رواية ايكادولي 9 - د حنان لاشين



سارت " َمرام" تجاه سهمها والذي استقر في جذع شجرة قريبة منهما لتقوم بنزعه مرة أخرى، انزلقت قدمها وكادت تسقط في الوحل مرة أخرى، أسرع "أنس" وحا ًول أن يمسك يدها قبل أن تسقط، اضطربت وأبعدت يدها عن يده وكأن نارا ستلسعها فتراجعت إلى الوراء وعيناها الزائغتان لا تفارق وجهه. مرت لحظات قبل أن تستعيد توازنها، قال وهو يجول بنظراته في المكان متفحصا أرضه:

- لماذا تتمرنين في تلك المنطقة، وما حاجتك لهذا التمرين أصلا؟ الأرض زلقة! كانت تمطر طوال الليل! 
تلون وجهها حياء منه، فقد جاءت تبحث عنه بعد أن أخبرها " ُكومبو" عندمًا ذهبت تبحث عنه في دكان العطارة أنه سيقصد الغابة، فاشترت قوسا و ّسهاما وهرولت به نحو الغابة، كانت تخشى أن يرحل لمكان ما ولا تعثر عليه مرة أخرى، وهي تود العودة لديارها سريعا، قالت بانفعال:

- كيف أتيت للغابة دون أن تمر علي لتصحبني؟ ألم نتفق على أن تعيدني اليوم إلى القصر؟
- كنت سأمّر عليك، أتيت على عجل لأمر ما، وكنت سأعود 
ثّم قال وعلى وجهه تلوح ابتسامة:

- تذكرينني بأختي "حبيبة"، تشبهك كثيرا، نفس العصبية ونفس الطريقة في الهروب من السؤال 
- أي سؤال!!
- ما حاجتك لهذا التمرين! ولم تلك المنطقة بالذات! أنت ضعيفة البنية ولا تحتاجين إلى قوس وسهم، حتى أنني حائر كيف أمضيتِ رحلتك مع كتابك هنا!
قالت على استحياء:

- لا أستطيع التوغل في الغابة وحدي أكثر من ذلك، هنا تحلق الصقور فوق الأشجار وأستأنس بوجودهم، أما داخل الغابة فكلما توغلت قل الأصدقاء، أخشى أن يعود تجار العبيد مرة أخرى.
- تّجار العبيد واللصوص يمّرون في الجهة الغربية من النهر، لا تخافي فنحن في الجهة الشرقية.
ُثم تنّهد وسألها وكأ ّنه يسأل طفلة صغيرة:

- لا بد أ ّنك تشتاقين لبيتك يا " َمرام"؟
ترقرقت دمعة في عينيها وقالت بتأّثر:

- نعم ...أوحشتني ُأّمي كثيًرا.
- ووالدك؟ وأشقاؤك؟
- والدي توفاه الله وأنا صغيرة، وليس لدي أشقاء.
- آسف .
- لا عليك.
أخرج خنجره وقال لها بجدية:

- اسمعي، ذاك الخنجر أستطيع أن أنتقل به من مكان لآخر، انتقلت به لقصر "الحوراء"، كما انتقلت اليوم إلى الغابة بسرعة، سأفتح فجوة في الهواء الآن وأنقلك إلى القصر.
كانت " َمرام" تحدق في وجهه باستغراب، حّرك خنجره في الهواء وقال "قصر الحوراء" فانبثقت الفجوة المتلونة أمامهما، كانت الألوان تموج في بعضها البعض، وقفت "مرام" مرتبكة أمامها، سألها "أنس":

- سأدخل قبلك
- لا تتركني وحدي هنا!
- ادخلي إذن قبلي
- لا...لا
- لابّد أن يدخل أحدنا قبل الآخر، هيا يا " َمرام".
- لا أستطيع دخول هذا الشيء! رّبما هو شيء خاص بك، وأنا أخاف!
- هّيا يا " َمرام" سيختصر هذا الكثير من الوقت، بد لًا من أن نسير تلك المسافة الكبيرة.
- الأفضل أن نسير..لن أدخل هذا الشيء..مستحيل!

قالت جملتها الأخيرة صارخة، كانت تبدو مرتبكة وخائفة للغاية، اختفت الفجوة فجأة وكأنها كانت تنصت لحديثهما! ، ران عليهما صمت ثقيل، كلاهما يتحرج من تواجده مع الآخر، لكنهما يأنسان ببعضهما، أراد "أنس" أن يخفف عنها، طلب أن يجرب القوس، تناوله منها وقال مازحا:

- قوسك خفيف جدا، يبدو كاللعبة!
مّدت يدها إلى كنانة السهام وسحبت سهما وناولته له قائلة:
- جرب بنفسك.
- أراك تقفين قريًبا من مرماِك، الشجرة تبعد عنك عشر خطواٍت تقريبا.
- لا أحسن الرمي إن ابتعدت أكثر من تلك المسافة.
رفع "أنس" أحد السهام أمام عينيه وقال:

- اخبريني يا " َمرام" ما معنى تلك الأسماء؟"..كلودة"، " ُأونتي"، "أشريا"، " َنبرة"!
ارتبكت " َمرام" عند سماع الاسم الأخير وسألته بارتياب:

- " َنبرة"! أين سمعت هذا الاسم؟
هز "أنس" كتفيه، فضل ألا يخبرها عن النهر وما حدث فيه وقال مدعيا اللامبالاة:

- سمعت أحدهم يذكر الاسم أمامي.

دارت بعينيها في المكان وقالت وما زالت علامات القلق مرسومة على وجهها:
- "كلودة" أي المولود بعد الشهرالسابع وهو من أسماء الذكور الشائعة هنا، و"أونتي" تعني القمر ليلة البدر، "أشريا" تعني الفتاة السمحة والحلوة، أما "نبرة" فتعني... المرأة الجميلة، وكلها أسماء نوبية قديمة.
حّرك"أنس" كتفيه وقال:

- الأشخاص هنا غرباء!، أشعر أنهم من بلاد مختلفة، يختلفون في الملامح والملابس! حتى البيوت تختلف!
- كل قرية هنا تختلف تماما عن الأخرى.
- وكذلك الأشخاص... أليس كذلك يا "مرام"؟
رفعت "مرام" حاجبيها وقالت:

- ربما اختلطت الأنساب، ومرت سنون طويلة، ورحلوا من مكان لمكان.. نحن نعيش الآن في مكان عجيب، هناك العديد من القرى حولنا، الغابة تعتبر شيئا منفصلا يهابون الاقتراب منها، لكن ما يحيرني هو تلك القرى.
- ما بها!

قالت " َمرام":

- كل قرية تختلف عن الأخرى، لو دخلتها وتعاملت من سكانها ستشعر وكأنك قد انفصلت عن القرى الأخرى وما فيها، حاول وجرب بنفسك.
- هل جربت أنتِ من قبل؟
- بالتأكيد.
- وماذا رأيت؟
- لا أدري كيف أصف لك...لكنها تجربة تستحق، وتبقى مملكة الشمال حيث قصر "الحوراء" أحبهم إلى قلبي.
- ولماذا؟
- لأنني هناك.. أشعر بالأمان يا "أنس." 
- بالمناسبة، هل تعلمين يا "َمرام" أين نحن الآن؟، أين موقع تلك المملكة على الخريطة؟
- لا... لا أعرف يا "أنس..." أشعر أحيانا أننا بين السطور، ُنرفع وُنجر وُنكسر من أجل المعاني.

ابتسم بسخرية ُ ثّم قال:

- إذن نحن في مملكٍة لا محل لها من الإعراب .

وضع "أنس" السهم في كبد القوس ورفع ذراعه بثباٍت ،باعد بين ساقيه وأغلق إحدى عينيه ورّكز الأخرى على الهدف، جذب السهم بقوة ثم كتم أنفاسه وتركه فجأة ليستقر في وسط بقعة سوداء كانت على جذع شجرة بلوط اتخذتها "مرام" مرمى لسهامها، ابتسمت عندما رأت السهم وقد رشق فيها وقالت بإعجاب:
- يبدو أنك ماهٌر جدا يا "أنس."
- المسافة قصيرة، لابد أن أتدّرب على الرمي من مسافات أطول، ولكنني لا أظن أنني سأحتاج للقوس والسهام هنا ! أليس كذلك؟
- ربما تحتاجها، حاول أن تتعلم كّل شىء في تلك المملكة.
ثم تفحصت ملابسه بنظرة سريعة، كانت أطراف سرواله ما زالت مبتّلة، سألته بفضول:
- هل سقطت في الماء؟
- نعم .
- أين؟
- النهر الأخضر.
- ماذا قلت؟
- النهر الأخضر... ذاك النهر الذي يقطع الغابة، تعرفينه بالتأكيد!
- اتبعني أرجوك.

سارت " َمرام" بخطوات سريعة نحو النهر، بدت متحفّزة وزاولتها حالة نشاط فجائي، تخطت الأشجار الكثيفة التي تفصل المكان الذي كانا يقفان فيه عن شاطئ النهر ووقفت على حافته دون أن تلتفت لـ"أنس" الذي تبعها حتى وقف بجانبها ونظر كلاهما لانعكاس صورته في الماء، قالت بصوت خافت:

- أرأيت!

حملق في صفحة ماء النهر وقال بهدوء:

- نعم رأيت، صقور بيضاء. 
- هكذا تظهر صورنا في الماء، صقور بيضاء، نحن المحاربون فقط من تظهر صورهم على سطح ماء هذا النهر بتلك الطريقة.
- لماذا يا " َمرام"؟
- لا أدري! أخبرتني "الحوراء" أيضا أننا نستطيع التحليق والطيران داخل نطاق الغابة وحول الجبل الأحمر، وإن حاولنا وتدّربنا سنتقن الأمر، لكنني لم أجرؤ يوما على تلك الفعلة، حاولت القفز مرة على درج القصر وحلقت للحظات فراودني شعور بالخوف الرهيب، حاول أن تجرب يا "أنس".
- لا أظنني سأفعلها! ولن أجربها!
- حاول أن تجّرب كل ميزة تعرفها عن نفسك كمحارب، فلقد فقدت الكثير من مميزاتي التي اكتشفت بعضها ولا أدري السبب!

عاد "أنس" يحملق في صورة الصقر المنعكسة على سطح ماء النهر وسألها:

- وماذا عن "الحوراء" و "الزاجل الازرق" هل تظهر صورهما أيضا هكذا؟
- أتمزح! "الحوراء" وعشيرتها !! لا يجرؤ أحد منهم على دخول الغابة يا "أنس" .
- لماذا؟
- يفقدون أبصارهم، لا يرون إّلا الظلام، وربما يفقدون حياتهم، تلك الغابة قد تبتلع كل أهل المملكة في لحظة .
- ولم أنت هنا إذن! ألا تخافين؟
- كنت أخاف، وأرتجف، لم أجرؤ على دخول الغابة إ لّا بعد أن شجعتني "قطرة الدمع".
- ومن هي؟
- أنثى الصقر التي أحضرتني إلى هنا، ألم ترها؟ إنها زوجة "الرمادي".

أشارت " َمرام" إلى واد على أطراف الغابة بالقرب من الجبل الأحمر جهة الشرق، أخبرته أن "الرمادي" و "قطرة الدمع" يعيشان هناك في كوة بالجبل، كانت المسافة طويلة، ترددا قليلا قبل أن يقررا السير إلى هناك، فقد رفضت "مرام" استخدام الخنجر للانتقال إلى هناك، ما زالت تخاف، كانت تأمل أن تحملها "قطرة الدمعّ" وتعيدها في الحال إلى ديارها. بعد نحو ساعة من السير وصلا إلى هناك. حلق "الرمادي" فوقهما وشاركته "قطرة الدمع" واقترب كلاهما من "مرام" و "أنس" ووقفا أمامهما يؤديان التحية، قال "الرمادي":
- مرحبا "أنس" ، أتيت في الوقت المناسب، حمدا لله أّنك عثرت على " َمرام".
- مرحبا يا صديقي.
قالت " َمرام" بتلّهف:
- "قطرة الدمع" كيف أنت؟ وكيف هو جرحك؟
أجابتها "قطرة الدمع" وهي تحّرك جناحها:
- بخير كما ترين
- هل ستعيدينني الآن إلى بيتي؟
نكست "قطرة الدمع" رأسها وقالت: 
- ليس قبل أن يصدر "سامي كول" الأمر المباشر لي يا " َمرام"، تعلمين أن الأمر ليس بيدي.
- إذن احمليني إلى القصر
- لن أستطيع
- حتى القصر...! لماذا! 
- هذا أمر من الحكيم "سامي كول"، لن أحملك إ لّا بتوجيه مباشر منه
بدا الإحباط الشديد على " َمرام"، ولاحظ "أنس" ما أصابها، كان يرزح تحت موجة عنيفة من الشعور بالذنب تجاهها، أراد "الرمادي" أن يخفف عنهما فقال موجها كلامه لـ"أنس:"
- شاركانا احتفالنا بالزواج.
لم يترك له "الّرمادي" فرصة سؤاله! بل حلق في الحال، التفت "أنس" نحو "مرام" وسألها بتعجب:
- ألم تخبريني أن "قطرة الدمع" زوجته؟
- بلى أخبرتك، وهي كذلك بالفعل، ولكننا نشهد احتفالا بطريقة ما، يعود الزوجان إلى نفس الموقع الذي عششا فيه كل عام، حيث يؤديان عرضا لمراسم الزواج ليجددا الروابط فيما بينهما، وعندما يتودد الذكر إلى أنثاه يقوم بتقديم طريدة لها، ويتضمن هذا العرض عددا من الحركات
البهلوانية واللولبية في الجو، بالإضافة لغطسات جوية حادة، وكي تستطيع الأنثى أن تتلقى الطريدة فإنها تطير بطريقة عكسية وتلتقطها بمخالبها من قوائم الذكر. 

وقف "أنس" يراقب الحركات البهلوانية التي يقوم بها "الرمادي" حتى ينال رضاء زوجته، وتابعها وهي تشاركه التحليق برشاقة، علت وجهه ابتسامة واسعة، سأل "مرام" عن سبب تسميتها بـ "قطرة الدمع" فقالت له:
- لأنها من أسرع الطيور على أرض المملكة ، تبدو في هيئتها كقطرة دمع وهي تهبط على فريستها، تطير لعلو شاهق ومن ثم تقوم بغطسة جوية حادة وسريعة لتضرب بعدها أحد جناحي طريدتها كي لا تؤذي نفسها عند الاصطدام.

مر الوقت وهما يتجولان في الغابة، بدأت بطن "أنس" تقرقر من الجوع وكذلك كانت "مرام"، مالت الشمس للغروب واكتست الدنيا حلة ذهبية بديعة. ودعا "الرمادي" و"قطرة الدمع" وبدأت رحلة عودتهما، سألته "مرام" باهتمام:
- ما خطوتنا التالية؟ هل سنكمل الطريق إلى القصر الحوراء؟ 
- نستطيع أن ننتقل إلى هناك في لحظة! فلنستخدم الخنجر وننتقل من خلال فجوة
- لا...لا
- سأعيدك سريعا يا " َمرام" لا تخافي
- ماذا لو خرجت منها إلى عالم ثالث لا أعرف كنهه ولم أجدك هناك! يكفي ما مررت به.. يكفي، سنسير على الاقدام.
بدا عليه الضيق، فهي تصعب الأمور: 

- حسنا، فلنعد لأننا أقرب الآن إلى القرية منها للقصر، ونعود غدا ومعنا بعض الطعام، وربما نستعين بحصانين، أود أن أعيدك سريعا حتى أعود للبحث عن الكتاب، لا بد أن أحصل عليه بأسرع وقت، حاولت الوصول إلى المكتبة العظمي كما أخبرتك، لكنني لم أصل إليها، ولست على يقين من وقوعه في يد الملك "ِكمشاق"، رّبما ما زال مع اللصوص، ألم تسمعي عن ذاك الأمر وأنت هناك؟
- إن أردت أن تسأل فاسأل "كلودة"، فله أصدقاء هناك بالقصر.
-"كلودة" !!ماذا 
أدرك "أنس" أن المكان الذي رأى فيه كلودة مع فتاة من خلال تلك الفتحة في الممر قرب النهر الأخضر تقع في بلاط القصر وما حوله، كان يحدق في الفراغ بينما أكملت "مرام" قائلة:

- اطلب منه أن يسأل أصدقاءه هناك عن الكتاب، بالمناسبة، لاحظت أنك تتجنب الحديث عن اسم الكتاب أمامه، وكأنك تخشى أن يعرف عنوانه.
- بالفعل هذا ما أفعله،حّذرتني السيدة "ناردين" من أن أخبر أحدا بعنوان الكتاب، إلا من أثق به.
ُثم أومأ إليها فشابت نفسها السعادة أنه يثق بها، وقد أخبرها باسم كتابه في بيت "كلودة" من قبل، أردف قائلا بتأثر:
- هل أخبرتك "أشريا" عن الرضيعة التي عثرنا عليها في الغابة؟
-لا 
- هلا سألتها عنها وعن حالها، وكيف ترعاها زوجة الخباز؟ يبدو أنها و أمها يتوليان رعايتها، فلم أر"كلودة" يحضرها إلى البيت، وكنت قد سمعته يخبر زوجة الخباز التي ترضعها أنه سيعود كل ليلة ليحضرها لتبيت معه، لكنه لم يفعل!
- يا مسكينة...! حسًنا سأفعل، لكنني لم ألاحظ وجود رضيعة بالبيت!
- سمعت أّن "أشريا" ترفض الزواج من "كلودة" وهذا ُيحزنه.

رفعت "َمرام" حاجبيها في استغراب وقالت:

- كيف هذا! لقد طلبها أمس للزواج بالفعل ووافقت، وقريًبا ستزف إليه!

استشاط "أنس" غضًبا، يبدو أن "كلودة" يتلاعب بتلك الفتاة الرقيقة، يخدعها ويطلبها للزواج ويتصنع الهوان والضعف ويخونها مع غيرها! وفوق هذا يظهر التنسك ويكثر التسبيح وهو....!!
أكملا سيرهما صامتين، سيسأله بالفعل عن الكتاب، وإن كان قد وصل للقصر أم لا، وسيسأله عن أشياء أخرى.
عادت "َمرام" لدار " أشريا" وسألتها فور أن وصلت عن الطفلة الرضيعة كما أوصاها "أنس"، لكنها أخبرتها أنها لا تعرف عنها شيئا!، وأنكرت أمرها تمّاما! 
ظلت "مرام" تثرثر معها وكأنها طفلُة صغيرة وقد رجعت للتو من يومها الأَول في المدرسة، كانت "أشريا" تراقبها وتنصت لحديثها بفضوٍل، أدركت أن "مرام" تضمر الحب والإعجاب لـ "أنس"، عرفت ذلك من نظرات عينيها المنكسرة، وفلتات حديثها ونشاطها عند كلامهما عنه. عندما أرخى الليل عباءته المرصعة بالنجوم على سماء القرية كانت " َمرام" تجلس ساهمة في غرفة "أشريا" تلوم نفسها على تلك المشاعر التي بدأت تحاك في نفسها تجاه "أنس"، كيف تعجب به! وذاك يتعارض مع وعدها لأمها أن تحافظ على قلبها، أدركت اليوم فقط أن لا سلطان لها على قلبها، لكنها بلا شك تملك أفعالها الظاهرة. عندما تسير معه غدا ستحاول أن تصلح ما بنفسها من أمره، وذاك ما عجزت عن إصلاحه طوال اليوم وهي معه، ربما..لن تتكلم معه طوال الطريق! ولن تنظر إلى وجهه! أو ربما تطلب منه أن يستخدم الخنجر وتنتقل فورا إلى القصر ثم إلى بيتها، لكنها تخاف هذه الفجوات التي تحرك في الهواء! كانت تشعر أن قلبها يقفز من بين ضلوعها عندما تفكر في "أنس"، جلست تتآكل في صمت.

❐❐❐ 


- لماذا لم تمر علي في الدكان؟ 
سأله "كلودة" عندما رآه يجلس أمام البيت وعلى وجهه تتمشى علامــــــــــــــات الضيق والغضب، لم يجبه "أنس" فظّن "كلودة" أنه متعب أو محبط لأنه لم يعثر على كتابه بعد، قال يخفف عنه:
- لا تحزن يا صديقي.

رشقه "أنس" بنظرة جعلته يرتبك، تراجع خطوة وسأله باستنكار:

- ما بك؟ ولماذا تنظر إلّي هكذا! 
- ما ذنب "أشريا"؟ أتخدعها وتزعم أنك تريد الزواج منها وأنت تعشق غيرها؟
- إذن أخبرتك " َمرام!" كنت أعلم أنها لن تسترنا.
- تستركما!!!
- أخطأت عندما طلبت الستر من بشر! والآن أنا أطلبه من الله.
- عجبا للناس يطلبون الستر وهم عاكفون على المعصية! أنت تخشى الناس ولا تخشى الله!
- والله أخشاه.. والله أخشاه... لكنني ضعفت! والآن تبت. 
- كاذب!! لم تخبرني " َمرام" أي شيء، رأيتك بعيني وأنت معها اليوم، رأيت بنفسي ولم يخبرني أحد، أين ذكرك وتسبيحك؟ ظننتك ناسكا عابدا!
- ما رأيته اليوم كان آخر لقاء لنا! 
- أنت كذاب! كنت تراودها عن نفسها وتراودك عن نفسك
- "أنس.."أرجوك! أنت لا تفهم شيئا، إن كنت هناك حقا ورأيت، ألم تلحظ أنها هي التي كانت تلقي بنفسها علي اليوم وكنت أدفعها! لقد أخبرتها أنها لن تراني مرة أخرى.

ثم أردف وقد تظللت عيناه بالدموع: 
- "أنس..." رفقا بي، رفقا بمن وقع في المعصية ُثم عاد، أنا الآن أعرف قيمة التوبة أكثر منك، لأنني وقعت في المعصية بعد أن استقام حالي ثم ندمت وعدت، فتلك السقطة جعلتني على يقين أن الطريق الحق هو طريق التوبة.
ُثم أجهش بالبكاء، فلزم "أنس" الصمت، ُثم قال بعد أن هدأ بكاء "كلودة:" ء الفضيلة التي فيك لا بد أن تنضح على أفعالك، يراها الناس كما يرون ظاهر ثوبك، كنت تظهر الصالح وأنت تخفي المعصية.

- لأنني غفلت، طلبت الستر فيها ونسيت أن أطلب من الله الستر عنها.. أن تحجب عني المعصية وأن يحول الله بيني وبينها، والله لقد تبت وندمت، ساعدني أرجوك.
ّوعاد لبكائه، وجلس "أنس" بجواره صامتا ساكنا و ّكأن على رأسه الطير، أطل "كومبو" من خلف الباب على استحياء، كان يتنصت على حديثهما منذ البداية، سار وهو منكس الرأس تجاه صديق طفولته "كلودة" وجلس بعد أن أحاط كتفه بذراعه، ثم رفع عيناه تجاه "أنس" وقال بخفوت:

- لقد تاب.. أنا أعرفه جيدا وأعرف القصة منذ بدايتها.. رفقا به و لا تعن الشيطان عليه!
تفحص "أنس" وجه "كلوده"، كان وجهه المتعب مصفرا وحول عينيه بدا جليا أنه يعاني، بعد ردح من الزمن قال محفور بهالتين من السواد، بهدوء:

- لو علمت "أشريا" ستهدر كرامتك على الأرض وتتمزق هيبتك. 
انسحقت روح "كلودة" وقال بخفوت:
- لن يخذلني ربي... حاشاه أن يرد قلبا باليقين ناجاه. كانت ليلة عصيبة على "كلودة"، انصرف " ُكومبو" وهو يطارد بومة بيضاء كانت تطوف بالبيت وتحلق فوق شجرة قريبة، قذفها بالحجارة فابتعدت في الحال، ظل "كلودة" يبكي طوال الليل حتى أن "أنس" أشفق عليه ورق لحاله.

❐❐❐

كانت " َمرام" تمشط شعرها بينما كانت "أشريا" تستعد للنوم، التفتت "مرام" إليها وسألتها بفضول:
- لماذا ترفضين الزواج من "كلودة"؟ شردت "أشريا" قليلا ُثم اقتربت من " َمرام" وجلست بجوارها ُثم تأبطت ذراعها بلطف وهمست:
- أنا ُأحبه لكنني أخاف!
- من ماذا؟ 
- كما ترين، لست ببارعة الجمال كما أنني لا ُأحسن ما تفعله الفتيات في أنفسهن، حتى أنني لا أجيد الحديث مثلهن، لا أظنني سأعجبه، أخشى ألا أرضيه إن تزوجته، فربما يراني كالطعام الخالي من الملح والتوابل.

صمتت " َمرام"، كانت صورة " ُأونتي" وهي تتحدث عن "كلودة" لا تفارق ذهنها، ودت لو لم تعرف عن علاقتهما شيئا، فها هي الآن تجلس بجوار فتاة تحبه لكنها لا تعرف أنه خائن، فاجأتها "أشريا" وهي تهمس:

- رّبما يكون قد وقع في حب فتاة بالفعل، سمعت الفتيات يهمسن بهذا.
- معقول!
تظاهرت " َمرام" بالتعجب، فأردفت "أشريا:"

- ما يحيرني هو تكرار طلبه للزواج مني، لا أدري لماذا لا يتزوجها!
أطبقت " مرام" شفتيها، واستمرت "أشريا"في بوحها لها:

- يظن بعض الشباب أن كل الفتيات مباحات، يستطيع أن ينظر، ويتأمل، ويتفحص، ويمزح مع تلك، ويحب تلك، ويحلم بتلك، وعندما يريد الزواج يبحث عن فتاة بعيدة المنال!
زفرت " َمرام" بحنق وقالت:

- عندك حق.
قامت "أشريا" وبدأت تروح وتجيء في الغرفة وقالت:

- لكن سلوكه قد تغير منذ فترة، أتعلمين تلك النظرة التي تقرئين فيها انكسار من أمامك، ذاك الشحوب الذي يكسو وجه من يتوقفون عن فعل الخطأ فيبدون وكأنهم يتعافون من مرض، الضعف الذي يصابونً به، الهوان الحلو بعد التوبة، ذاك الضوء الشاحب الذي يحل شيئا فشيئا في وجه من يعود للصواب...لقد تغير"كلودة" صار لا يرفع حتى عينيه في وجوه النساء وهو يسير.
- أتراقبينه؟
على استحياء أجابتها: 
- من بعيد، أمي تسأل عنه أم " ُكومبو"، فأمي سري وستري وهي تعرف خبيئتي، أما أنا فأدعو له..وأراقبه من بعيد.
ُثم تنهدت وقالت بصوت تشوبه رّنة ألم:

- ترى هل من الممكن أن تقر عينه بي يا "مرام" إن تزوجته؟ هل سأعجبه؟ هل سيكون مخلصا لي؟
بقي السؤال معلقا في الهواء، فـ"مرام" تخشى أن تخبرها بما تعرفه، قالت "أشريا" بثقة وكأنها تجيب نفسها بنفسها:

- وَلم لا! أوليست التوبة تجب ما قبلها! سيشفى والله قلبه، أليس كذلك يا "مرام"؟ سيرضيه الله بي، وسيستجيب لدعائي... أليس كذلك؟
أجابتها " َمرام" وهي تراقب تعابير وجهها البريء الصادق قائلة:

- نعم حبيبتي.... سيستجيب.

بعد قّليل نامت "أشريا"، أما "مرام" فلم يغمض لها جفن حتى طلع الفجر، ظلت الأفكار تدور في رأسها، صار معرفة بداية تلك الأفكار مستحيل، استسلمت أخيرا للنوم فمهما فكرت وحللت وخططت فهي لن تخبىء النجوم ولن تطفىء وجه القمر.

❐❐❐

يومان والحراسُ يدورون في القصر كالنحل، يفتشون كل الغرف، وكانت البداية من غرفة "أونتي" التي قلبتها الجواري رأسا على عقب، فقد أشرفت "نبرة" بنفسها على تفتيشها بينما كانت "أونتي" وقتها في حديقة القصر، خرجت "نبرة" من غرفتها كالإعصار تزوم وتزمجر، فهي لم تعثر على الكتاب، استبعدت أن تكون قد وصلت إليه فاتجهت وأخيها إلى تفتيش غرف الوزراء وكبار الحراس ظانين أن أحدا منهم قد طمح وطمع للاستيلاء على الكتاب.

في اليوم الأول وعقب مغادرة " َمرام" للقصر، أغلقت " ُأونتي" غرفتها عليها في سكون رهيب، أعادت كل شيء لمكانه بنفسَها ولأول مرة في حياتها، لم تطلب عونا من أحد حتى لا ينتبه أحدهم لغياب "مُرام"، لم يدخل عليها إال جاريتها القديمة التي الحظت غياب "مرام"، أخبرتها "أونتي" بالحقيقة، ونفحتها كيسا ثقيلا ممتلئا بالمال لقاء صمتها وإخفائها للأمر.

أرضى ذلك غرور الجارية وانصرفت على وعد بأنها سترسل إليها جارية جديدة أمينة تحفظ السر مثلها، هرولت خارجة من غرفتها فالأميرة "نبرة" غاضبة والأولوية لإرضائها.

❐❐❐ 

تحت شجرة البلوط، وحيث كانت تتلهف " َمرام"  للعودة إلى منزلها، وقفت تنصت إلى "أنس" وهو يقول:

- حسًنا يا " َمرام"  سألقي بنفسي داخل الفجوة الآن وأعود من خلالها، راقبيني.

دلف  "أنس"  والذي  قضى  وقًتا  طويلا يحاول  فيه  إقناع " َمرام" بأن انتقالهما من خلال الفجوة سيكون أسرع لها وأيسر له حتى يستطيع إكمال رحلته، استل الخنجر وأولجه في طبقات الهواء وحركه كما يفعل وذكر اسم قصر الحوراء، دلف إلى الفجوة فابتلعته واختفى من أمام "مرام"! وقفت وحيدة تحت شجرة البلوط التي كانا يقفان تحت ظلالها، شعرت بوحشة رهيبة وخوف شديد، سكن كل شّيء حولها فجأة، اختفى  ُالشخص الوحيد الذي اطمأنت لأنه من عالمها، ظنت أنه سيوصلها إلى القصر ثم تحملها "قطرة الدمع" إلى بيتها! كان يكفيها ما مرت به، فهل هناك مزيد من المفاجآت في انتظارها! تذكرت تجار العبيد، والسوق ونظرات الرجال لجسدها، وضرب الجواري لها في القصر، وتلك اللحظة التي قذفها فيها "أنس" بالحجارة في عينها، تحسستها بأنامل مرتعشة حيث كانت تؤلمها، تلفتت حولها ونادت بهمس على "أنس" ولما لم يأتها الرد انحنت وسحبت غصن شجرة غليظ وتأهبت للدفاع عن نفسها، لقد رحل إذن وتركها وحدها، قررت أن تعود من حيث أتيا إلى بيت "أشريا"، لعلها تساعدها، اعتصر قلبها الذي أصبحت دقاته كطبول الحرب وكادت تركض لولا أن الفجوة انبثقت من اللا شيء  ًأمامها  فأجفلت وأطل "أنس" منها مرة أخرى، وقف يبتسم وحرك كتفيه موحيا إليها أن الأمر بسيط، وقال بهدوء:

- أرأيت! ها أنا قد عدت سريًعا

بوجه شاحب وشفتين هربت منهما الدماء ويدين تقبضا َن على غصن الشجرة وترفعه متأهبة في الهواء وكأنه سيف تقاتل به كانت "مرام" مجمدة كتمثال من الشمع، فوجيء بها تنهال على كتفه ضربا بغصن الشجرة وهي تصيح بهستيرية: 

- لا..لا...لا

كانت في حالة هياج وغضب شديد، أمسك "أنس" الغصن وجذبه منها بعنف فجرح يدها، فقدت تماسكها وتهانفت وتكورت على الأرض وغطت وجهها بكفيها وانفجرت باكية تنشج في  حرارٍة فوقف أمامها حائرا، كان لا يحسن التعامل مع الفتيات! سألها متعجبا:

- لماذا تبكين؟

قالت بصوت يخنقه البكاء:

- كنت خائفة. 

تذّكر كيف كان يفعل والده مع أخته "حبيبة" عندما كانت تجهش بالبكاء فجأة، كان يتوقف عن الكلام معها ويربت على كتفها بحنان ويحتضنها في صمت، وكانت تهدأ وينتهي كل شيء، لكنهّ ليس واّلدها! ولا يستطيع فعل أي من هذا، فماذا يفعل! سالت الدماء من كفها فتلطخ وجهها بمزيج من الدموع والدماء، كانت ترتجف، بدت له ضعيفة كالقشة، لا بد أن يعيدها إلى القصر الآن، فهو لن يتحمل تقلبات شخصيتها تلك، وليس الوقت مناسبا لمرافقة الفتيات! ولعل "سامي كول" يأمًر بإعادتها لبيتها في الحال، فليتخلص من تلك الورطة، قطع "أنس" جزء يسيرا من ًطرف قميصه وبلله بماء النهر حيث كانا يسيران بموازاته ومده إليها بلطف قائلا:

- امسحي وجهك فقد تلطخ بالدماء، ودعيني أربط لك جرح يدك.

سحبت منه القماشة بعصبية ومسحت وجهها   ُثم كّفها المجروح، كانت هناك شذرات من الغصن قد ُ علقت بجرحها، بدأت تسحبها بحرص وعلامات الألم تلوح على صفحة وجهها ثم قالت بصوت ممزق حزين:

- كرهت تلك المملكة وتلك الغابة وهذا العالم.

وعادت للبكاء، سألها وقد رق لحالها:

- حس ًنا يا " َمرام"، إن كنت تّرفضين استدام الفجوات وتخافينها سّأسير معك، لا تخافي ولا تحزني، هيا فنحن في أول النهار، وخذي هذا لتضمدي جرح يدك.

وقام باقتطاًع جزء آخر من  قميصه، وساعدها لتضّمد جرّحها بحرص شديد، وسارا معا، كانت تلك المرة الأولى التي يقترب فيها ذاك الحد من فتاة، وكان يراها  فتاة لطيفة رغم بعض العصبية والكثير من البكاًء، وربما لأنه آلمها وجرحها مرتين فهي تعامله أحيانا بعنف، لكنه لم يقصد أبدا أن يؤملها، أراد أن يخبرها بهذا!

رنا إليها فبدت  ّله كندفة هشةّ من غزل البنات لو أمطرت السماء عليها لذابت من فرط رقتها، تتبعه كقطة صغيرة تطلب الأمان، كانت خطوة منه تعادل خطوات منها، فهدأ من سيره حتى لا يرهقها، راوده شعور جميل أنه مسؤول عنها، وراق له بشكل ما أنها تخاف عندما يختفي، أو عندما تفصل بينهما أثناء سيرهما شجرة ضخمة، كانت تهرول وتبحث عنه خلفها تخشى أن يختفي مرة أخرى. أصابه الضيق لأنه كان سببا في بكائها، مزيج من المشاعر كان يختلج في صدره.

توقف عن السير والتفت إليها وأخبرها أنهما سيجلسان للراحة قليلًا، جلست فورا في صمت وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة لكنها كانت تخجل أن تطلبها منه، فقد أرهقها السير، أخرجت من حقيبتها تفاحتين كانت "أشريا" قد أعطتهما لها ومدت يدها إليه بإحداهما، تناولها منها وجلس يلقيها في الهواء ويتلقفها بيده ويراقب وجهها بطرف خفي، ثم سألها بفضول:

- كيف  قضيت  الفترة ً الماضيًة  وحدك؟  حدثيني  يا  " َمرام"  عن  رحلتك وكتابك، هل كنت دائما خائفة وتبكين هكذا؟

أطرقت قليلا وكأن ملاحظته جعلتها تتأمل حالها وما آلت إليه، قالت وهي تحملق في الأرض أمامها:

- لم  أكن  بتلك  الهشاشة،  كان  لدي شعور بأنني قوّية، لم أكن أشعر بالخوف كما أشعر به الآن، وكان للقائي بالمغاتير فور وصولي أثر كبير في نفسي، كانت "الحوراء" معهم، احتضنتني فور أن تركتني "قطرة الدمع" فشعرت  وكأن  شيئا  مّا أحاطني فغمرني الشعور بالأمان، في الحقيقة راودني شعور جديد... ربما روح المقاِتلة التي وصلت للتو لأرض المغامرات! شعور يشبه ما قرأت عنه دوما في الروايات، سلمتني "الحوراء" خريطة وبدأت  رحلتي،  سريعا  ما  ظهرت  كلمات  كتابي  عندما التقيت بالأميرة "هيال"، كانت فتاة رقيقة وواثقة بنفسها تكبرني بخمس سنوات، لازمتها طوال الوقت، فقد استضافتني في قصرها وعاملتني كشقيقة لها، "هيال" تعيش في منطقة تقع خلف مملكة الشمال، لم يكن لدي خنجر مثلك، لكنني كنت أستطيع سماع أفكار الناس.

- ماذا! تقرئين الأفكار!

- لا... أسمع صوتها كما أسمع صوتك الآن، تلك كانت من مميزاتي ويبدو أنني فقدتها منذ انتهاء مهمتي، كنت أنصت إلى صوت  ًأفكار من أمامي، فكنت أعرف الصادقين والكاذبين، وكان ذاك مرهقا جدا، كنت أعاني صراعا نفسيا عندما أرى على وجوه الّناس وألسنتهم عكس ما يفكرون به، وفي النهاية وبعد أن انتهت مهمتي تأملت فأدركت أن الله ستر خواطرنا رحمة بنا، ولو بحنا لمن حولنا بكل ما نفكر به كما هو ما طاب لنا العيش معا، الحمد لله أنني فقدت تلك الميزة و أنا الآن لا أسمع إلا نفسي.

ارتاح "أنس" حين تأكد أنها فقدت تلك الميزة.. لا يدِر  ِلَم ! وهرب من إجابة نفسه..أشار إليها لتقوم ليكملا حديثهما وهما يسيران لعلهما يقطعان الغابة قبل حلول الظلام، كانت تسير خلفه، وكلما حاول أن يقدمها أمامه ليطمئن عليها تتأخر خلفه لبطء خطواتها، فطلب منها أخيرا أن تسير بجواره ففعلت، سألته على استحياء:

- كم عمر أختك"حبيبة"

- تصغرك بعام؟

ُثّم أردف بعد أن رنا إليها سريعا:

- وتشبهك كثيًرا.

أخجلتها ملاحظته وارتبكت فتعلقت بحقيبتها وقبضت عليها بقوة وكأ ّنها تستمد منها الأمان وقالت:

- لا شّك أنك تفتقدها

- أفتقد كّل شيء في حياتي، بيتي، وأهلي، رائحة عطر أبي، حضن أ ّمي، صوت  جدي،  دفء  البيت،  حتى  ملابسي  وهاتفي  الجوال،  ورفاقي، وحاسوبي.

- وأنا أفتقد.... الأمان.

التفت إليها وقال بتأّثر:

- "مرام" سامحيني لأنني أوجعتك مّرتين

-  لا عليك، أنا أيضا ضربتك  بالغصن على كتفك كالمجنونة.

قال مازحا :

- لكنك لم تؤلميني... أي محاربة أنت! وأين قوسك البلاستيكي الذي كنت تلعبين به في الغابة.

لاحت على شفتيها ابتسامة خبأتها بكفها المضمدة بجزء من قميصه، كانت كلما رفعت كفها وتأملته وهو ملفوف بشيء يخص "أنس" شعرت بارتباك، وكأنه يمسك يدها بنفسه! سارت بجواره وفي صدرها يتلجلج صراع بين رفضها للسير مع شاب غريب عنها، وبين اضطرارها لهذا لتعود إلى القصر، فهي لم تختر تلك الظروف، هي مجبرة عليها لا ريب، بدأت تتمتم بالدعاء ألا يتركها الله، وأن يكفيها شر نفسها ونفس "أنس".

قال وعلى وجهه ابتسامة مشرقة بينما كانا يعبران تحت أشجار الياسمين حيث هطل عليهما الياسمين وكأنه يرحب بهما:

- أعشق رائحة الياسمين.

قالت وهي تحمل بين كفيها حفنة من زهور الياسمين التي تراكمت على الأرض وتقربها من أنفها:

- وأنا، ليتني أستطيع الحديث مع زهراته كما تفعل السيدة "ناردين" فهي تسمع أنين النباتات وتسبيحها وتنصت لحكاياها العجيبة.

- معقول!

- ألا تعرف قصة السيدة "ناردين" مع الغابة هنا؟

- لا

- حسنا... سأخبرك بها

بدأت  " َمرام"  تقص عليه ما حدث مع السيدةّ "ناردين"، أشفق على العجوز عندما علم بما فعلته معها زوجة ابنها، وتعجب عندما علم بحديثها إلى النباتات وكيف تنصت إلَى أنينها وتحاورها، بينما كانت "مرام" تحكي له عنها كان يقاوم ضجة أحدثتها "مرام" في عقله ووجدانه، طريقتها في الكلام راقت له، ذاك الهدوء وتلك السكينة التي حلت عليها بعد أن انتهت تلك العاصفة التي أصابتها عندما  اختفى من أمامها فجأة يعجبه، وهذا الضعف الأنثوي الرفيق الذي فيها أثر في نفسه، وقارها واحتشامها أسرا فؤاده، أما دموعها فقد صوبت تجاه قلبه الضربة القاضية! سألها وقد اقتربا من بيت "ناردين":

- أتساءل هل ظهرت العبارات في كتابي أم ليس بعد!

- لا أدري هل سيطلق كتاب "إيكادولي" سراح الكلمات وهو بعيد عن يديك يا "أنس" أم لا!

- كيف كانت  العبارات تظهر في كتابك؟

- كان يهتّز وأحيا ًنا يتحّرك في مكانًه فكنًت أنتبه،  ّوكانت تنبثق الحروف تباعا وكأنها تنقش بريشة ومحبرة حرفا حرفا على السطر، أحيانا كنت أشك أن الكتاب يتنفس وله قلب ينبض وهو يظهر الكلمات، تلك الكتب حية يا "أنس" !

- كنت أفكر أنه ربما يكون "كلودة" و"أشريا" هما بطلا قصتي، أليس كذلك؟

تمتمت بضيق  ُثّم قالت:

- أرى  "كلودة" لا يستحق أن يكون بطلا لأي قصة حب!

- لماذا؟

تجاهلت سؤاله حتى لا تضطر لفضح "كلودة".... ُثّم قالت:

- رّبما بطل قصة كتابك هو "كومبو" وفتاة أخرى! ولم لا؟

هز كتفيه قائلا:

- أو رّبما " ُأونتي" وأي شخص آخر!

- لا تذ ّكرني بـ" ُأونتي" أرجوك…

- لماذا؟

هزت رأسها في ضيق وقالت:

- لا شيء.. فلننس أمرها.

كانت  العجوز  "ناردين"  تجلس  أمام ً الكوخ  وتستنًد  بذقنها على كفيها المعقودتين فوق عكازها الذي أصبح صديقا لا يفارقها أبدا عندما تهلل وجهها وبرقت  أساريرها من الفرح  وهي تراهما يقتربان، أصابتها السعادة وتهللت أساريرها  عندما رأتهما معا، لم تتمكن من منع نفسها من الضحك بصوت عال وكأنها طفلة صغيرة سرت بقطعة  َمن الحلوى أهديت إليها، جلسا عن يمينها  وشمالها بينّما احتضنت كف "مرام" بحنان فور أن رأت ضمادتها وجلست تسألها عما أصابها، ثم سألتهما كيف كان الطريق، وماذا حدث لهما حتى الآن.



✍حقوق الطبع و النشر خاص بمدونة الأقلام الذهبية©



إذا كان لديك قصه و تريد مني نشرها قم مراسلتي على تطبيق واتساب اضغط هنـــا

تعليقات