومهذبة و... جميلة، نعم هي جميلة، هكذا يراها، فهي تعجبه وتروق له، وعلى كل حال ذلك ليس حبا كما يقولون، فليس من المعقول أن يحبها بتلك السرعة! لماذا يفكر فيها كثيرا! فليحاول الآن التفكير في طريقة يصل بها إلى كتابه، أما هي وبأي حال من الأحوال سترافقه طوال
رحلته مع كتابه، ولكن… كيف سيتعامل معها؟
كانت الأفكار تتناطح في رأسه وهو يراقب انعكاسات أضواء الشموع وهي تتراقص وتتشابك على الجدران، تكور على الأرض وتوسد ذراعه واستسلم للنوم، فقد أخبرته العجوز أخيرا أن حرارة "مرام" قد انخفضت، ّ وأنها تستبشر بكثرة تعرقها لأن تلك علامة خير. دثرته العجوز بغطاء من الصوف، وعادت حيث كانت "مرام" ترنو إلى "أنس" بعينيها الكليلتين.
❐❐❐
على استحياء أشرقت الشمس وأقبلت زرقة السماء وفّتتت الغيوم فأضاءت أرجاء الغابة، نفحتهم بعض الدفء فأطلق الريحان عبيره الفواح، كانت نباتات الغابة تتألق بخضارها الزاهي بعد أن غسلتها الأمطار طوال الليل، قالت "ناردين" وهي ترشف بتلذذ المشروب الساخن من كوبها الذي تحتضنه بكفيها:
- إذن أخبرتك "الحوراء" أن " َمرام" لن تغادر الآن، وستلازمك حتى تسترّد كتاب "إيكادولي.." غريب!
- وما الغريب؟
- عادة لكّل كتاب محارب واحد يتدخل بطريقة ما حتى يمنع من يريدون تغيير محتوى الكتاب ليخدم أفكارهم الشاذة
- ترى... من يريد تغيير قصة كتاب "إيكادولي"؟
- الكتاب عن الحب، هناك حبيبين، رّبما هناك من يقهرهما ويفعل الأفاعيل ليمنع اجتماعهما.
وضع "أنس" كوبه برفق وقال:
- أو قد يخطئان عندما تغلب الشهوة فوق الفضيلة، وتسقط الروح فيغلب الجسد!
قالت العجوز وهي تتلذذ بالمشروب:
- الحب فضيلة؛ جزء منها نولد به، فهي مغروسة في أنفسنا، وجزء آخر من تلك الفضيلة نجاهد لنصل إليه.
قال "أنس" :
- من يحب الطعام سيشتهيه وسيجد لّذته في ت ّناوله بأي طرًيقة، ولو تخلى عن الفضيلة سيسرق الطعام! وكذلك من يّحب ويعشق أيضا سيجد لذته في النظر إلى حبيبه بأي طريقة، ولو تخلى عن الفضيلة سيسقط في الحرام".
قالت "ناردين" وقد أعجبتها كلماته:
- نحن لا نعرف ما تحمله لنا الأيام القادمة!
هّز "أنس" كتفيه وقال:
- ليس الحب مقصوًرا بين ّحبيبين فقط ! قّد يكون الحب من نوع آخر، حب الله، الأمومة والأبوة، حب الصديق، وحب الخير كما يفعل المغاتير.
كان الهواء عذ ًبا وكانت تنظر إليه بحنو، ابتسمت وقالت:
- أنت شاب طيب القلب يا "أنس".
طالعها بإشفاق وقال لها:
- وأنت أٌم رائعة وحنونة.
دنا منها وقّبل رأسها وأحاط كتفيها بذراعه، كادت العجوز تبكي، كانت تشتاق إلى ابنها الحبيب، أرادت أن تبوح لـ"أنس" ببعض مما حملته بين ضلوعها لسنين طويلة، لكنّ عطسة "مرام" وهي تقف متدثرة بشال ّ"ناردين" وهي تستند برأسها على حافة باب الكوخ انتشلتهما من حديثهما، هش "أنس" فور أن رآها أمام عينيه، قال برفق وهو يبتسم:
- يرحمك الله!
كان على وجهها ابتسامة متعبة، اقترب منها مع العجوز "ناردين"، والتي قالت بعد أن تمعنت في عينيها:
- أنت اليوم أفضل، سأعّد لكما حساء شهًيا في الحال.
أسرعت تجمع بعض الأعشاب والثمار لتعّده بينما كان "أنس" يحاول ترتيب الكلمات، لابد أن "مرام" ستحزن عندما تعرف أنها لن ترحل إلا بعد استرداد كتابه، قال متلعثما:
- لقد ذهبت إلى قصر الحوراء
رفعت عينيها إليه ُثم كسرت نظرتها سريعا، كان جفناها ير ّفان من الحب، قالت تلومه:
- تركتني إذن!
- لم أغب طويلا كما تعلمين، كما أنك كنت مع السيدة "ناردين"، وأنا أثق بها
ثبتت نظراتها على الأرض أمامها وقالت:
- وأنا أيضا أثق بها.
- المهم، أخبرتني "الحوراء" أن "قطرة الدمع" لن تتمكن من إعادتك إلى بيتك الآن يا "مرام"
- لماذا؟
- لأن لك دوًرا في كتابي، ولهذا كانت صورتي تظهر لك في كتاب "هيال"، لا بّد أن تبقي معي حتى أسترده
شدت " َمرام" الشال على كتفيها وهزت رأسها برفق ولم تُثر كما فعلت من قبل، كان ينتظر منها الهستيريا والصراخ في تلك اللحظة!، لكنه رآها ساكنة راضية بما سمعته منه، حتى أنها لم تسأله عن التفاصيل، ولم تسأله عن خطوتهما التالية، سألها باهتمام:
- كيف هي يدك؟
- ما زالت تؤلمني
- آسف.. أنا السبب!
- لا عليك، بدأت أعتاد الألم
انسحب بلطف وتركها وانضم يساعد "ناردين" التي كانت تحاول إشعال النار تحت القدر، ووقفت "مرام" تراقبهما في هدوء شديد. كانت كل عظام جسدها تؤلمها، أرادت أن تعود للفراش لترقد وترتاح، لكنها كانت تستمتع بمراقبتهما من بعيد، كانت العجوز سعيدة، فابتسامتها ومزاجهاّ الرائق يمتعان الناظر إليها، وكاّن "أنس" يرفق بها ويكثر المزاح معها، يبدو أنه أشفق عليها عندما علم بقصتها، فصار يهون عليها ويقصّ عليها الطرائف مما أدخل السرور على قلبها، واهتزت لتلك الأحاديث الندية أشجار الياسمين وبعثرت عبيرها فاختلط برائحة الحب.
❐❐❐
مر يومان، كانت "مرام" أفضل حا لًا، قررا أن يعودا إلى القرية، وجلسا ليخبرا "ناردين" التي أصابها الضيق عندما أدركت أن تلك اللحظات السعيدة مرت وانتهت، كانت قد بدأت تأنس بهما، فهي تفتقد الشعور بهذا الجو الأسري الدافئ، مارست أمومتها خلال يومين بشكل عميق، كانت تستمتع بهذا وكانا يستمتعان بكل لحظة معها، راقبتهما كثيرا وهّما يتحاوران بهدوء، قبل انصرافهما وقفت أمامهما وقالت وهي تستند إلى عكازها:
- هو الوداع الأخير إذن هذه المرة...
لم يتمكنا من التعقيب سوى بنظرات عاجزة مرتبكة ملؤها الأسى..
قالت سريعا لتتخطى لحظات الحزن المؤلمة تلك:
- ليس من الضروري أن تقطعا المسافة سيرا على الأقدام
ابتسم "أنس" وقال:
- لا تحاولي، " َمرام" تصاب بالهلع عندما ترى الفجوات.
- لم أقصد الفجوات التي تصنعها بخنجرك!
- إذن ماذا تقصدين؟
رفعت حاجبيها وقالت في كياسة:
- النهر!
سارت العجوز "ناردين" وسارا خلفها حتى اقتربا من ضفة النهر الأخضر، وقفت تراقب الماء ووقفا خلف كتفيها وطالعت إنعكاس صوريتهما وتأملت الصقر الكبير على يمينها، وذاك الصقر اللطيف على يسارها وضحكت قائلة:
- صقر قصير مصاب في جناحه، كم أنت قصيرة يا " َمرام!"
ابتسمت " َمرام" وعادت تسألها:
- كيف سنعود من خلال النهر؟
ضربت العجوز الأرض بعّكازها فبدأت الرياح تدور ُثم دفعت سطح ماء النهر ليتدفق بسرعة شديدة تجاه الطريق الذي جاء منه "أنس" و "مرام" منذ يومين، كانت المياه تسير بسرعة شديدة محدثة تموجات تشكل أنصاف دوائر متوازية في اتجاه واّحد، ضربت العجوز الأرض مرة أخرى تساقطت أوراق الشجر بكثافة وتحركت وكأن هناك أياد تتالعب بها وارتصت فوق بعضها البعض وشكلت بساطا أخضر فوق سطح الماء، أشارت إليهما وقالت بهدوء:
- اصعدا فوق الماء وستنقلكما أوراق الأشجار إلى نهاية الغابة.
قالت " َمرام" باندهاش شديد:
- أتمزحين يا خالة!
مدت العجوز ساقها وخطت فوق البساط الذي شكلته أوراق الأشجار، استقرت عليه وكأنها تقف فوق أرض صلبة! وقفت تطالعهما وعلى وجهها ابتسامة واسعة، قالت تشجعهما:
- تعاليا، هّيا سأسير معكما حتى نهاية الغابة.
صعد "أنس" فوق البساط، ومّدت العجوز يدها لـ " َمرام" التي كانت ترتجف وهي تنقل ساقيها، صرخت عندما بدأ البساط يسير بسرعة فوق الماء وتمسكت بذراع "ناردين" كان الهواء البارد يصافح وجوههم ويموج بثيابهم، وثلاثتهم يضحكون وكأنهم في مدينة الملاهي، منظر فردوس يبدا على الأفق أمامهم، وصلوا سريعا إلى الجهة الأخرى من الغابة، قفز "أنس" وخلفه "مرام"، والتفتا نحو "ناردين" التي لوحت لهما وودعتهما ثم انطلق بساط الأوراق الأخضر عائدا بها إلى حيث كوخها في أقصى الغابة، فهي لا تستطيع تخطي الحاجز الحجري الذي يحيط بها أبدا.
❐❐❐
دلفت " َنبرة" بخطوات متسارعة تكاد تشق الأرض بحذائها، كانت تجّر ثوبها خيلاء وتسير بغطرسة أمام أخيها "ِكمشاق"، تجاهلت "حليم" كالعادة وقالت بغضب:
- أين الساحر "قرجة"، أريده في ا َلحال
- أرسلت أستدعيه، اهدئي يا "نبرة"، لا بد أن الكتاب في القصر، ألم تراودك رؤى عنه؟
- لا ، عن المحارب فقط، كنت قد رأيته أكثر من مرة مع ذاك الشاب، ما زال يقيم بداره، لم يظهر الكتاب معه بعد، لكن الرؤى لم تراودني منذ ليلتين، لا أدري أين اختفت البومة!!
وّجه "حليم" كلامه إليها قائلا:
- ربما يظهره نهارا، فأنت لا تراودك الرؤى إلا ليًلا.
رمقته بازدراء وقالت:
- المحاربون يديمون النظر في الكتاب ليًلا ونهارا ليراقبوا ظهور الكلمات فيه، وذاك المحارب يحمل حقيبة لا يبدو أن الكتاب فيها.
ُثم استدارت وأشارت بعنجهية إلى أحد الحراس وقالت:
- احضروا الساحر "قرجة" حالًا
انصرف أحد الحراس مهرولًا ليستدعي الساحر "قرجة" ذا الستة أصابع، والذي يخشاه الجميع، حيث كان يستعين بالجان ويقوم بأفاعيل يشيب لها الولدان، جلست "نبرة" تفرقع أصابعها وتقرض شفتيها في غضب، لم يجرؤ أخوها " ِكمشاق" على لومها فالكتاب ًقد ُسرق من غرفتها وهي التي أصرت على الاحتفاظ به عندها، لكنه كان غاضبا منها بشدة.
عادت لجناحها فإذا بجارية تهرول نحوها وهي تحمل عشا أحضره بستاني القصر من فوق الشجرة، كان يحوي صغار بومتها البيضاء، اتسعت حدقتاها وكانت في غاية الغضب، قالت "نبرة" بحنق شديد:
- ألهذا انشغلت عني تلك البومة الحقيرة!
مّدت كفيها وخنقت الصغيرين داخل العش، كانت الجارية ترتجف وهي تراقب أنفاسهما وهي تتباطأ ثم تنقطع، هرولت باكية وأعادت العش للبستاني الذي أعاده لمكانه في وجل وإشفاق، واختبأ مع الجارية يراقبان البومة المسكينة عندما عادت وقد فجعت في صغارها.
❐❐❐
عاد "أنس" إلى دكان "كلودة" بعد أن ترك " َمرام" أمام بيت "أشريا" واطمأّن أ ّنها دلفت ّإلى الدار بأمان، استقبله " ّكومبو" بالعناق وكان في غاية السعادة بعودته، أما "كلودة" فبدا ساهما وكأن هناك ما يشغل فكره، حتى أنه لم يسأل "أنس" عما فعله في الغابة، واكتفى بمتابعة حواره مع "كومبو"، قرر "أنس" أن يبدأ رحلة بحثه عن كتابه، أخرج الخريطة التي أعطتها له "الحوراء" وعاد يتفحصها بإمعان، كان يتفكر في الأرقام المدونة عليها، ترى ما الذي تعنيه! حاول أن يجري بعض الحسابات ليربط بينها، اجتر كّل المعادلات التي درسها بالجامعة، لعله يفك تلك الشفرة، لكنه لم يصل إلى شيء واضح ومحدد! يبدو أنه سيعود إلى المكتبة العظمى، لا مجال لتأجيل زيارتها ليسألهم عن مصير الكتاب، بينما هو غارق في أفكاره فوجيء بها تقف أمامه! قال متعجبا:
- " َمرام!" ما الذي أتي بك إلى هنا؟ ألم نتفق على أن تبقي في دار "أشريا" ولا تخرجي إلا للضرورة؟
- أصابني الخوف
- من ماذا؟
قالت بصوت تخنقه العبرات:
- لا أدري، أشعر أنني لن أعود إلى بيتي، لقد انتهى أمري وسأظّل هنا للأبد
- بل ستعودين إن شاء الله.. ثقي بالله!
- ونعم بالله. حسنا.. ماذا سنفعل؟ ما خطوتنا التالية؟
- كما اتفقنا، سأحاول البحث عن الكتاب.
- إذن سأذهب معك. - لكنني سأذهب إلى المكتبة العظمى، وسأنتقل من خلال فجوة
- ولم الفجوات! هل من الممكن أن نسير مًعا؟
- المسافة طويلة جًدا يا " َمرام"، لقد حاولت من قبل، كما أّن المكان هناك مهيب ويكاد يكون خالًيا من ًالبشر! هنا في القرية أنت بأمان، وكونك في دار "أشريا" سيجعلني مطمئنا عليك عندما أغيب عن القرية، أرجوك عودي إلى هناك.
قالت بتضجر:
- يبدو أّنك نسيت أنني كنت أعيش هنا وحدي قبل مجيئك، ووصولك لا يعني أنك وصي علي ! لقد علقت معك رغم أنفي!
ُث ّم استدارت وسارت بعصبية فلاحقها وسار بجوارها وقال يلومها:
- ظننتك توقفت عن هذا!
استدارت بعصبية وسألته:
- ظننتني توقفت عن ماذا؟
- عن الغضب فجأة وبلا سبب.. كما تفعل أختي"حبيبة" أحيانا! ُكنت أكثر هدوًئا عندما كنا مع "ناردين" في الغابة.
شعرت بالحرج منه، قالت بتلعثم:
- لست غاضبة، أنا فقط..
قاطعها قائلًا:
- أعلم أ ّنك قلقة وخائفة، وأن فقدك لمميزاتك كمحاربة جعلك أكثر حساسية عن ذي قبل، ولكنك الآن مجبرة على التعامل مع الأمور كما هي، فهوني على نفسك، ودعيني أقوم بمهمتي وساعديني بأن تجعليني مطمئنا عليك وأنا أؤديها.
راقت لها كلماته البسيطة، وسارت بجواره تغمرها حالة من السكون الجميل، تحتاج من آن لآخر لبعض الطمأنة لا أكثر، فالوّضع مربك وهي ترزح تّحت ضغوط نفسية متشابكة. أعادها إلى بيُت "أشريا"، ودعها بعد أن وعدًته ألا تغادر البيت مرة أخرى حتى يعود إليها. ثم أسرع إلى أحد البساتين بعيدا عن أعين الناس، أخرج خنجره وحركه في الهواء، انتقل إلى المكتبة العظمى، تكرر الأمر ! وتكرر ما حدث له مع الرمال المتحركة، كادت الرمال تبتلعه لولا أنه فعل كما فعل في المرة السابقة ليخلص نفسه منها، سحبته الفجوة وعاد إلى بيت "كلودة"، يبد وأن الانتقال إلى المكتبة العظمي أصعب من الانتقال إلى كل الأماكن في تلك المملكة، كان متعبا ومرهقا ففضل أن يرتاح قليلا، مكث هناك حتى عاد "كلودة" ليلا، وكان لهما حديث طويل، استسلما بعده لنوم عميق.
❐❐❐
ما زالت السماء مظلمة، لم يبسط الفجر رداءه كامًلا بعد! أفاق "أنس" علّى صوت الباب وهو ُيغلق، وثب وتبع "كلودًة" حيث خرج قُبل أن تشرق الشمس بدقائق، كان يسير نحو السهول متوجها للقصر للقاء "أونتي"، لحقه "أنس" دون أن يشعر به وضربه على كتفه، أجفل "كلودة" واستدار غاضبا، سأله "أنس" وعيناه تتهمانه:
- هل عدت للقائها؟
- أنا فقط أريد أن...
هربت منه الكلمات، لم يجد ما يقوله!، سأله "أنس":
- ألم تخبرني أّنك ندمت وتبت يا "كلودة"؟
- كنت فقط أود أن أتحدث إليها لأخبرها أنني لم أقصد أن أجرحها أو أسيء إليها.
- تشفق عليها.. أليس كذلك؟
- وأشعر بالّذنب الشديد، كان الصواب أن أصّدها من البداية.
- لكنك إن التقيت بها ستضعف وتعود.
- لن أعود لذلك يا "أنس"، صدقني، أنا فقط..
- انظر لنفسك! تستدرجك شهوتك لتنزلق مرة أخرى.
- لا..أنا ذاهب فقط لكي يرتاح ضميري ولست ذاهبا لإرضاء شهوتي، اتركني يا "أنس" أرجوك.
واستدار وترك "أنس" وأكمل طريقه تجاه القصر،
لاحقه "أنس" وسبقه ووقف يعترض طريقه وقال وهو يمسك بكتفيه:
- عد معي، وأغلق تلك الصفحة تماما، ولتنس أمرها وتسّلمه لله، هو يكفيها، وادع لها في صلاتك هي وكل من يخطئ، توبتك تحتاج منك أن تقطع صلتك بالماضي إلى الأبد، مجرد عودتك إلى نفس المكان ستنبش الذكريات، ستضغط على ّ بقايا علقت بنفسك ولم تزل بعد أدرانها، ما زالت روحك تتأرجح، فشدها بعيدا واضرب خيمتك في فالة واربأ بنفسك عن هذا واستغفر واستعصم، وعض على بنانك إن استبدت بك الشهوة وأصابك الحنين إلى العودة إلى هنا.
- أشعر أحياًنا أنني قوي، وأحياًنا أخرى أنني قبيح وقذر ونفسي متسخة... ولن أتغير أبدا، وسأظل كما أنا، لن يغفر لي الناس، ستظل بقايا الماضي عالقة بي، و ستطاردني.
- المهم أن يغفر لك رّب الناس
- أخشى أن …
- لا تكملها... ظن به خيًرا!، سيغفر لك، وسيستجيب، أتظن أن كل من حولك ملائكة ! كلهم يخطئون ويذنبون يا "كلودة".
- لعلهم يذنبون ذنوًبا خفيفة، أّما أنا فخطئي أكبر! ابتليت في شهوتي يا "أنس"
- كل الذنوب شهوات، شهوة جسد، لذة جوارح مادية، تذوقها أعضاؤك فقط، أما روحك...فلها ملكوت آخر، جرب أن تتلذذ وأشبع روحك بذكر
الله ، سيغادرك هذا الإحساس بالدونية، وستكون أقوى... جرب.
- وددت أن أكون إنساًنا فاضلًا يا "أنس..." ولكن فات الأوان!
- من قال هذا؟ أن تكون فاضلا تعني أن تكون إنساًنا طيًبا ونقيا، أَمِنَ الآخرون أذاه.
- ويحب مكارم الأخلاق وتتمثل فيه، أنا أخطأت.. كيف سأعود نقًّيا؟
- لكنك ندمت! كّل سيئة ستقلب ّ برحمة الله إلى حسنة، وكل ظلمة ستضيء، وكل نكتة سوداء ستبيض، أنت بشر ولست نبيا معصوما، أنت تخطئ لكنك تداركت الأخطاء، قد تذنب، لكنك تريد التوبة، يكفي أن يكون معظمك فاضلا يا "كلودة"، لسنا ملائكة يا صديقي.
ظللتهما السكينة ووقفا للحظات، انتهى الكلام لكن معانيه لم تنته، نفرت دمعة من عين "كلودة" فاستقبلها "أنس" بكفه واحتضنه ثم سار يتأبط ذراعه نحو البيت، عاد كلاهما لفراشه لينعم بساعة يغفو فيها قبل أن ينطلقا للعمل.
طرقات خفيفة على باب الدار أيقظته من غفوته، كان "كلودة" غارًقا في النوم عندما أفاق "أنس" وسار نحو الباب، فتحه فأصدر الباب أزيزا غريبا وامتلأت الدار بضوء ذهبي قوي رفع "أنس" كفيه ليحجبه عن عينيه، خرج من باب الدار ليرى إن كان مصباحا أو ماذا! اختفى الضوء فجأة وظهر أمامه الأمير "أواوا" الذي كان قد رآه من قبل في النفق تحت الماء، كانت عليه ثياب كتانية مصبوغة بلون برتقالي فاقع ومحفورة بخيوط ذهبية على أطرافها، على رأسه كان التاج يومض تحت ضوء الشمس عاكسا ألوان فصوص الياقوت التي تطعم التاج، فغر "أنس" فاه وهو يتأمل هيئة الأمير الساحرة بقامته المديدة وملامحه المستضيئة، أجفل عندما رآه ينزع التاج عن رأسه ويركض وكأن هناك من يطارده، تلفت "أنس" ثم تبعه حيث دار خلف البيت وأسرع يختبئ خلف جذع شجرة، رأى الأمير "أواوا" ينحني حيث كانت ّ هناك كومة من الأغصان وبدأ يزيلها ثم بدأ يحفر الأرض بأصا ًبعه حتى تغبرت رموشه وحاجباه و ملابسه، نفض يديه وأخرج صندوقا خشبيا وجلس بجواره وأخرج منه كتابا ما، فتحه فدار وتقلب في الهواء وانفصلت ورقاته وطارت في الهواء وحلقت حول الأمير "أواوا"، عاد الأمير يكرر العبارات التي رددها على مسامع "أنس" في الممر تحت الماء بينما تدور الصفحات حوله، وبعد أن انتهى عادت تستقر بانتظام بين دفتي الكتاب، أغلقه بحرص شديد وحمله وكأنه يحمل رضيعا وتأّمله بامتنان ومد يديه بالكتاب لـ"أنس"، تلاقت عيناهما فشعر "أنّس" وكأن روحه تنسحب من بين جنبيه، استيقظ على صوت "كلودة" وهو يهزه بقوة ويقول له:
- ما بك يا "أنس"؟ لماذا تشهق بتلك الطريق؟
في تلك اللحظة، كان " ُكومبو" يقف ويصيح عليهما بصوته الجهوري من أمام باب البيت، ولما لم يفتحا ركل الباب بقدمه ودلف بعينيه الضاحكتين ،قال بمرح:
- أعدت أمي لكما إفطاًرا شهًّيا، فطيرة محشّوة بالتفاح والعسل.
في ثوان معدودة كانت الغرفة تعبق برائحة الفطير الشهي، وثب ً"أنس" من فراشه، ُكاّن يشعر أن عظام جسده تكاد تتفتت، جلس ساكنا كالصنم للحظات ثم قال لهما:
- سأعود بعد لحظات.
خرج راكضا ودار خلف البيت يتفحص الأشجار، عثر على كومة الأغصان تحت شجرة جذعها عريض، أسرع "أنس" يحفر تحت الشجًرة كما فعل الأمير "أواوا" في الحلم الذي رآه، انحنى وسحب صندوقا ممتلئا بالكتب، جلس والتراب يغطي رأسه وثيابه ثم أخرج منه كتابه الذي يبحث عنه، لقد دله الأمير "أواوا" على مكانه!
عاد بالكتاب لرفيقيه، فور أن رآه "كلودة" شهق وألقى الفطيرة من يده وقال:
- إ ّنه كتابي!!
- بل كتابي... "إيكادولي"
- كيف عرفت مكانه!!
- لن تصّدق... بعد أن عدنا غفوت لدقائق ورأيت رؤيا تدلني على المكان تحت الشجرة، دلني عليها الأمير "أواوا".
قال " ُكومبو:"
- يا الله! إذن الكتاب من ضمن كتاباته العظيمة يا "أنس!"
ارتبك ُ"كلودة" وبدا عليه التوتر، لم يتخيل أن يكون الكتاب الذي أهدته له الأميرة "أونتي" هو كتاب "أنس"، قال بتحرج:
- لم أكن أعلم، فقد أهدته لي " ُأونتي"، وجدت صفحاته خالية فكتبت به! كانت تلك الهدية التي أرسلت إلي مع " َمرام" لتطلب مني أن أتخلص منها. - إذن كانت " َمرام" قريبة من الكتاب وهي لا تعلم!
قّلب "أنس" صفحاته فلم يجد شيئا، تعجب "كلودة" وأخذ يبحث عما كتبه فيه، ثم قال متعجبا:
- كنت قد كتبت بعض الكلمات، لا أدري أين اختفت!
أغلق "أنس" كتابه وقال:
- الكتاب لا يقبل ما يكتب عليه، يبتلع الكلمات ويرفضها، ستظهر الكلمات تباعا في وقت ما، هذا ما أعرفه!
قال " ُكومبو" بفٍم ممتلئ بالفطير وكان يتابعهما بفضول شديد :
- هكذا إذن تحدث الأمور، حسنا أيها المحارب، ها أنت قد استعدت كتابك، فهل سترحل عنا؟
قالها وفي عينيه مسحة حزن تشي بأنه قد تعلق بـ"أنس" ويصعب عليه أن يغادرهما، قال "أنس" يلاطفه:
- لا أيها السمين! سأبقى معكما وسأظل بالقرية حتى يسترد الكتاب كلماته.
- لست سميًنا
- ألست " ُكومبو"؟
- نعم أنا " ُكومبو"!
- إذن أنت سمين
انطلق الثلاثة إلى دكان العطارة، كان "أنس" سعيًدا باسترداد كتابه،، ظّل يشاكس "كومبو" طوال الطريق، بينما البسمة المتعبة لم تغادر وجه "كلودة"، الذي كان يتعافى من الماضي، وقد بدأ يسترد روحه النقية، عاد يسبح، قال بصوت مكسور:
- سبحانك سبحانك، ما أضيق الطرق على من لم تكن دليله!
❐❐❐
بأنف عريض مثقوب تتخلله حلقة ذهبية رفيعة، وأذنين يتدلى منهما فصان من الياقوت الأحمر، وبوجه ضامر مغبر تثقبه عينان ضيقتان، وعليه ثياب سوداء مشبوحة باللون الأصفر دلف الساحر "قرجة" وعلى رأسه قبعة غريبة تنفر منها ضفائره المجدولة بحبال تتدلى منها أجراس صغيرة ، جلس أمام الأميرة "نبرة" وقال بصوت أجش:
- مولاتي الأميرة " َنبرة"
كانت " َنبرة" تخافه لكنها تأبى أن تظهر هذا، لم تجرؤ على إطالة النظر إلى عينيه أكثر من ثانيتين، كانت تركز على أصابع يده الستة وهي تتحدث إليه قائلة:
- أيها الساحر العظيم، أرسلت إليك لتساعدني.
نظر إليها بعينيه المتلصصتين تحت حواجبه المرتعشة على نحو شائن وقال:
- طوع أمرك مولاتي.
- هناك كتاب ثمين يخصني ُسرق من غرفتي، وأنا أبحث عمن سرقه.
مد "قرجة" يده فجأة وأمسك بيدها فانتفضت وركز عينيه في عينيها فارتجفت وراعتها نظراته، ترك يدها فتراجعت وقبضتها نحو صدرها وقالت له:
- سأعطيك ما تطلبه، ودلني على السارق.
صفق "قرجة" فاقترب مساعده، ووضع إنائين أمام نبره، صب فَي أحدهمّا الماء، ووضع في الآخر طينا أسود، وبدأ يتمتم بكلمات لم تفهمها "نبرة"، ظل يرددها وكانت تشَعر بالجو حولها يزداد حرارة، طلب منها أن تختار إناء وتحمله، حملت "نبرة" إناء الماء فانسكب ّ عليها، غضن الساحر حاجبيه ثم أغّمض عينيه في غضب، صرخ صرخة ارتجت لها أركان الغرفة، وأحست هي بأن هناك ألف إبرة رشقت في ذراعها، طلب منها أن تحمل الإناء الآخر الممتلئ بالطين الأسود، حملته بين يديها بحرص شديد، بدأ الساحر يحدق فيه، َوبدأت الصور تتمثل أمام عينيه حية مرة أخرى ورأى فتاة تفتش في خزانة "نبرة" وتسرق الكتاب، كان ينتظر أن تستدير ليرى وجهها، وكانت "نبرة" تتابع تعابير وجهه بتركيز شديد وتنصت إليه وهو يصف ما يراه من مُشاهد أّمام عينيه لتع ّرف مصير الكتاب، ولكن الطين الأسود ماج في بعضه ثم تصلب فجأة وتحول إلى حجر صلد، فشهق الساحر وأغمض عينيه، صاحت "نبرة" بعصبية:
- ما الذي حدث؟ من هي الفتاة؟
أمسك الساحر بالإناء وسحب منه الحجر الأسود الذي تكون وقال لها:
- أغلق الطين عينه!
- ما هذا الهراء! أعد ما قلته ولتحضر المزيد من الطين وأخبرني إلى أين ذهب الكتاب؟
- هذا الكتاب ليس لك.
- وما أدراك؟
- الكتاب مسروق من صاحبه.
وقفت وسارت خطوتين ثم التفتت إليه وخلعت خواتمها وكل ما ترتديه من جواهر وألقتها أمام الساحر وقالت:
- ولك المزيد، فقط دّلني على مكانه.
- لن أستطيع
- لماذا؟
- منعني "المجاهيم" من تتبع مكان الكتاب
- ومن هؤلاء
- قبيلة من قبائل الجان، يبدو أن الكتاب يهمهم، لماذا تريدين هذا الكتاب؟
- أريده لأتمكن من السيطرة على المحارب، أريده... أتفهم؟
رفع حاجبيه وقال وهو يرشقها بنظرة خبيثة:
- يبدو أ ّنك تريدين المحارب لا الكتاب يا مولاتي!
عضت الأميرة " َنبرة" على شفتيها بغيظ، كادت تنصرف لولا أن "قرجة" قال لها بصوت يشبه الفحيح:
- قد أساعدك في السيطرة على المحارب نفسه.
- كيف؟
- أحضري لي شيًئا يخصه، واتركي الأمر لي.
✍حقوق الطبع و النشر خاص بمدونة الأقلام الذهبية©
إذا كان لديك قصه و تريد مني نشرها قم مراسلتي على تطبيق واتساب اضغط هنـــا
تعليقات
إرسال تعليق
إذا كان لدي أي تعليق اكتبه في الاسفل