في رحم الظلام ووسط الغيوم وفوق الصحراء والرمال الكثيفة كان يشق " إبرام " السحب بأقصى سرعة طيران له قاطعا آلاف الأميال من مملكة النار والظلام إلى مملكة الملك يوسف ، ويطير خلفه ثلاثون نفرا من الجن وكرات اللًهب تتطاير من حوله محاولا تفاديها والوصول إلى الملك يوسف ؛ لنقل الأنباء له .
فهو المارد "إبرام " أعظم من في المملكة من الجن الطيار وأقوى بصاصين المملكة. ويجب عليه تأدية واجبه علي أكمل وجه مهما كلفه الأمر ولو حياته هي الثمن . لكنه يعاني من الجروح وبدأت تخور قواه والدخان الكثيف في كل مكان وجسده ينزف وجناحاه بهما الكثير من الجروح مما يضعف حركته ثم تلقى كرة نارية أسقطته أرضا وهو يتخبط بين الجبال وهبط خلفه جنود مملكة النار والظلام لقتله ؛ فنظر الجنود حولهم جيدا ولم يجدوا أحد مما أثار دهشتهم فهم شاهدوا " إبرام " يسقط علي الأرض في تلك البقعة فصاح كبير الجند فيهم :
_ ابحثوا عنه في كل مكان يجب أن يُقتل .
جنود أشداء ، بنيان قوي ، سواعد مثل الجبال يحملون سيوف حادة لم ير مثلها أي إنسان . وسط الظلام وبين ممرات الجبال انقضى أكثر من ساعة وهم يبحثون عن " إبرام " دون جدوى، وبين ممرات الجبال تفاجأ الجنود بسقوط جبل عليهم وتم قتلهم جميعا بذكاء" إبرام "وبدأ في رحلة الطيران إلى الملك يوسف وخلفه كبير الجند بعد أن هرب من انهيار الجبل عليه ومقتل جميع الجنود .
يلقى عليه كرات من نار تحرق جسد " إبرام " ومن حين إلى آخر يلتفت " إبرام " نحوه ويلقي عليه كرات اللهب من فمه ويتفادى الكثير حتى وصل إلى حدود مملكة العهد . وقف" إبرام "على الباب يطلب الإذن في دخول المملكة ، وفر كبير الجند هارباً خوفاً من السقوط أسير في يد جنود مملكة العهد ولم يلبث "إبرام "كثيرا حتى اجتاز البوابة الأولي من المملكة قاطعاً الطريق وسط المدينة بشوارعها المظلمة الخاوية من جنس بني الجن حتى وصل إلى بوابة القصر العالية المزينة برؤوس أعداء المملكة .
أطال الملك يوسف النظر من شرفة قصره إلى الساحة الكبيرة للمدينة وهو شارد الذهن يفكر في مصير أهل مدينته الأبرياء إذا حل بهم مكروه ويحمد ربه فها هو ملك على أقوى ممالك الجن يحكم ثلث الأرض وهنا قاطعه أحد الحراس قائلاً :
_ إبرام كبير البصاصين بالباب مولاي الملك ويطلب الإذن بالدخول لأمر هام وعاجل .
أخذ الملك يوسف نفساً عميقاً، ونظر ملياً نحو الحارس ودقات قلبه تتسارع ، يخشى وقوع مكروه يعكر صفو مملكته والهدوء الذي ينعم به، ثم أمر الحارس بإحضار إبرام ثم اتجه إلى ساحة القصر وجلس على العرش بعد أن ارتدى التاج الملكي وحمل صولجان المُلك في يده فكان مهيباً في جلسته ، مفتول العضلات ، أسمر الوجه مثل الأفارقة طويل القامة يخشاه ملوك الجان قبل الرعية .
دخل إبرام ممزق الثياب جسده ينزف والجروح في كل شبر في جسده ؛ فانزعج الملك من شكل إبرام وشعر أنه يحمل أنباء غير سارة فقال في هدوء لا يناسب الموقف : _ هات ما عندك يا إبرام
فقال إبرام وهو يلهث :
_ الملك نوان ملك مملكة النار والظلام يستعد للغزو بجيش قوامه أربعمائة ألف فارس سيصل في غضون ثلاثة أيام .
انفعل الملك يوسف وضرب الأرض بصولجانه وهبّ واقفاً على قدميه وهو يقول في غضب شديد :
_ متى أتخلص من هذا الملعون ؟ لم يكف عن محاربة الممالك وسفك الدماء التي حرم الله سفكها .
فقال إبرام في حزن شديد :
_ الملك مارندار والملك مارون وقعوا أسرى في يد الملك نوان ملك مملكة النار والظلام وسيطر سيطرة كاملة على الممالك وجميع من في مملكة مارندار ومملكة مارون أصبحوا تحت إمارته .
صرخ الملك يوسف في وجه إبرام وقال :
_ اخرج من هنا الآن يا إبرام لا أرغب في رؤية وجهك العكر .
خرج إبرام بعد أن ألقى التحية الملكية على الملك وفتح له الحراس الأبواب وسمع الملك يقول: أرسلوا في طلب قادة الجيش وأخذ نفساً عميقاً وتمتم قائلاً : هي الحرب إذن .
وعلى باب غرفة الملك كان عزازيل يتقدم في الرواق من بعيد فتباطأ إبرام أمام الباب حتى وصل عزازيل أمام الباب وقال له في تهكم :
_ مرحباً بالوزير الشجاع .
_ أراك تحمل أنباء حرب .
_ نعم إنها الحرب لا محالة .
_ كم كنت أتمنى أن نتجنب مثل تلك الحروب .
_ الوزير عزازيل يخشي الحرب !!!
_ أمثالك لا ينعمون ولا يصبح لهم قيمة إلا في الحرب يا إبرام .
_ وماذا فعل أمثال عزازيل في أيام السلام التي نعمت فيها المملكة بفضل أمثالي .
_ لن أنكر أنك أنقذت المملكة كثيراً من الوقوع في شرك نوان وأنك أفسدت خططاً كثيرة له . لكني لم أنكر أنك تتمنى الحرب بداخلك حتى تحقق الثراء الفاحش الذي تتمناه من النهب والسرقة تحت شعار غنائم الحرب .
_ حمداً للرب أنك تذكر .
وهنا قاطعة عزازيل قائلاً :
_ أنت تعرف الرب يا إبرام ؟ منذ متى وأنت تعرفه ؟ أنا لم أرك في حياتي تسجد أو تسبح أو تدخل معبد .
_ المعابد تركتها لك يا عزازيل فأنت تعبد الله حباً في ذاتك وليس حباً في الواحد الأحد ، تعبده حتى ترتقي فأمثالك لا يعرفون التضحية والشرف والواجب وكل ما تعرفه هو حبك لذاتك فقط .
انصرف إبرام وهو مستاء من حديثه مع عزازيل ذلك العابد الزاهد الذي يخشى الحرب ويعشق السلام ولا يعرف للشقاء والإرهاق طعم .
يتابع في الفصل الثاني.....

تعليقات
إرسال تعليق
إذا كان لدي أي تعليق اكتبه في الاسفل